رحلت الآلهة اليونانية الجميلة، فقدت السينما واحدة من أجمل وجوهها. جسدت إيرين باباس، الجمال اليوناني على الشاشة وعلى خشبة المسرح. جلبت باباس الحقيقة والشخصية والقوة والعاطفة المتوسطية إلى السينما، هي نوع آخر من النساء، قوية مغرية وقادرة على نقل كل المشاعر نحو العواقب النهائية بطرفة عين. عندما تصعد على المسرح لتغني بردائها الأسود حاملةً شعلة في يدها، نفهم جميعنا اللغة اليونانية. تغني بصوت لا يبدو بشراً، ومعها نفهم من أين يأتي الألم. رحلت باباس أول من أمس، لا نعلم تماماً عمرها، ولا نهتم كثيراً، تشير السير المختلفة إلى سنوات ولادتها في 1926 أو 1929 أو 1930. تغلّبت إيرين على القيود التي فرضها الزمن واسمها مكتوب بأحرف ذهبية في تاريخ السينما والمسرح اليوناني والعالمي. باباس هي الوجه المتوسطي اليوناني على الشاشة. سمراء، مع عيون سوداء عميقة تحت حواجب هائلة. في الكلام والصمت هي بركان من المشاعر والعواطف. غالباً ما نراها على الشاشة متدثّرة بالأسود، رداء أرملة سوداء شابة. هو لونها المفضل، لون الليل، الغموض، الموت، المأساة. إيرين هي صوت سوفوكليس ويوربيدس، وصرخة إلكترا وميديا وأنتيغون.

توفيت إيرين في المدينة التي نشأت فيها، كيلوموديون، بالقرب من كورنيث، في بلدة صغيرة تسمى هيليمودي. كانت والدتها تخبرها عندما كانت صغيرة كل ليلة القصص الأسطورية، وتمثلها الفتاة الصغيرة أمام المرآة. في الـ 12 من عمرها، بدأت الدراسة في المدرسة الوطنية للمسرح الكلاسيكي في أثينا. وفي الـ 15، بدأت حياتها المهنية كممثلة إذاعية ومغنية وراقصة. وفي الخمسينيات من القرن الماضي، شاركت في إنتاجات المسرح الوطني في اليونان، واكتسبت شهرة هائلة بفضل تفسيراتها الاستثنائية للتراجيديا الكلاسيكية. جذبت ملامح وجهها غير التقليدية وموهبتها الفنية المخرجين العالميين، ومعهم ستأخذ قفزة احترافية على الشاشة خارج حدود اليونان. كان البريطاني جون لي تومسون هو الذي قدمها على الشاشة عندما ظهرت في فيلم «أسلحة نافارون» (1961) مع أنطوني كوين وغريغوري بيك. وبعد ذلك، جاء آخرون مثل اليوناني مايكل كاكويانيس بفيلم «زوربا اليوناني» (1964) حيث لعبت باباس دور الأرملة. وبعدها فيلم «زد» (1969) لكوستا غافراس، كما ظهرت مع المخرج المغربي سهيل بن بركة في فيلمه «عرس الدم» (1977). آخر ظهور لها على الشاشة كان عام 2003 بفيلم «صورة تتحدث» للمخرج البرتغالي مانويل دل أوليفيرا. ظهرت باباس في أكثر من 70 فيلماً (من بينها دور هند في فيلم «الرسالة» لمصطفى العقاد)، على مدى مسيرة امتدت لخمسين سنة تقريباً، رأيناها فيها جنباً إلى جنب مع عمالقة الشاشة منهم غريغوري بيك، أنطوني كوين، كيرك دوغلاس، جيمس كاغني... بعد وفاة مارلون براندو، اعترفت أنه كان حبّ حياتها. في 1967، عندما بدأت الديكتاتورية العسكرية في بلادها، ذهبت إلى المنفى في إيطاليا ثم إلى نيويورك وواصلت عملها كممثلة. وعادت عام 1974 مع سقوط النظام العسكري وأثبتت نفسها على أنها سيدة المسرح اليوناني. إيرين هو اسم للخلود، سيرتبط إلى الأبد بالثقافة اليونانية الكلاسيكية والحديثة. رحلت بوجهها ونظرتها وأفلامها، هي التي قالت منذ فترة احتفالاً بالحياة والموت: «نحن هنا لنكون سعداء، عدم الشعور بالسعادة هو خطيئة، إنه نكران الجميل تجاه الطبيعة. الموت لا مفر منه، وقبوله هو صراع مدى الحياة، ولا شعورياً نفعل أشياء حتى يبقى شيء منا، بحيث نبقى عندما نغادر».