قد يكون «شبكة» صدر عام 1976، لكنّه يتطابق تماماً مع راهننا. يعاين الفيلم المتوافر على نتفليكس، عمل الشبكات الإعلامية، مبرزاً كيف يتمّ تدمير كلّ شيء وأيٍّ كان فقط من أجل الـ«ريتينغ»، وكيف تُحدَّد الأجندات الإعلامية لغسل أدمغة المشاهدين، وكيف يتحكّم رأس المال بالعالم لا بالإعلام فقط... والأهمّ من ذلك، يتنبّأ بأمور كان يصعب توقّع حصولها في حينه، أي في عزّ الحرب الباردة وقبل اختراع الـ«سوشل ميديا» بعقود.

«شبكة» (Network) فيلم أميركي من إخراج سيدني لوميت، وتأليف بادي شايفسكي وبطولة بيتر فينش، فاي دوناوي، ويليام هولدن، روبرت دوفال، كما آخرين لم تبدُ أدوارهم أقلّ أهمية. حصل الفيلم على تسعة ترشيحات لجوائز الـ«أوسكار» فاز بأربعة منها، وهي: أفضل ممثل لبيتر فينش، أفضل ممثلة لفاي دوناوي، أفضل ممثلة مساعدة لبيتريس سترايت، أفضل سيناريو عن نصّ أصلي لبادي شايفسكي. كما دخل سنة 2000 سجلّات الأفلام الوطنية في الولايات المتحدة، واختير السيناريو سنة 2005 كأحد أعظم عشرة سيناريوات في تاريخ السينما.
«سوف أقتل نفسي مباشرة على الهواء». هكذا يفاجئ المذيع الشهير هاورد بيل (بيتر فينش) مشاهديه في تلك الليلة التي يقرّر فيها القائمون على الشبكة طرده من عمله بمهلة أسبوعَين، بسبب تدنّي نسبة مشاهدة برنامجه الذي كرّس كلّ حياته له. دخل هاورد بيل عالم الإعلام في الخمسينيات، أي في «العصر الذهبي للتلفزيون»، عندما كانت تُقدَّم البرامج كافّة مباشرة على الهواء، إذ لم تكن تسمح التقنيات بغير ذلك في حينه. مضى عشرون عاماً وتغيّر الكثير، ليس فقط في عالم التلفزيون بل في حياة هاورد كذلك. فقد تركته زوجته قبل سنوات وأخذت معها أولادهما، فيما أصبح هو مدمناً على الكحول، قبل أن يتقرّر أخيراً طرده من عمله. كلّ هذه الأمور نعلمها خلال أوّل ثلاث دقائق من الشريط، كما نعلم أنّ ميوله الانتحارية ليست حديثة أبداً.
بعد إعلان بيل ذاك على الهواء، تقرّر شبكته (UBS) طرده فوراً، أي إلغاء مهلة الأسبوعَين. غير أنّ صديقه المقرّب، مدير قسم الأخبار ماكس شوماخر (ويليام هولدن) يقنع القائمين عليها بإعطاء بيل فرصة لإلقاء الوداع الأخير لمشاهديه. «ليس عليّ أن أخبركم أنّ الأمور سيئة»، يبدأ هاورد بيل مخاطبة مشاهديه. «الكلّ يعرف أنّ الأمور سيئة. إنّه الكساد (بسبب أزمة النفط 1973). الجميع عاطل أو خائف من فقدان وظائفه. الدولار أصبح بقيمة النيكل، المصارف تفلس، أصحاب المتاجر يحتفظون بمسدّس». يستمرّ هاورد لبضع دقائق وهو يفرغ ما في جعبته من غضب، فيما المنتجون خلف الكامير حائرون بشأن قطع البث من عدمه. لكنّ مديرة البرامج ديانا كريستانسن (فاي دوناوي) تمنع حصول ذلك. «نجلس نشاهد أجهزة التلفزيون فيما يخبرنا مذيع الأخبار بحصول 15 جريمة قتل و63 جريمة عنف اليوم، كما لو أنّ ذلك أمر طبيعيّ» يكمل هاورد، «فيما نحن قابعون في المنزل، لا يهمّنا سوى أن يتركونا وشأننا محتفظين بالـ«توستر» والتلفزيون والسيارة. لا، لن أترككم وشأنكم». وهنا يبدأ فعلياً الفيلم، إذ يقوم بأمر لم يكن ليتوقّعه أحد (لن نفصح عنه).
