تعود أزمة النفايات لتكوّن انطلاقة بنت عليها منيه عقل فيلمها الطويل الأول «كوستا برافا» الذي يُطرح في الأول من أيلول (سبتمبر) في صالاتنا. تطرح المخرجة الأسئلة في هذا الفيلم، من خلال أفراد عائلة اختارت العيش بعيداً عن المدينة، محاولةً فهم مجتمع كامل يمرّ في أصعب الظروف. عندما بدأت العمل على فيلمها القصير «سابمارين» (2016)، لم تتوقّع عقل أن يأخذها الفيلم إلى حيث ذهب. لم تشعر آنذاك أنها انتهت من الحديث عن مشكلة النفايات وإطارها الأوسع، فعاد الموضوع واختارها كما تقول في فيلمها الروائي الطويل الأول «كوستا برافا». في هذا الصدد تقرّ: «لدى مباشرتي كتابة الفيلم، شعرت أنّ الموضوع نفسه ما زال يتحرك فيّ وأنني أرغب في الحديث عنه. فلا شك في أن أزمة النفايات بيئية، لكنها أيضاً تعكس وضع البلد ومشاكله على أصعدة عدة. فكّرت في أنه بإمكاني إخبار الكثير من القصص من خلال هذه الأزمة».



لم تكن الظروف التي صوّرت خلالها الفيلم طبيعية، إذ وُضعت الكثير من العوائق في وجه المخرجة الشابة التي كادت أن تتخلى عن متابعة العمل: «لم نواجه صعوبات في التصوير على غرار معاكسات مناخية أو غيرها من الأمور التي قد تؤخر العمل. منذ البداية، كان من الصعب جداً جمع المال بالنسبة إلى المنتجين في شركة «أبوط» بعد الثورة والأزمة الاقتصادية. وعندما تمكّنا أخيراً من جمع المال اللازم، قرّرنا مباشرة مرحلة ما قبل الإنتاج في 3 آب (أغسطس). في اليوم التالي، كنّا في اجتماع في مكتب الشركة في الجميزة نضحك ونخطّط. في غضون دقائق، كان أحدنا يبحث عن الآخر تحت الركام والزجاج. أوقفنا كل شيء، في محاولة منا لفهم ما حدث في مدينتنا. لكننا في النهاية، قرّرنا الاستمرار في الفيلم، وهذه كانت طريقتنا في المقاومة. كنّا كلنا في حاجة إلى سبب يجعلنا نستيقظ في الصباح بعد الانفجار. وجاءت أيضاً أزمة كوفيد لتصعّب الأمور، خصوصاً أنّنا كنا نعمل قبل توافر اللقاح. أصبحنا أشبه بعائلة يساعد أفرادها بعضهم بعضاً لمواجهة الصعوبات التي نعيشها في لبنان».
في أول مشهد من الفيلم، نرى تمثالاً يتمّ جرّه من أمام أَهراءات المرفأ المدمّرة إلى منطقة جبلية. وكان هذا المشهد مكتوباً في المسوّدة الأولى للسيناريو كما تؤكد عقل. بعد الانفجار، فكّرت طويلاً إن كانت تريد أن يظهر المرفأ في حالته هذه وبالتالي أن تضع أحداث الفيلم في إطار زمني محدد أم إزالته. في النهاية، كان القرار مع مدير التصوير جو سعادة بالإبقاء على هذا المشهد. وتشرح عقل في هذا الإطار: «شعرنا أننا لا نريد أن ننسى حتى لو كان هذا أصعب مشهد صوّرته في الفيلم. هناك حوار واحد تقول فيه ريم لوالدها لا تذهب إلى بيروت «بركي انفجرت». لكن في كل ما تبقّى، لم أضطرّ إلى تغيير شيء لأنّ التاريخ يتكرر في لبنان».


