تسود قطاع المياه في لبنان حالة من التسيب والفلتان، تتمثل في غياب الإدارة المشرفة على القطاع وغياب القوانين التي تحمي هذه الثروة الوطنية (من المصادر وحتى عمليات توزيعها على المستفيدين). فمنذ ما يزيد على خمسين عاماً ونيف، شنّت على المياه السطحية والجوفية عمليّات سطو تمثلت بالاستغلال العشوائي للمياه ــ طاولت هذه الهجمة بشكل أساسي، المياه الجوفية القابلة للاستثمار على امتداد السواحل من شاطئ البحر وحتى المنسوب 240 م وفي سهل البقاع وخاصة في الحوض الأعلى لنهر الليطاني.


الاستغلال الجائر للخزان الجوفي

ففي بيروت العاصمة، تتقدم البئر الارتوازية على بناء العمارة، ويرفع على مدخلها شعار "البناية مجهزة ببئر ارتوازية"، وتتكرر عملية السطو هذه على امتداد الساحل وخاصة في نطاق مشروع القاسمية ورأس العين، حيث فقد القطاع ربع المساحة المشتركة بمياه القناة خلال سنوات الحرب الأهلية، إذ لجأ بعض المشتركين الكبار، مستغلين غياب الدولة والقوانين، إلى حفر بئر ارتوازية من دون ترخيص وجرى وصلها بالتيار الكهربائي بشكل غير قانوني، وقدم أصحابها طلبات إلى إدارة المشروع، طالبين إلغاء اشتراكاتهم بعدما توفرت لهم مياه الري من الآبار المحفورة من دون كلفة، سواء لجهة ثمن الطاقة الكهربائية، أو لجهة المياه المسحوبة من البئر.
نتج من هذا الاستغلال العشوائي الجائر للخزان الجوفي استنزاف مياهه، كما ترتبت على العملية آثار سلبية مدمرة؛ من أهمها:
- انخفاض مستوى المياه في الآبار بنسبة 60 إلى 100 م، ما أدى مباشرة إلى تعطيل وتوقف آلاف محطات الضخ على امتداد الساحل وخاصة في بيروت والبقاع.
- ظهور مشكلة تملح المياه أو ما يعرف بـ (Phenomene-d’intrusion) ناتج من الخلل بين مستوى مياه البحر ومستوى المياه في الخزان الجوفي الساحلي، إذ تسربت إليه مياه البحر بعد مرور 3 إلى 4 سنوات شحيحة متعاقبة أخيراً. إن تملح مياه الخزان الجوفي يفوق خطورة عملية التلوث لصعوبة معالجته ولأضراره الجسيمة على مستعملي المياه.
كما نجم عن حفر الآبار العشوائية نضوب أكثر الينابيع التي حفرت في حرمها عشرات الآبار، مع أن القانون يحدد منطقة فاصلة لحماية النبع.
حصل هذا الأمر في نبع العلِّيق (النبع الأساسي لنهر الليطاني) وفي نبع الحمام في مرج الخيام. فقد نضب هذان النبعان الغزيران بعد حفر عشرات الآبار الجوفية في حرمهما.

الاعتداء على الأنهر والينابيع

ولم تسلم المياه السطحية من عمليات السطو هذه، إذ اعتدي بشكل سافر على مياه الأنهر والينابيع، وتبدو عملية السطو بشكل صارخ على مستوى شبكات توزيع المياه.
على هذا الصعيد، نستطيع القول إن:
- أكثر من 60% من عدادات مياه الشرب القائمة على مداخل المنازل قد خربت وتم تعطيلها، ونادراً ما نفذت عقوبة بمشترك تعدى على عداده في وضح النهار.
- كما أن جميع المقننات المركزة على مآخذ مياه الري في مشروع البقاع الجنوبي وغيره من المشاريع قد عطلت أو سرقت من قبل المشتركين بالمياه.
وإذا قمنا بجولة على امتداد الأنهر اللبنانية، نجد أن آلاف محطات الضخ قد أقيمت على ضفتي النهر وهي بمعظمها غير مرخصة وغير خاضعة لدفع تعرفة المياه.
يعود هذا الفلتان برأينا إلى غياب سلطة الإدارات المعنية بقطاع المياه. فقد وصل عددها إلى 209 (مؤسسة وإدارة ولجنة) قبل عام 2000 ثم اختصر العدد إلى 5 مديريات أو مؤسسات عامة، وهي:
- المؤسسة العامة للمياه في بيروت وجبل لبنان.
- المؤسسة العامة للمياه في لبنان الشمالي.
- المؤسسة العامة للمياه في لبنان الجنوبي.
- المؤسسة العامة للمياه في البقاع.
- والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني.
ورغم عملية الدمج التي حصلت بعد صدور المرسوم الرقم 221، إلا أنها لا تزال تعاني من تضارب وتداخل في الصلاحيات والقرارات، ومعظمها يعاني من نقص في الجهاز البشري وفي الإمكانيات المادية، ولا تتمكن ثلاث منها من القيام بمهماتها نتيجة عجز في ميزانياتها لعدم قدرتها على جباية رسوم الري من مشتركيها. وقانون حماية المياه وتنظيم شروط استثمارها وتوزيعها غير قابل للتطبيق إما لخلل ونقص في مواده، أو لغياب السلطات الأمنية القادرة على منع التعديات على المياه وعلى تطبيق سلطة القانون على المخالفين.

