القاهرة | بعد معاناة طويلة مع السرطان، رحل علي عبد الخالق (1944 – 2022) قبل أيام، لتفقد السينما المصرية أحد أعمدة الإخراج وأحد أبناء ما سمّي بجيل السينما الجديدة التي بدأت في السبعينيات. بدأ علي عبد الخالق مشواره بالعديد من الأفلام التسجيلية؛ أشهرها «أنشودة الوداع» الذي حصل وقتها على جوائز عدة، منها الجائزة الثانية من «مهرجان لايبزيغ السينمائي» في ألمانيا. كما حصل فيلمه «السويس مدينتي» على الجائزة الأولى من «مهرجان وزارة الثقافة الأول للأفلام التسجيلية» عام 1970.

في عام 1972، قدّم باكورته الروائية «أغنية على الممر»، التي تعدّ أشهر أعماله. الشريط الذي حصد حفاوة نقدية وجماهيرية، تناول نكسة الـ 1967، وأهّله للفوز بالعديد من الجوائز، منها الجائزة الثانية في «مهرجان كارلوفي فاري». يتوقف الناقد عصام زكريا، عند ثلاث محطات رئيسية في مشوار علي عبد الخالق السينمائي. بدأت مرحلته الأولى التي اتسمت بمقاومة الهزيمة بعد تخرجه، من خلال الأفلام التسجيلية وصولاً إلى «أغنية على الممر»، موضحاً أنها فترة غلب فيها الجانب التعبوي والتسجيلي على رؤيته الإخراجية. المحطة الثانية كانت تعاونه مع السيناريست محمود أبوزيد، وهي الأهم وفق زكريا: «إذ اتسمت بالجماهيرية من خلال أفلام اجتماعية تميّزت بالحس الشعبي الذي كان يميزه عن الكثير من مخرجي جيله الذين عالجوا حتى القضايا الاجتماعية من خلال أبعاد أكثر فنية أو ذاتية، لكنها كانت تفتقد الحس الكوميدي والشعبي الموجود لدى عبد الخالق الذي كان يظهر في أدق تفاصيل الحوار والتمثيل».
يضيف زكريا أن أفلام صاحب «الكيف» اتسمت أيضاً بميلها إلى إلقاء الدروس الأخلاقية أو الجانب التعليمي، فيما تتمثل المحطة الأخيرة في مشواره في ظهور موجة جديدة من السينما وضعت عبد الخالق بين خيارين: إما الانسحاب أو محاولة البحث عن بدائل إنتاجية أخرى، لكنه اختار الانسحاب إلى الدراما التلفزيونية.
مع بداية الألفين، اتجه إلى الدراما التلفزيونية، فقدم مسلسلات عدة منها: «نجمة الجماهير» (2003)، و«البوابة الثانية» (2009). لكنها أعمال لم تحقق أي جماهيرية، فـ «الدراما أمر مختلف، وليس كل مخرج سينمائي ناجح، يستطيع أن يحقق نجاحاً في الدراما. أيضاً، لم يكن عبد الخالق من الجيل الذي يستطيع التعامل مع كاميرات الديجيتال وتوظيف جماليّتها، وبالمناسبة لا يوجد أحد من هذا الجيل استطاع أن يقدّم دراما تلفزيونية جيدة. يمكننا القول بأنّ هذا الجيل توقف عند مرحلة معينة، ولم يستطع مواكبة التطور المتسارع في مجال السينما، سواء على مستوى التقنية أو الفنيات» على حدّ تعبير زكريا.
يصف الناقد طارق مرسي، المخرج الراحل بأنّه «أحد أهم أعضاء مجلس قيادة الوعي في تاريخ السينما المصرية» قائلاً: «برحيل هذا المخرج العملاق، فقدت السينما المصرية آخر فرع من جيل الرواد الذين كتبوا تاريخاً كبيراً وبصمات خالدة».
رحلة علي عبد الخالق كانت ضمن سياق جديد للسينما المصرية ككل وفق ما يوضح مرسي: «تشكلت جماعة السينما الجديدة من علي عبد الخالق، وداود عبد السيد، ورأفت الميهي، ومحمد راضي، وأحمد متولي، ونبيهة لطفي، وسامي المعداوي، وهاشم النحاس، وخيرى بشارة، ومحمد كامل القليوبي ويسري نصر الله، وسعيد شيمي وأشرف فهمي». ويشير مرسي إلى أن هذه الحركة السينمائية الجديدة ابتكرت أساليب تسويق بالجهود الذاتية، فيما نجح عبد الخالق مع أقرانه في كسر جمود السينما التجارية والموضوعات النمطية المستهلكة وتقديم أسماء جديدة لم تكن نجوم شباك مثل محمود مرسي، ومحمود ياسين وصلاح السعدني الذين كانوا في بداياتهم الفنية».
من وجهة نظر الناقد والمؤلف رامي عبد الرازق، تتمثل السمة الأهم في مشوار عبد الخالق في جديته في التعامل مع السينما وإيمانه بدور حقيقي للفن في المجتمع، وهو ما ظهر بشكل واضح في باكورته «أغنية على الممر» التي أعلنت ولادة مخرج شاب ذي بصمة ورؤية مختلفة. وأشار إلى التنوع الشديد في طرح الموضوعات التي تشتبك مع الواقع من زوايا وأنواع مختلفة بين الملاحم الوطنية وأفلام الجاسوسية مثل «إعدام ميت» و«بئر الخيانة»، فضلاً عن الأفلام الاجتماعية كما ظهر في ثلاثيته الشهيرة مع السيناريست محمود أبو زيد: «الكيف»، و«العار»، و«جري الوحوش». مقارنة بمخرجي جيله، يوضح عبد الرازق أن الاختلاف الأبرز في سينما صاحب «الكيف» أنه اشتبك مع «أفكار المجتمع» أكثر منه اشتباكه على مستوى الصورة كما فعل أقرانه محمد خان وعاطف الطيب.

