من دون إخفاء إعجابه الشخصي خلال اللقاء، رسم المخرج الألماني فرنر هرتزوغ صورةً إنسانية للزعيم الأخير للاتحاد السوفياتي. ثلاثة لقاءات على مدى ستة أشهر جلس فيها هرتزوغ مع ميخائيل غورباتشوف (1931 ــــــ 2022) الذي رحل قبل أيام، نتج عنها فيلم بعنوان «لقاء غورباتشوف» (2018). وقتها كان غورباتشوف يبلغ 87 عاماً، ضعيفاً بعض الشيء بعد قضاء فترة في المستشفى، فقد بصره لمعانه ويتحدث ببطء ولكن ذاكرته حادة. عبر محادثات الرجلين بالإضافة إلى مواد أرشيفية، استرجع هرتزوغ بمساعدة المخرج وعالم الأنثروبولوجيا الإنكليزي أندريه سينغر مسار غورباتشوف منذ طفولته المتواضعة في المناطق الريفية الداخلية لروسيا، إلى اهتمامه المبكر بالسياسية ووصوله إلى النقطة المركزية في تاريخها، عندما تولى الرئاسة، وبدأ حقبة من التغيير الاقتصادي. واجه هرتزوغ الرجل المسؤول عن الغلاسنوست (سياسة الانفتاح والشفافية) والبيريسترويكا (برنامج الإصلاحات الاقتصادية). التي أسهمت سياساته إلى نهاية الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفياتي وإعادة توحيد ألمانيا. يحظى غورباتشوف باحترام أكبر خارج روسيا منه في الداخل، يتحدث كرجل ليس لديه ما يخفيه أو يخافه. وبسبب ولع هرتزوغ بالعبثية، رسم صورة شخصية جداً للسياسي والمواطن ميخائيل بطريقة غريبة.

متيم هرتزوغ بغورباتشوف، حبّ واضح جداً من خلال الأسئلة، حتى الذهاب إلى حد القول إنّ الألمان يحبونه لدوره في توحيد البلاد. يرسم هرتزوغ صورة متعاطفة جداً إلى حد ما لغورباتشوف، في بعض الأحيان تتخذ نبرة تبجيليّة. مثل هذا الخيار، في الواقع، يعني عدم إمكانية المواجهة وفقدان القوة التي يمكن من خلالها انتزاع اعترافات والدخول في مواضيع حساسة جداً. من ناحية أخرى، يكشف هذا الاختيار الواعي بشكل واضح، عن عاطفية حقيقية تخللها بعض المقاطع من فكاهة ساخرة خفية. ما كان يمكن أن يكون فيلماً وثائقياً تلفزيونياً عادياً، حوّله هرتزوغ إلى شيء عبقري. أولاً، بفضل الكاريزما التي يتمتع بها غورباتشوف وثانياً لقدرة هرتزوغ على التعامل مع السرد والأسئلة والمقاطع الأرشيفية. السؤال الأول التي نراه في الفيلم هو ما إذا كان غورباتشوف يعتبر الألمان أعداء، فهرتزوغ ألماني وغورباتشوف نشأ وسط الحرب العالمية ضد النازيين. يخفي هذا السؤال ميزة أخرى، فكل من الألمان والروس هم أشرار التاريخ في جميع أنحاء العالم بالنسبة للإنكليز وقبل كل شيء للولايات المتحدة. يُظهر الفيلم الزعيم باعتباره صاحب رؤية، أدرك أنه مع انهيار الاتحاد السوفياتي، لا شيء يمكن أن يوقف التغيير والاستقلال في مختلف البلدان التي يتكوّن منها. تسبب هذا في أزمة في السلطة، واستقال غورباتشوف بالتزامن مع تفكيك الاتحاد السوفياتي.
بالطبع لم يصنع هرتزوغ فيلماً تعليمياً، فهو يفترض أن المشاهد على دراية بأحداث الماضي. المقابلات والمقاطع الأرشيفية مصمّمة لالتقاط أجواء القرن العشرين. هرتزوغ لا ينظم الأحداث التاريخية، ولكنه يهتم أكثر بالشخصية الفريدة للقائد. بالطبع، يحلل الفيلم علاقة غورباتشوف برئيس الولايات المتحدة الأميركية، رونالد ريغان، وأيضاً وزير خارجيته جورج شولتز، الذي كان لا يزال على قيد الحياة خلال صنع الفيلم وتوفي العام الفائت. يظهر الفيلم أيضاً علاقة الزعيم برئيسة وزراء بريطانيا المرأة الحديدية مارغريت تاتشر. ولكن لم يُقل الكثير عن الحرب السوفياتية في أفغانستان ودور غورباتشوف فيها، كما أنّ حيّز بوريس يلتسن كان ضئيلاً، ولم نعرف كيف يُنظر إلى غورباتشوف اليوم في روسيا، حتى رئيسها الحالي يظهر لفترة وجيزة لمرة واحدة. ولكن مع ذلك، قال غورباتشوف كلماته الأخيرة حول إصلاحات ذلك الوقت، ونزع الأسلحة النووية وتفكيك الستار الحديدي وحتى كارثة تشيرنوبيل. هذه ليست مثيرة فقط بسبب موت غورباتشوف قبل أيام، لكن أيضاً لأن مشكلات مماثلة أصبحت راهنة مرة أخرى. هذا الفيلم هو أيضاً صفارة إنذار بأن الإنسانية يجب ألا تنسى الماضي، أو على الأقل تتعلم من أخطاء الماضي. يقول هرتزوغ في الفيلم: «أعتقد أن الناس في روسيا وكذلك في الغرب بدؤوا يدركون أهمية هذا الرجل وحجم الأشياء التي حققها، لا ينبغي أن تكون هناك حرب باردة جديدة، أعتقد أن شيطنة روسيا خطأ كبير من قبل الإعلام الغربي والسياسة الغربية، فإذا كانوا يعتبرون روسيا عدواً، ليتحدثوا معها».

