لعنة الحرائق قدرٌ مشؤوم يلاحق مخيّمات النازحين. في المخيّم السوري القريب من فلسطين المحتلة، يقولون إنهم يفهمون أن الصقيع «مكتوب» عليهم في مِثل هذه الشهور، لكن أن يحترقوا في الشتاء، فهذا كثير. الحريق يتجلّى على ما تبقى من بيوتهم.


فجر الثلاثاء اقتصرت الأضرار على «الماديات» من دون أن توقع ضحايا، وتحديداً في «التجمع رقم خمسة»، ضمن مشروع ثمار لصاحبه نديم أبو نعمة. يسكن هؤلاء في هذه الخيّم مقابل عملهم في الأرض الزراعية. أسفر الحريق عن اشتعال ثلاث عشرة خيمة من أصل أربع وعشرين، وتشرّد خمس عشرة عائلة بين رجالٍ ونساء وأطفال، اتّخذوا من خيم جيرانهم وأقربائهم ملجأ مؤقّتاً لهم إلى حين إعادة نصب بيوت لهم. ليلاً، تحتضنهم المساحة الضيّقة أمام عتبة الخيم. يراقبون الجرّافة: تزيل بقايا أشيائهم التي تحوّل معظمها إلى رماد، تهيّئ الأرض لخيم جديدة، أو لخيبة جديدة. السّماء سقفهم الجديد.
يقول سكان في المخيّم ــــ والمخيّم ليس سكناً ــــ إن الحريق نتج عن احتكاك كهربائيّ في خيمة «بنات حما أميرة». حريق حوّلَ فرحتها المنتظرة بعقد قران أخيها على ابنة حميها إلى غصّة... «كلّ لباسها وجهازها راح»، تقول، بحسرة، من قدر سيئ يتكرر. لم تكتفِ «الأقدار» بحرمانهم من أرضهم بل حرّمت عليهم الفرح: «كأنّ للحياة ثأراً معنا». في انتظار مولودها الثالث، تخفي أميرة تذمّرها بابتسامة صغيرة. مطلبها الوحيد أن تسترجع بيتًا يشعرها بالرّاحة رغم أنّه بعيد كلّ البعد عن صورة البيت المستقبليّ التي رسمتها يوماً في مخيّلتها.
وهي ليست المتضررة الوحيدة. «شلنا ولادنا من الفرشة ولقّحناهن برّا الحريق» تقول شمسة (أمّ لثلاثة أطفال)، متأسّفةً على خسارة خيمة ترى فيها قصراً في حين يرى فيها آخرون جحيماً. الأرض الزراعية في الجهة المقابلة للمخيّم كانت الخيار الوحيد لعائلتها وباقي العائلات الهاربة ليلة وقوع الحريق... «ركضنا حافيين ومعرّايين، ما ضلّلنا إشي». الأواني وأدوات المطبخ جلّ ما تركّز عليه شمسة أثناء حديثها عن الخسارة، فهي أحد أسلحتها التي «تنافس» من خلالها ضرّتها حورية.


فورَ حدوث
أي مشكلة في مخيّمات النازحين تتوافد الجمعيات
إلى المكان


حرقة الخسارة ترويها ملك بدموعها. تمسحها بعباءة والدتها شمسة. ابنة التسع سنوات أتمّت واجباتها المدرسيّة ليلاً. جهّزت حقيبتها، وهيّأت نفسها لامتحان غُيّبت عنه قسراً. استيقظت بلا سقف، على أصوات صُراخ الأمّهات بدل جرس المدرسة. وحتى عودتها إلى غرفة الصفّ الثاني ابتدائي، تكتفي ملك بمراقبة أصدقائها من بعيد، يتسابقون في طريق العودة إلى المخيّم حاملين حقائبهم الثقيلة على ظهورهم. يحملون فيها كتباً ودفاتر وتعب اللجوء. أمّا مراد البالغ من العمر ثماني سنوات، فلا تعنيه كثيراً أشياء المدرسة. كلّ ما يعنيه هو «الدّوزر». وهي عربة صغيرة لنقل التراب والحجارة، هي وحدها الأحبّ إليه. ذهبت في الحريق.

الجمعيات: «هجوم» عشوائي

فورَ حدوث أي مشكلة في مخيّمات النازحين السوريين تتوافد الجمعيات إلى المكان. تستعرض «عضلاتها» في تسجيل الملاحظات والوعود بتقديم «المساعدات اللّازمة». في الواقع، المساعدة الحقيقية أكبر من «حكي الجمعيات». يركّز رئيس بلدية الوزّاني أحمد المحمد في حديثه مع «الأخبار» على ما يحصل ضمن المشاريع «من زيارات عشوائية غير منظّمة للجمعيّات». يشير إلى أنّ «التنسيق مع البلدية والجهات المعنيّة ضروريّ لمعرفة من يقدّم المساعدات ومن لا يفعل». لكن من يوقف الجمعيات؟ وفي الأصل، من يسأل عن عمل البلديات؟ والأهم، من يكترث للنازحين؟ عددٌ من الفرشات والأغطية وحصص الطعام، هذا كل ما أمنته الجمعيات التي وفدت إلى مكان وقوع الحريق. الأهالي الذين لا يملكون شيئاً، لا يملكون تعليقاً أيضاً. يريدون حياةً كريمة. ولا يريدون أوصياء. وكيل المشروع محمد شعيب يميّز بين الجمعيات، ويلفت إلى أن «من بين جميع الجمعيات التي قصدت المكان، هناك واحدة قدّمت مساعدات والباقي مجرّد حبر على ورق»، لافتاً إلى أنّ أهالي قريتَي الوزاني وعين عرب قدّموا مساعدات كلّ بحسب مقدرته. «عشرة أيّام»، هي المهلة اللازمة لإعادة إنشاء الخيم وفق ما أشار إليه شعيب، وإلى ذلك الحين تستقبل الخيم الإحدى عشرة المتبقيّة ما يزيد على عشرين شخصاً ضمن الخيمة الواحدة. أشخاص صاروا يعرفون بعضهم. يخشون الصقيع، أو تجدد الحريق.




خريطة التجمعات

يضم «مشروع ثمار» ستة تجمّعات لمخيّمات اللاجئين السوريين. تفصل بين تجمّع وآخر مسافة تبلغ حوالي 500 إلى 1000 متر. ويتمّ تقسيم اللاجئين ضمن التجمعات حسب المناطق والعائلات التي ينتمون إليها، اذ من الأفضل أن يضمّ التجمع أقرباءً من المنطقة نفسها، وذلك «تفادياً للمشاكل والحزازيات». بضعة سنتمترات فقط تفصل بين الخيمة والأخرى.






1000 نازح في الوزاني

لا احصاءات واضحة عن عدد النازحين السوريين في المنطقة. لكن حسب رئيس بلدية الوزّاني أحمد المحمد، فإن العدد «التقريبي» في البلدة يقارب الألف، يتوزعون على 5 مخيّمات، بمعدل 200 لاجئ تقريباً في كل مخيّم.