عجز الإدارة

في ظل هذا الواقع، عجزت الإدارة المشرفة على القطاع عن تنفيذ المشاريع المائية الكبرى، وعن حماية المياه من التلوث والاستثمار العشوائي.
يمكن تلمس هذا العجز الكلي على كل المستويات، ابتداءً من عدم قدرة الإدارة المائية على استثمار المياه على مستوى المصادر، ومنها مشاريع الري الكبرى كمشروع ري الجنوب، الذي طرح بجدية منذ مطلع ستينيات القرن الماضي واستقدمت من أجل دراسته عشرات البعثات الأجنبية. وبعد مضي ما يزيد على 50 عاماً، تقوم الإدارة بتنفيذه بشكل مجزوء ومثله مشاريع الري الأخرى. والمثل الثاني الذي يُبرز بشكل فاضح حالة العجز هذه، ما أصاب الخطة العشرية لبناء السدود التي أطلقت في مطلع عام 2000 ولم ينفذ منها سوى سد واحد هو سد شبروح. وفي الوقت نفسه لا تزال معظم الأنهر اللبنانية تصب في عرض البحر أو تذهب خارج الحدود ولا قدرة للإدارة اللبنانية على الاستفادة من حصة لبنان من هذه المياه العابرة للحدود. في المقابل، تزداد حاجات السكان والأراضي الزراعية للمياه. والواقع يؤكد أن مشاريع الري المنفذة حالياً غير كافية لسد الحاجات.

نضب نبعا العليق والحمام الغزيران بعد حفر عشرات الآبار الجوفية في حرمهما

إن آخر إحصاء عن سد حاجات السكان للمياه كان على الشكل الآتي:
- إن 60% من حاجات المياه يتم تأمينها بالقنينة والعبوة والسيترن.
- ولا توفر حنفية مياه الدولة سوى نسبة 15 إلى 20% من المياه المخصصة للشرب وللخدمة المنزلية.

حماية المياه من التلوث

تتعرض المياه اللبنانية (السطحية والجوفية) لجميع أنواع التلوث الكميائي والبيولوجي، من جراء تحويل مياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة وكل ما تطلقه مصانع تحويل الإنتاج الزراعي بشكل عام من ملوثات باتجاه مصادر المياه. فعلى صعيد الصرف الصحي، نستطيع القول إن غالبية المدن الساحلية والقرى المشرفة على البحر تحول مجاريرها الصحية باتجاه البحر، وهناك محاولات محدودة للمعالجة قامت بها أخيراً بعض بلديات المدن الساحلية، إلا أنها لا تعمل بشكل منتظم. بينما اعتمد سكان المدن والبلدات الداخلية على إطلاق محتويات مجاريرهم ورمي نفاياتهم الصلبة في الأودية أو في أحواض الأنهر لتستقر ملوثاتها في البحر عند حلول فصل الشتاء.
وبالنسبة إلى سكان البقاع القاطنين في حوض الليطاني الأعلى، فقد أطلقوا على النهر اسم "بحر" البقاع واتخذته البلديات القائمة على ضفتيه مجروراً رئيسياً تصب فيه مجاريرهم وترمي في حوضه نفاياتهم الصلبة.
أمام هذه الكارثة البيئية التي حلت على مصادر المياه، يطرح سؤال مشروع: ماذا فعلت الدولة والمؤسسات العامة التابعة لها؟ إن محاولات عدة جرت لمعالجة الموضوع نظرياً. ففي مطلع عام 1970، قرر مجلس الوزراء وضع خطة تتضمن بناء 100 محطة معالجة، نفذ من هذه الخطة 9 محطات فقط، عدد صغير منها يعمل الآن، في المقابل نستطيع القول إن معظم بلاد العالم نفذت منذ فترات بعيدة خططاً لمعالجة الصرف الصحي والنفايات الصلبة ووضع القوانين المناسبة لحماية البيئة وخاصة المياه.
يتركز الحديث في لبنان منذ ما يزيد على 20 عاماً عن حلول عملية لمواجهة كارثة التلوث وتوضع الخطط لمعالجة التلوث، وقد رُصدت ملايين الدولارات من مساعدات حكومية ودولية لتنفيذ بناء محطات المعالجة وشبكات الصرف الصحي، لكن عجز الدولة وسائر المؤسسات التابعة لها يحول دون تنفيذ هذه الخطط. وباعتقادنا تبقى البلديات وحدها هي القادرة على تنفيذ هذه الخطط، شرط أن توضع بتصرفها الإمكانيات المادية والأجهزة البشرية اللازمة لذلك.
* رئيس مصلحة سابق في مصلحة الليطاني