مقابلات ومقاطع أرشيفية مصمّمة لالتقاط أجواء القرن العشرين


الصوت في الفيلم عميق وسلس، الإيقاع مثير للذكريات، يؤكد الهالة الرمزية التي تحيط بغورباتشوف، وإعادة تأكيدها من قبل أشخاص آخرين، أمثال رئيس وزراء المجر السابق، ميكلوس نيميث، وهورست تيلتشيك مستشار الأمن القومي لهلموت كول المستشار الألماني السابق. تساعد هذه الشهادات على فهم الدور المركزي للزعيم السوفياتي في بعض أهم الأحداث في تاريخ العالم في السنوات الأربعين الماضية. وهكذا، فإن العثور على غورباتشوف ينتهي بتكوين صورة لرجل وحيد بشكل أساسي، بخاصة بعد وفاة زوجته رايسا، حيث يتم تخصيص جزء كبير من الفيلم لهذا الحدث، ما ينتج عنه أكثر اللحظات العاطفية التي تم التقاطها ببساطة من دون أن تبدو مصطنعة. بالإضافة إلى المأساة الشخصية، فإن الصراع الداخلي لغورباتشوف يكتسب حيزاً أيضاً، إذ كشف الزعيم السابق عن فخره بإعادة هيكلة بلاده ونهاية الحرب الباردة وإلغاء النشاط النووي، وأيضاً إحباطه من تفكيك الاتحاد السوفيتي، ما أدى إلى وصفه بخائن للاشتراكية، ووضعه في مكان هامشي، وهو المكان الذي ينوي هرتزوغ إنقاذه منه. هذا الشعور المتضارب يحدد نغمة الكآبة التي يطبعها المخرج في النهاية، إذ جعل غورباتشوف يتلو سطوراً من قصيدة للكاتب الروسي ميخائيل ليرمنتوف. وإن لم تكن هذه الصورة كاملة، لكنّها على الأقل تكشف عن نفسها على أنها صادقة في نهجها الحنون.