وتضيف لاحقاً: «من المحزن أننا أفسدنا كل ما كان جميلاً. المدينة باتت أشبه بمدينة أشباح». وفي الحديث عن منطقة الـ«كوستا برافا» التي باتت مكباً للنفايات بعدما كانت شبيهة بالمنطقة الساحلية الخلابة التي تحمل الاسم نفسه في إسبانيا، تروي عقل أن العنوان تسبب في بعض الالتباس في الخارج، إذ ظنّ معظم المشاهدين أن الفيلم يحدث بين إسبانيا ولبنان، فاضطرت إلى أن تشرح معنى العنوان الساخر. يروي الفيلم قصة عائلة بدري التي تعيش منذ سنوات في منزلها الجبلي بعيداً عن تلوّث المدينة وضجتها. ولكن هذه الحياة الهادئة سرعان ما ستتحول إلى كابوس عندما تقرر الحكومة بناء مكبّ بالقرب من أرضها. تبدأ الصراعات الداخلية لكل من الشخصيات بالظهور، وسينطلق الفيلم من مشكلة عائلة وأفرادها إلى تساؤل أكبر عن المجتمع كلّه. تعترف عقل أنّ كل ما تكتبه هو من تأثير أمور عاشتها أو رأتها أو بحثت عنها: «استخدمت كل فرد من هذه العائلة ليمثّل أحد الأسئلة التي أطرحها تجاه المدينة مثلاً. العائلة هذه تمثّل جزءاً من هذا المجتمع، تماماً كما عندما يحلم المرء ويشعر أنّ كل شخص في حلمه يشكل جزءاً منه. في هذا الفيلم، كل شخصية تمثل جزءاً منّي ومن حياتي ومن أشخاص أعرفهم. أنا وكلارا (روكويت) شريكتي في كتابة السيناريو تحدّثنا عن أمور عشناها. من خلال العائلة، يمكنك إخبار الكثير من الأمور. كنت كاتبة ومخرجة منذ صغري. فكنت أنظر إلى الناس الذين أحبهم وهم أفراد عائلتي، وكنت أحاول أن أرى ما يفعلونه عندما يمرّون بصعوبات. وقد لا تكون أفعالهم جيّدة طوال الوقت، ومن هنا نفهم أن الكائن البشري معقّد».
أزمة النفايات بيئية، لكنها أيضاً تعكس وضع البلد ومشاكله على أصعدة عدة (منيه عقل)


من جهة أخرى، لم تشأ عقل أن تركّز على شخصية محددة في الفيلم على حساب الأخريات. «كان همي ألا يكون هناك من بطل. فريم تمثل هذا الجيل الجديد الذي يرغب أن يكتشف. ورثت هذه الـ«تروما» عن أهلها وتظن أنها حرّة، لكنها في الواقع قلقة جداً. وقرارها باكتشاف بيروت من دون أن يطلب منها أحد ذلك فيه قوة. أردت أن أدخل في رأس كل من الشخصيات وأصوّر ما الذي يدور فيه. الماضي بالنسبة إلى الأم والتمني بالنسبة إلى الأب، وكيفية إنقاذ العائلة للفتاة الصغيرة وأخيراً أول المشاعر الجنسية لدى المراهقة». ومن أجل التوصل إلى عمل مقنع من ناحية الأداء، كان على المخرجة أن تجد ممثلين ليسوا ملائمين للدور فحسب، بل أيضاً متجانسين ومتشابهين. شخصية ريم يمثّلها توأمان جيانا وسيانا رستم، وهو أول دور لهما. «دور الأب وليد كتبته في الأصل لصالح بكري. أما نادين (لبكي)، فكنت أحب تمثيلها ولكنني لم أكن متأكدة إن كانت ملائمة لدور ثريا وهي أيضاً لم تكن تعرف. ولكن بعدما جلسنا معاً وتحدثنا لثلاث ساعات، شعرنا بالرغبة في العمل معاً وإخبار هذه القصص. وكانت ترغب في فعل شيء مختلف عن دورها مخرجة. فرحت جداً أيضاً بالعمل مع ناديا شربل الممثلة الآتية من التلفزيون. العائلة مكوّنة من ممثلين محترفين وغير محترفين كالجدة».
في تناقض واضح مع موضوعه، يلتقط الفيلم جمال الطبيعة ويصوّرها بطريقة شاعرية، حتى في بعض مشاهد تكدّس النفايات وتطايرها. تعود بنا عقل إلى طفولتها حين كانت تقضي الكثير من الوقت أمام النافذة تحلم: «اكتشفت العالم من خلال السينما والنافذة. وكنت أنظر عبرها وأشعر أنّها تفتح على العالم. والسينما كانت طريقة لاكتشاف العالم وبلدان أخرى، وحياة فتاة من عمري تعيش في بلد آخر. كنت أنجز أفلاماً لأصدقائي ومسرحيات في الحديقة. وبدأ خيالي يتطوّر هكذا، وكنت أحلم وأنا مستيقظة. فرغبت في وضع هذا كله في فيلم ودخول ذوات الشخصيات التي تعيش أحداثه».

* «كوستا برافا» في الصالات اللبنانية ابتداءً من الخميس