2,300 مليار م3 قابلة اقتصادياً للاستثمار

تقدّر كمية المياه المتوفرة في لبنان بحوالى 8,6 مليار م3 في السنة، وهي تمثل المعدل الوسطي للمتساقطات التي تهطل على لبنان.
نصف هذه الكمية على الأقل يذهب بالتبخر.
تقدر كمية المياه العابرة للحدود بحوالى 700 إلى 800 مليون م3 / سنوياً.
- يذهب نحو فلسطين المحتلة حوالى 200 مليون م3 (بالسيلان السطحي والجوفي). منها 37 مليون م3 (قطاع الناقورة- شقرا- عيترون). و10 إلى 15 مليون م3 (قطاع مرجعيون- الخيام)، و150 مليون م3 (قطاع الوزاني - الحاصباني - جبل الشيخ).
- يذهب نحو سوريا ما يقارب 550 إلى 600 مليون م3 عبر نهر العاصي والنهر الكبير الجنوبي ومجاري طبيعية أخرى.
تعتبر المياه المنسابة نحو البحر عبر 18 نهراً من الفواقد أيضاً، وتتراوح قيمتها بين 1 مليار إلى 1,1 مليار م3 سنوياً. فإذا أسقطنا هذه الفواقد من الميزانية المائية، يبقى للبنان فقط حوالى 2,300 مليار م3 قابلة اقتصادياً للاستثمار.




1,200 مليار م3 الحاجات الحالية

تقدر الحاجات المائية للبنان بحوالى 1,200 مليار م3 موزعة كما يلي:
- حاجات الزراعة المروية: تقدر مساحة الأراضي المروية حالياً (ري ربيعي وري دائم) بحوالى 90000 هكتار. ويبلغ متوسط حاجة الهكتار الواحد من المياه نحو 9000 م3. وعليه يصبح مجموع المياه المخصصة للري: 9000x9000 - 810 مليون م3.
- حاجات السكان لمياه الشرب والخدمة المنزلية والبلدية: تقدر كمية المياه الموزعة حالياً كمياه شرب وخدمة منزلية وبلدية بحوالى 300 مليون م3، وعليه تكون حصة الفرد الواحد هي بحدود 40 م3 (وقد أخذنا بالاعتبار نسبة الهدر والسكان الأجانب) الذين يقيمون في لبنان من المياه الموزعة هي بحدود 25%.
- حاجات الصناعة والقطاعات الأخرى: تقدر حاجات هذه القطاعات بحوالى 90 إلى 100 مليون م3 وعليه يصبح مجموع كمية المياه المستهلكة في لبنان حوالى 1.200 مليار م3/ سنوياً، بما في ذلك كمية المياه المهدورة في شبكات التوزيع.
تبقى هذه الكميات دون الحاجات المطلوبة خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار أن حصة الفرد في البلدان المتقدمة تتجاوز ذلك بأضعاف، فعلى سبيل المثال يحصل الفرد في إسرائيل على حصة سنوية تتراوح بين 70 و 80 م3، أي أن حصته تعادل ضعفي حصة اللبناني، علماً أن حصة الفرد في لبنان من مجمل الثروة المائية تبلغ 1075 م3، أي ما يزيد على 6 أضعاف حصة الإسرائيلي البالغة 154 م3.