تعاونه مع السيناريست محمود أبوزيد أضفى على أفلامه جماهيرية تميّزت بالحسّ الشعبي


من زاوية أخرى، ترى الناقدة آية طنطاوي، أنّ عبد الخالق مخرج مرتبط بالجمهور طوال مشواره، بمعنى أنه رغم التنويعات المختلفة التي قدمها في أفلامه، إلا أنّه امتلك في كلّها ما سمّته «شفرة الجمهور» التي مكّنته من جذب شرائح من مختلف الأجيال والطبقات الاجتماعية، موضحة أنّه انطلاقاً من هذه النقطة، يمكننا تحليل سينما صاحب «البيضة والحجر» وحتى فترات ارتباك مشواره بعد ظهور الموجة السينمائية الجديدة في بداية الألفية.
عندما شعر عبد الخالق باندثار هذه الشفرة التي تتحدث عنها طنطاوي، اعتزل الإخراج بعدما ضلّ فيلمه «يوم الكرامة» طريقه إلى جمهور من جيل مختلف، لتتحوّل تلك الشفرة التي لعب بها واستخدمها طوال مسيرته إلى غربة وحاجز بينه وبين جمهور جديد. هذا الحاجز الذي لم يستطع صاحب «الكيف» تجاوزه؛ يطرح سؤالاً حول علاقة الأجيال الجديدة بأعمال عبد الخالق. وهو ما يمكن أن نجد إجابته عند حازم أحمد، طالب النقد المسرحي والسينمائي. إذ اعتبر عبد الخالق «فارس التغيير في السينما المصرية». ويرى حازم أيضاً أنّ الميزة الأكبر في سينماه أنه دائماً ما كان يهتم برؤية الطبقات الشعبية والبسيطة للحياة، بل يشتبك مع أفكارها بشكل عميق كأنه يناقشها. هكذا، نجده يواجه الجهل والدجالين في فيلم «البيضة والحجر»، ويفكك أزمة المخدرات في «الكيف» وغيرهما من الأفلام التي شكلت علامات مهمة في تشكيل وعي المصريين وحافظت في الوقت نفسه على المتعة والجماهيرية.