بيوت حي القياعة بأغلبيتها تراثية وتحدّها البساتين، وحتى بعض البيوت الحديثة تتضمّن حدائق صغيرة. لم تستطع «الحداثة» في الحي الصيداوي التغلب على ميل السكان إلى الطبيعة. ويمتلك الحي قيمة تاريخية في عيون سكانه، إذ أنه يقع بالقرب من مقبرة ملكية كانت تحوي توابيت لملوك صيدا القدماء، واستخدمت آثارها لاحقاً في تأسيس المتحف الوطني في إسطنبول سنة 1890.


المباني والبيوت في حي القياعة قريبة من بعضها، والشوارع فيه ضيقة، مما يجعل مرور السيارات صعباً. القِدم ليست صفة البيوت وحدها، فالسكان أيضاً ورثوا البيوت التي يسكنونها عن أهلهم وأجدادهم. هنا يصبح الأمر متعلّقاً بالأرض وجوانب هذه العلاقة الاقتصادية والاجتماعية تأتي في الهامش، بالنسبة للـ«قيّاعيين».
حسب الخبراء، قد يتسبب مشروع توسيع طريق السلطانية ــ الذي يربط مدينة صيدا بشرقها ــ بأضرار بيئية وأركيولوجية. وبالنسبة لأهله ثمة ما هو أهم: تقسيم حي القياعة إلى ثلاثة أقسام. إضافة إلى ذلك، تتضارب التخطيطات مع مجموعة من بيوت الحي أو أجزاء منها، مما سيؤدي إلى إزالتها جزئياً أو بشكل كامل، فضلاً عن استقطاع حدائق بعض البيوت. ستون من مباني الحي مهددة بالهدم الجزئي أو الكلّي، إضافة إلى قطع بعض الأشجار المعمّرة. أحد الطرقات سيتم توسيعه ليبلغ عرضه 25 متراً، وهي مساحة كفيلة بإحداث ضرر ودمار في بعض بيوت الحي على نحوٍ واضح. البلدية «تطمح لإنشاء اوتوستراد، لا مجرد إصلاح طريق»، يفترض أحد سكان الحي. لم يبدأ العمل على تطبيق خطة المشروع على الأرض، إذ إنه لا يزال قيد الدرس حالياً، وذلك بالتأكيد يعطي فرصة لإجراء تعديلات يمكن أن تجنّب التسبُّب بأذية السكان والعبث ببيوتهم ومحلاتهم.
التسريبات تؤكد أن المشروع قائم، لكن البلدية لم تُعلم السكان رسمياً بعد، وهذا ما يمنع المتضرّرين من التقدم بشكوى في البلدية. لكنهم بدأوا تحركاتهم فعلاً. مجموعة من أهالي حي القياعة ومتضامنون معهم وقعوا عريضة لإنقاذ الحي من الهدم الذي يهدد معالمه ومبانيه، عرضوا فيها مطالبهم وقدموا أسباب اعتراضهم على المشروعين، مطالبين بإلغاء تخطيط عام 1967 «كي لا يتعرّض أهالي الحي لأضرار مستقبلية ولإنهاء حالة الغموض، التي عانى منها الأهالي على مر العقود الماضية بخصوص مستقبل منطقتهم، والتي أدت لحرمان الحي من مشاريع تنموية لتحسينه بحجة انتظار تنفيذ التخطيط».


قد يتسبب مشروع
توسيع طريق السلطانية بتقسيم القياعة إلى ثلاثة أقسام

وورد في العريضة أيضاً مطلب إيجاد حلول جديدة ومسارات بديلة للطرقات التي من الواجب تخطيطها وتنفيذها، من دون إلحاق الضّرر بحي القياعة أو أحياء أخرى في صيدا. وتوقف الأهالي أيضاً عند موضوع التعويضات عن الاستملاكات، إذ اعتبروا «أنها لا تساوي القيمة المعنوية والمادية الحقيقية» لما هم مقبلون على فقدانه.
رئيس بلدية صيدا، محمد السعودي، أكّد أن المشروع يهدف الى تحسين حياة الناس وتسهيلها، وهو لن يضرّ بهم. أما في ما يتعلق بالتعويضات فاعتبر «أن المشروع مقترح من قبل وزارة الأشغال العامة والنقل، ولا علاقة لنا كبلدية بتعويضاتٍ أو خسائر أو ما شابه». وعند سؤاله ما إذا كان يمكن للبلدية أن تكون صلة وصل بين الوزارة وأهالي الحي ــ بهدف نقل مطالبهم ومشاكلهم ــ اعتبر السعودي أن هذا «ليس من وظائف البلدية». إذاً، نفت البلدية علاقتها بما يحدث على رغم أنها المسؤول المباشر عن المشروع، الذي قال رئيس البلدية إن عمره لا يتجاوز 10 سنوات، وهو أمر يتعارض مع ما ذكره الأهالي عن أنه مطروح منذ عام 1967.
يقول أحد سكان حيّ القياعة، وأحد المتضررين الذين ستتعرض منازلهم لهدم جزئي، إن أهالي الحي يرحّبون بالتغيير وترتيب الشوارع وتدعيم البنى التحتية، لكن «ليس على حساب حياة الناس». ويلفت الى أن «أكبر الأراضي يملكها مسؤولون كبار كفؤاد السنيورة وأبو رامي زيدان، وهذه أولى بالتنظيم من الأراضي الصغيرة التي يملكها أشخاص غير ميسورين مادياً، ومن توسيع طريق السلطانية. يعي السكان أهمية عملية الضم والفرز التي يقوم عليها أحد المشروعين، لا بل يشجعون الخطط التي تهدف إلى تنظيم الحي وتحسينه، لكنهم يطالبون المعنيين بمراعاة المتضررين، من مالكي البيوت والمحال التي ستتعرّض للهدم، وأصحاب العقارات الصغيرة التي ستتحول إلى حدائق أو جنائن صغيرة إن خضعت للضم والفرز، خاصةً وأن الكثيرين من أصحابها يعتمدون على محصولها في الكسب والعيش.
كما هي حال غالبية المشاريع في لبنان، يمكن وضع احتمال أن المشروعين لن يُنفّذا. قد يُكمل أهالي حي القياعة حياتهم على نحوٍ طبيعي. والدليل على ذلك بقاء أحدهما خمسين سنة قيد الدرس. لكن حياة الناس مهددة هناك. السّكان خائفون. مشروع من هذا النوع لن يعود بالفائدة على المواطنين، كونه يحسّن على نحوٍ بسيط من جهة، لكنه يزيد الأمور سوءاً، من جهات أخرى.