بعدما أُقفل لنحو سنتين، عقب احتجاجات «الحراك المدني»، أُعيد فتح وسط بيروت أمام الناس ليلة رأس السنة. توقع المتفائلون أن تعود «الحياة» إلى المنطقة. أن يعود الأولاد لمطاردة الحمام قرب الساعة الكبيرة وهم يطلقون الفقاقيع في الهواء. شيء من هذا كان ليحدث لو أن وزير السياحة كان ألطف قليلاً في تصريحه الشهير: «من عنده القدرة على زيارة مطاعم بيروت لن يغصّ بعشرة آلاف ليرة». والعشرة آلاف هي التعرفة الرسمية للـ«فاليه باركينغ» في الـ«داون تاون».


فُتحِت الأسواق، وأزيلت الحواجز من أمام شارع المعرض. ما الجديد بعد «همروجة» رأس السنة؟
عناصر قوى الأمن الداخلي عند مدخل كل شارع هم «روّاده» الأساسيون. يمكن رؤية سياح آسيويين في زوايا ساحة النجمة، يلتقطون الصور ويوزّعون على المارة ابتسامات ضئيلة. رغم ذلك، يؤكد موظف في أحد المحلات أن إعادة فتح البلد «تفنيصة»، وأنها لم تحدث أي تغيّر يذكر. الكراسي تركت للهواء. يقول رجل مسنّ، يأتي ليقضي يومه جالساً على أحد الأرصفة النظيفة، إن موظفي المؤسسات الموجودة في المنطقة هم من يحدث الزحمة... إن حدثت. دولاب الهواء هنا بـ 10 آلاف ليرة. إذا كان لعائلة ذات دخل محدود ولدان، ستضطر لدفع 20 ألف ليرة ثمن دولابي هواء فقط، عدا عن كلفة الـ«فاليه باركينغ». حتى الآن، 30 ألف ليرة ثمناً للهواء. لا طعام ولا شراب، ولا عود «غزل بنات» حتى. أحد الآباء يحمل دراجة ابنه الهوائية، والأخير يقف وينظر إلى الاسفلت. سئم من دراجته واشترى بالوناً. البالون في الـ«داون تاون» بعشرة دولارات. المشكلة نفسها: الوالد دفع ثمن بالون وموقف سيارة. من المفترض أن يكون وسط المدينة من للجميع، كما يعلم الجميع، وليس مخصصاً للسيّارات. وهذا ما ينساه، أو يتناساه، البعض.
نادل في أحد المقاهي المطلّة على ساحة النجمة أكّد ما قاله زملاؤه في المطاعم والمحلات الأخرى: لم تتغيّر حركة الناس. أيام الآحاد يعجّ وسط بيروت بالناس والأولاد، ولكنهم يطعمون الحمام ويجلسون على حواف الطرقات. رواد المقاهي هم، فقط، من الذين «يستطيعون شرب فنجان القهوة بـ 10 الآف ليرة».


حتى الواجهات تخلق نفوراً إذ تشكل جزءاً من الحاجز الذي يفصل اللبناني عن وسط عاصمته


