اي ظلم لحق بكيس النايلون؟ ما هو الذنب الذي اقترفه حتى بات عنوان حملة عالمية لمحاربته؟ هو مجرد تطبيق لفكرة، لقيمة باتت عالمية. يتبناها الغني والفقير، المؤمن والملحد، اليميني واليساري. تتبناها الدول والأفراد، المجموعات الصغيرة، الاتنيات، الشركات والإرهاب... الخ انه مجرد تطبيق للفكرة أو للفلسفة العملية (العملانية والبراغماتية) المسيطرة.

أن تكون عملياً يعني أن تعتبر أن نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، وأن معيار الحقيقة هو في مدى تبنيها، وان قيمة السلعة هي في مدى رواجها، لا في قيمتها الذاتية.
أن تكون عملياً يعني أن تكون معاصراً، وأن تنشّط قسماً من تفكيرك ودماغك على حساب قسم آخر. يعني أن تتجاهل كل التاريخ وما سبق من تجارب وان لا تنظر الى الوراء... وأن لا تنظر إلا إلى المستقبل. يعني أن تتقدم بسرعة حتى لو دست على كل شيء من حولك ومن تحتك. أن تتجاهل كل تجربة او عبرة او حكمة او قيمة عميقة، ولا تخضع إلا لقيم السوق وسرعة التغير والتحول، تماماً كما يفرض اقتصاد السوق وزيادة التصنيع والانتاج الذي يحتاج الى من يستهلك، بسرعة، ومن دون تفكير او تأمل.
أن تكون مستهلكاً عملياً يعني أن تستهلك من دون أن تكون لديك حاجات حقيقية. السوق ودعاياته واعلاناته هي التي تصنع لك الحاجات (الكاذبة) كما تصنع السلع، بشكل آلي سريع… وليس عليك سوى أن تتماهى معها بسرعة.
ما نعيشه اليوم من أزمات، وبينها مشكلة ادارة النفايات وفي طليعتها المواد البلاستيكية، هي نتيجة عملية للفكرة المسيطرة التي تقول إن الإنسان العملي هو الأفضل، وبعدما لم يعد هناك مجال للتنظير ولا للتفكير ولا للتأمل بالطبع. ومن يحاول أن يفكر كثيرا قبل أن يعمل قليلا، يقال عنه انه «متفلسف». انه زمن تراجع القول الفلسفي الذي كان يبحث عن الحقيقة والجوهر والمعنى والفكرة المجردة والجذور والعمق والاستدامة... على حساب تقدم الفكر العملي والسريع. فلا قيمة في العصر الحالي لغير العملي والسهل والسريع والرخيص. ومن أكثر من كيس النايلون يستطيع أن يعبر عن هذه القيم والأفكار المسيطرة على العصر؟ ومن لديه ليونته وسهولة استخدامه؟
كل هذه المنظومة الفكرية المتكاملة العملية خلقتها متطلبات التصنيع والسوق وحرية تجارة السلع وتبادلها وتنقلها، من دون أي مراجعة أو تدخل او ضبط… ثم نسأل كيف تراكمت كل هذه النفايات، وخصوصا البلاستيكية منها؟ّ!
تم تمجيد البلاستيك وليونته حتى قيل انه ساهم في تليين العقل البشري، مما خفف من النزاعات والحروب. وهذا بالطبع غير صحيح. فصناعة خرطوش الصيد البلاستيكي، على سبيل المثال، سهل استخدامه في اسلحة الصيد «المتطورة»، مما ساهم في إفناء الطيور، بعد أن ساهم في تليين عقول (غير) المسؤولين الذين شرعوا وحللوا القتل بطرق أكثر «عملية»، وسرّعوا في القضاء على اجمل المخلوقات كالطيور! كل ذلك برعاية بعض البيئيين، الذين لينوا أو «نيلنوا» عقولهم تماشيا مع روح العصر، بدل أن يحملوا فكرا ثوريا مضادا نحو العودة الى الوراء او التمسك بقيم الاستدامة.
مظلوم كيس النايلون. انه ضحية منظومة تفكير سريعة، سطحية وغبية، اعتبرت أن العمل والعملي هو أساس كل شيء. وان العمل أهم من الكسل. فإذا كان الله قد خلق العالم في 6 أيام واستراح في اليوم السابع، اما كان على الإنسان، أن يعمل ليوم واحد في الاسبوع ويستريح 6 ايام؟! فلو عملنا اقل، لكنا عملنا جميعا. وهذا كان يعني بطالة أقل وفقراً أقل... ونايلون ونفايات أقل. ولما كنا احتجنا الى كل هذه الحملات الدولية السطحية للحد من استخدام البلاستيك، بدل أن نقوم بحملات ضد الفكر اللين والعملي واطلاق حملات تحت عنوان «لنفكر اكثر ونعمل اقل».