«مغامرات أم وأولادها بحثاً عن معنى الحياة وأمور أخرى مهمّة». هل يبدو العنوان طويلاً؟ هكذا ارتأى المخرج اللبناني جيمس شهاب أن يكون عنوان باكورته الطويلة، للدلالة على العبثية التي تطغى ليس فقط على هذا الشريط، بل أيضاً على أعماله القصيرة السابقة. بعدما كان جزءاً من فريق عملها، استوحى شهاب أحداث فيلمه من مسرحية لحنان الحاج علي، التي بدورها استوحت أحداثها من واقعة حقيقية حصلت في لبنان. سيناريو كان كفيلاً بأن يُعرض «مغامرات أم وأولادها بحثاً عن معنى الحياة وأمور أخرى مهمّة» (2021) ضمن فعاليات «المهرجان اللبناني للأفلام المستقلة» (LIFF) التي اختتمت أخيراً في «ساتيشن بيروت»، وبأن يفوز بـ«جائزة الأفق الفضّي لأفضل فيلم روائي طويل» في أولى دورات «مهرجان هوليوود للسينما العربية».

يروي العمل الذي تؤدي بطولته ناي أبو فياض، قصّة أمّ وبناتها الثلاثة وهنّ يعانين مشقّات الحياة، ويتناول إشكالية عدم اكتراث أحد لاستمرار الحياة من دون هدف، كأنّ كلّ شيء على ما يرام. طوال الساعة والدقائق الثلاث، لا يظهر أحد سوى الأمّ (أبو فياض) وبناتها، وهي الطريقة التي استخدمها المخرج من أجل إحساس المُشاهد بـ«السجن» الذي يعيش فيه هؤلاء. لا نعرف من هو الوالد ولا أين هو، لكنّ الثابت أنّه ليس متواجداً، فتستعيض الأمّ عن ذلك بصلواتها وأحاديثها إلى الله، التي تزداد حدّةً مع الوقت حتى تصل إلى حدّ اقتناعها بأنّه تجسّد فيها، بعد فقدانها الأمل والقدرة على الشعور بشكل كامل. عندها، ومن أجل «حماية» بناتها، تقوم بما هو أسوأ من مجرّد «سجنهن» معها.
يركّز العمل إذاً على النزعة العبثية لدى الأمّ والعوامل التراجيدية المحيطة بها التي تحفّز تلك النزعة. أمر يمكن الشعور به مع مرور الوقت، رغم أنّه فعلياً لا يحصل شيء مهمّ في الشريط، ما يُظهر مهارة شهاب وأبو فياض من ناحية القدرة على التدرّج في مستويات العبثية حتى من دون أحداث فاقعة. يمزج جيمس شهاب بين أساليب عدّة في التصوير، كالكادرات الواسعة الثابتة لوقت طويل أو التركيز على الوجوه وملامحها. أحسن أيضاً في طريقة عرض الشرائط التي صوّرتها الأمّ بالكاميرا الخاصّة بها، في محاولة منه لإبدائها قريبة إلى الحقيقة. أمّا ناي أبو فياض، فقدّمت أداءً أقلّ ما يُقال فيه إنّه محترف، وقد لا نكون نبالغ إذا قلنا إنّها أفضل من الكثير من الممثّلات الشهيرات. يقول شهاب إنّ أبو فياض كانت أوّل مَن قدّمت لهذا الدور في الكاستينغ، وإنّه منذ تلك اللحظة عرف أنّها ستمثّل في الفيلم. فهي تستخدم تعابير الوجه أمام الكاميرا بإتقان، عيناها تبرز الميلانكوليا بشكل واضح حتى نكاد نقتنع أنّها تشعر بها حقيقةً، تركّز كثيراً على لغة الجسد، تعطي المونولوغ الخاص بها حياةً رغم عبثيّته أكان عبر صوتها ونبرتها أو نظرتها إلى الكاميرا (عندما تفعل). عمق السيناريو الفلسفي والسينماتوغرافيا الجميلة والأداء الفنّي لا تعني بالضرورة أنّ العمل مثاليّ. بطبيعة الحال، نحن لا ننتظر من فيلم «مستقلّ» انكبّ صانعوه على القيام بكلّ ما في وسعهم من أجل إنجاحه، أن يكون خالياً من الأخطاء، لكنّ النقد مفيد. مثلاً، هناك حشو في المونولوغ الكثيف بالمعلومات التي لا تقدّم ولا تؤخّر. ربّما تعمّد القائمون الإكثار من المعلومات لإظهار أفكار الأمّ التي لا تتوقف، مع ذلك، هناك مراحل معيّنة لا جدوى من الحشو فيها. أمّا من حيث الدقة التاريخية، فالأزياء والأجهزة الإلكترونية والسيارات وغيرها لها القدرة على الرجوع حتى التسعينيات. يقول المخرج إنّ الحقبة المستهدفة بداية الألفية، لكن حتّى ذلك يقع ضحية خطأ بسيط جدّاً. إذ تمرّ في أحد المشاهد سيارة «مرسيدس» لم يُصنع مثلها حتى عام 2008، وفي هذا المشهد رغم طوله وصعوبة تصويره (تغيير إطار سيارة)، إلّا أنّه تمّ التقطيع منه مرّتَين، وكان بالإمكان حذف تلك «المرسيدس» المزعجة. وهذا ما يأخذنا إلى طول المَشاهد، الذي رغم التعمّد (وفاءً للمذهب العبثي) قد يكون مملّاً، خصوصاً إذا تزامن مع حشو في المونولوغ كالذي ذكرناه آنفاً.
في المبدأ، نحن أمام عمل ميلودرامي يطرح إشكاليات فلسفية ونفسية ووجودية ودينية ومجتمعية، وأهميته تكمن في هذا الشقّ، بالإضافة طبعاً إلى جمالية الصورة والتمثيل. هو فيلم ليس للجميع، فهناك مَن يبحث عن معنى الحياة وسيحبّه، وهناك من سيخرج من الصالة في منتصفه، وهو أمر يتفهّمه المخرج الذي لا يندم على اعتماد الطابع العبثي مهما كان نافراً.