عامل في أحد المحال أشار بيده إلى المدينة بشكل دائري وقال: «مدينة أشباح». الشوارع توحي بالمرض. في أحد المقاهي رجل وزوجته، أمامهما طبق فيه منقوشة وبعض الخضروات، يتبادلان «نبريش» النرجيلة كل عشر دقائق. حديثهما عن مشاكل العمل مسموع بوضوح لأن الشارع شبه مهجور، إلا من الهواء وبعض أصحاب المحال. الأشجار التي تحت الساعة، تحتها رجل، يضم ركبته إلى صدره ويسند عليها يده ليحمل رأسه. كأنه صورة عن المدينة. صدى الأصوات مرعب. صدى صوت أجراس الكنيسة القريبة وأربع أغنيات تصدح من أربعة مقاهٍ. صدى بلا مستمعين.
يزور الناس «زيتوناي باي». يلوّحون بأرجلهم فوق الماء وينظرون إلى اليخوت التي أمامهم ويأخذون صور السيلفي معها. الميسورون يأكلون في مطاعم «زيتوناي باي». وربما يتسلّى شبان ببعض البطاطا المقلية من هذه المطاعم، وتجربة بعض الأطباق في المناسبات.
كما كان متوقعاً، فشل مشروع فتح وسط المدينة. فالمشكلة لم تكن يوماً بالحواجز الموجودة على مداخل الشوارع، بل في جعل هذا المكان مرتبطاً بطبقة محددة، فيما يجب أن يكون وسط المدينة ــــ أي مدينة ــــ متاحاً للجميع. محال «فيرزاتشي» و«لوي فيتون» وغيرها في وسط بيروت ليست كل ما يحتاجه الناس. يجوب هؤلاء الشوارع وينظرون إلى الواجهات ويمشون. حتى الواجهات خلقت نفوراً لدى البعض، إذ أنها تشكل جزءاً من ذلك الحاجز الذي يفصل اللبناني عن وسط عاصمته. لا يشعر الناس بالانتماء إلى وسط بيروت الذي انفرد بمناخ خاص يختلف على نحو كبير جداً عن أطراف المدينة وضواحيها.
في كل الأحوال، كثيرون لا يضعون المنطقة ضمن لائحة الأمكنة التي يمكن أن يقصدوها في أيام العطل. تقول مروى إنها تشعر إن المنطقة «مش النا». لماذا «مش النا»؟ المكان سُلخ عن محيطه وبات يملك طابعاً وجواً مختلفين عن بقية المناطق، ويخلق شعوراً بالغربة عند اللبناني كما لو أنه في بلد آخر. كما لو أنه في اسطنبول مثلاً. بدوره يبرّر أحمد مقاطعته لوسط المدينة بالغلاء والارتفاع غير المحتمل للأسعار. هذه الفكرة حاضرة في الأذهان، وتطورت إلى حد تكوين حاجز بين المواطنين والمدينة، أي أنهم غير مستعدين حتى للنزول إليها والتجوال في شوارعها.
والرفض ليس اعتباطياً. إن أردنا الحديث عن أولئك الذين ما زالوا يقصدون «البلد»، فكيف يصلون إليها؟ ما هي وسائل النقل التي تقلّ الناس إلى شارع المعرض مثلاً؟ يمرّ فان رقم 4 من طريق يعدّ قريباً نسبياً من ساحة النجمة، بينه وبين شارع المعرض حوالى 15 دقيقة من المشي. لا بأس في المشي، الناس يذهبون إلى هناك بهدف «الكزدرة» أساساً، لكن المواصلات تشكّل دائماً عاملاً محفزاً في حال توفّرها. «الرّوحة زنخة»، يقول مروان، وهو أب لثلاثة أطفال. إن أراد اصطحاب عائلته للكزدرة في وسط المدينة، سيدفع 10 آلاف ليرة فقط للمواصلات، وإذا أراد أن يشرب وزوجته وكل من أولاده كوب عصير، سيدفع بالحد الأدنى 50 ألف ليرة. يستطيع اصطحابهم إلى مكان آخر، يمكن أن يكون أحبّ إليهم وأقل كلفة. حتى الشباب يرون أن الـ«نزلة» مكلفة، أي أن المقاطعة لا تقتصر على الأهل والعائلات. المقاطعة أسهل.
هذا يوضّح معنى عبارة «مش النا» التي تكاد تكون كلمة موحّدة باتت مرتبطة بوسط بيروت. يتضح بعد كل هذا أن المشكلة في وسط المدينة لم تكن يوماً في الحواجز الاسمنتية ولا في الشرائط الصفراء، بل في كونها غير صالحة لغالبية اللبنانيين. التفاعل بين الناس والمدينة مقطوع، علاقة المواطن بمدينته غائبة. ما هي نسبة الأشخاص الذين سيشترون صحن خضار بعشرة دولارات؟ هل ستحدث ازالة العوائق الحديدية من أمام شارع المعرض أي فارق بالنسبة لهؤلاء؟ الإجابة ليست صعبة.