لم يتردد أحد المدّعين أمام محكمة حلبا في تمزيق إيصال الاستدعاء، احتجاجاً على إرجاء الجلسة للمرة الرابعة من دون أن يتمكّن من الإدلاء بشهادته، إما بسبب كثرة المراجعين والشكاوى، أو لعدم حضور القاضي. «في كل مرة أرجئ أعمالي للحضور إلى هنا على أمل البت في القضية لأُبلّغ فقط بعدم حضور القاضي الذي لا يحق لنا أن نسأل عن سبب غيابه».


ويضيف: «رغم أنني المدعي، أصرّ القاضي على الاستماع الى افادتي التي لم أتقدم بها بعد مرور عامين على الادعاء. صدق المثل: الله لا يعلّق حدا بالمحاكم»!
الممر الضيّق المؤدي الى غرف محكمة حلبا أشبه ببرج بابل حيث تختلط أصوات المعترضين على تأجيل الجلسات، وهو يعكس صورة الدوائر الحكومية في محافظة عكار التي تفتقر الى قصر عدل خاص بها. في محكمة حلبا، مئات المراجعين وعشرات المحامين يُحشرون في الممر الضيق، وفي الغرف الخمس الموزعة بين غرفة القضاة، رئيس القلم، الأرشيف، المستودع وقوس المحكمة. فيما محكمة القبيات عبارة عن ثلاث غرف، من دون قوس محكمة.


قاضيان في محكمة حلبا لمتابعة أكثر من 12 ألف ملف!


بؤس محكمتي حلبا والقبيات لا يقتصر على المبنيين غير اللائقين اللذين يفتقران للتجهيزات الإدارية والفنية التي من شأنها تسهيل عمل الموظفين والقضاة وأرشفة الملفات، بل ينسحب أيضاً على النقص الفادح في عدد القضاة، ما بات يشكل عائقاً فعلياً أمام تسهيل أمور المواطنين والبت في قضاياهم التي يبقى بعضها عالقاً لسنوات طويلة. ورغم إقرار عكّار كمحافظة، فإنها لا تزال تابعة قضائياً لمحافظة الشمال، حيث محاكم الاستئناف والنيابة العامة ودائرة التحقيق جميعها في طرابلس. ومع أنها إحدى أكبر المحافظات اللبنانية، ينحصر الجسم القضائي في عكار بأربعة قضاة (قاضيان مدنيان هما: جوليانا عبدالله وطارق صادق، وقاضيان جزائيان هما: حسين عبدالله ولطيف نصر) يتناوبون بين حلبا والقبيات!
وتظهر الأرقام أن عدد الدعاوى المدنية المقدمة في محكمة حلبا وحدها يفوق الخمسة آلاف ملف (تتوزع بين الأحوال الشخصية، الأمور المستعجلة، القضايا العقارية، القضايا المالية، وقضايا الإيجارات والتنفيذ)، إضافة إلى نحو 7500 ملف جزائي موزّعة بين حق شخصي وحق عام، وهذه جميعها يفترض أن يبت فيها قاضيان فقط! علماً أن أحد القضاة الأربعة يشغل مناصب عدة في الوقت نفسه، فهو رئيس مجلس العمل التحكيمي في الشمال ومستشار في محكمة الجنايات وقاض منفرد جزائي في حلبا.

صرخة المحامين

«الوضع لم يعد يطاق، والزحمة تخنقنا»، يقول أحد المحامين. ويسأل: «كيف لنا أن نتابع الدعاوى في عكار والمراجعات في النيابة العامة أو الاستئناف وقضاة التحقيق في طرابلس، ما يفرض علينا يومياً التنقل بين المحافظتين، علماً أن غالبية المتقاضين في طرابلس من عكار». ويلفت الى «أن المصيبة الكبرى تحل لدى حضور ثلاثة قضاة في يوم واحد، ما يفرض على أحدهم استخدام غرفة رئيس القلم لعدم وجود غرفة خاصة بالقاضي، وذلك بحضور الموظف الذي لا يمكنه مغادرة الغرفة نظراً للمهام الموكلة اليه، فضلاً عن وجود موظف تنفيذ واحد في محكمة حلبا»!
ويشير عدد من المحامين الى أن «القاضي الجزائي يسعى، مثلاً، الى البت في 100 ملف في يوم واحد، في محاولة لتسهيل شؤون المواطنين، وهذا لا يعطي الوقت الكافي للاستماع للدفاع رغم أن هذا الحق مقدس. وهو يعمل على البت سنوياً في نحو 2000 ملف مقابل ورود ثلاثة آلاف ملف، ما يبقي العجز قائماً».
مندوب نقابة المحامين في عكار المحامي خلدون طالب أكّد أن «من غير الممكن التغاضي عن الغبن اللاحق بمحافظة عكار، لجهة النقص الفادح في الجهاز القضائي والعدلي»، لافتاً الى «أننا كنا ننتظر أن تحصل عكار على حصتها القانونية المدرجة منذ سنوات طويلة وهي 15 قاضياً، نظراً لنطاقها الجغرافي الواسع وعدد القرى والبلدات الذي يزيد على 400، لكننا فوجئنا بزيادة التهميش. إذ كانت المحافظة مخصصة بأربعة قضاة أصيلين، فبات لدينا ثلاثة قضاة أصيلون ومنتدبون ما يعني ضغطاً زائداً وتعارضاً في توقيت الجلسات ما يسبب ضرراً للمتقاضين في عكار»، لافتاً الى أنه «عقب صرخة المحامين أقرت زيادة قاض رابع (منتدب) مكلف بثلاث مهام أخرى، في مقابل تزايد المراجعات والشكاوى».
واعتبر طالب أن «الاستنسابية في التعاطي الحكومي مع موضوع بالغ الأهمية غير مقبول، لأنه لا يمكن تأسيس دولة من دون قضاء»، مؤكداً «أننا نعوّل على العهد الجديد والرؤساء الثلاثة ووزير العدل ليبادروا إلى معالجة النواقص ورفع الغبن عن المنطقة، وذلك يكون بداية بإقرار استقلالية عكار كمحافظة وإتمام إنجاز محاكم استئناف ونيابة عامة وقضاة تحقيق». وقال: «اذا كانوا لا يريدون إنجاز قصر عدل في محافظة عكار، لأن ذلك يستدعي وجود مبنى لائق وعشرات الموظفين والقضاة، فيمكن معالجة الأمر بطريقة مختلفة عبر اللجوء الى استحداث محكمتين في الجومة ومنطقة القيطع، ما يخفف الضغط عن محكمة حلبا»، مؤكداً «أن هذه الخطوة أكثر من ضرورية وتحديداً في منطقة القيطع التي تضم أكبر عدد من السكان».