تصرّف بيل هذا يجعل الـ«ريتنيغ» يقفز نقاطاً عدّة بين ليلة وضحاها، إذ إنّه يشغل الصحف والإعلام المحلّي بما حصل. عندها، تتقرّر إعادته إلى برنامجه. فكريستانسن تريد إعطاء مساحة لـ«الثقافة المضادة» وتبحث عن أساليب جديدة مبدعة تعيد شبكة UBS إلى المنافسة، منها إطلاق برنامج عن عصابة تصوّر نفسها وهي تقوم بجرائمها، واستشارة أشخاص مثل لورين هوبز (مارلين وارفيلد)، ممثلة الحزب الشيوعي الأميركي التي تعترض، بدايةً، على الترويج للعنف. كريستانسن تعتبر أنّ فرصة كهذه لا تتكرّر. «العرب قرروا رفع سعر النفط بنسبة 20%. فُضحت الـCIA وهي تراقب بريد السناتور همفري. هناك حرب أهلية في أنغولا، وأخرى في بيروت. مدينة نيويورك لا تزال متخلّفة عن السداد. لقد لحقوا أخيراً بباتريشيا هيرست. والصفحة الأولى لـ«ديلي نيوز» هي هاورد بيل» تقول كريستانسن. يضاف كلّ ذلك إلى قرار تقليص حجم قسم الأخبار، ليكون ذلك بالنسبة إلى شوماخر القشة التي قصمت ظهر البعير، فيعترض ويتمّ طرده. لكنّ المشكلة تقع عندما يكتشف هاورد بيل أنّ شركة سعودية تبغي شراء الشركة المالكة لشبكة UBS بسبب الحاجة إلى المال السعودي، ما يحمّسه للتصرف، عبر برنامجه طبعاً، وهو ما يثير اشمئزاز مدير الشركة المالكة آرثر جنسن (نيد بيتي)، الذي يدبّر اجتماعاً خاصاً ببيل. هذا الاجتماع هو الذي سيحدّد مستقبل بيل.
إحدى أهمّ ركائز «شبكة» هي تلك الخطابات والمواعظ التي يلقيها كلّ من أبطال العمل على حدة. فهي تحمل الكثير من الحقيقة التي غالباً ما يكون الاتجاه نحو طمسها وتشتيت انتباه عامة الشعب عنها. «لقد تدخلتَ في قوى الطبيعة الأساسية، سيّد بيل!» يقول جنسن. «ليس هناك دول ولا شعوب ولا روس ولا عرب ولا عالم ثالث ولا غرب! ليس هناك سوى نظام واحد شامل، نظام عالمي تتشابك فيه الدولارات؛ البترو-دولار، الإلكترو-دولار، المالتي-دولار، الرايخ مارك، اليَن، الروبل، الجنيه، الشيكل... فقط النظام الدولي للعملة يحدّد مجمل الحياة على هذا الكوكب. ليس هناك أميركا. ليس هناك ديمقراطية. ليس هناك سوى IBM وITT وAT&T وDuPont وDow وUnion Carbide وExxon». يستدرك جنسن أنّ الحلّ هو شركة عالمية واحدة بحيث يملك كلّ إنسان سهماً فيها. عظة جنسن التي حملت في طيّاتها الطموحات النيوليبرالية من أجل «عالم جديد» قبل أن تتبدّد مع العقود القادمة، أبرزت فعلاً كيف يفكّر أمثاله في عالم الحقيقة.
كأنّ براعة السيناريو والكتابة لم تكن كافية، أتى إخراج العبقري سيدني لوميت عاملاً إضافياً يضفي على الشريط قدرة أكبر على جذب المُشاهد. خبرة لوميت في إخراج أفلام الجريمة لم تتناقض مع طبيعة «شبكة»، بل تكاملت معه، خصوصاً مع كثرة المَشاهد ذات الطابع «المظلِم» والساخر. يدع المُشاهد ينغمس في صالات الشبكة الإعلامية ومكاتبها، من دون الشعور بالملل أو الضيق من الوجود في المكان ذاته لوقت طويل. والأهمّ أنه يمنح كلّ ممثل وقته، ليخبر القصّة الخلفية لكلّ شخصية. أمّا الممثلون فيتجاوبون مع أساليبه بسلاسة مطلقة، ما يجعل الكيمياء بينهم وبينه عالية، كما هي في ما بينهم.
التكامل الكيميائي بين الممثلين والمخرج يظهر خصوصاً خلال إلقاء فينش عظات شخصية هاورد بيل. فيكتفي لوميت بالتصوير الصرف من أجل تحقيق المؤثرات البصرية من دون إضافات اصطناعية، وينجح في ذلك. إطلالات هاورد بيل على الشاشة تصف شخصيته المتضعضعة ومزاجه المتعكّر. أمّا فاي دوناواي، فرواية أخرى. لطالما عُرفت الممثلة الشهيرة بتربّعها على عرش السينما بمظهرها الشرس لكن الأنيق وأدائها الثاقب لكن المميّز. في إحدى مقابلاته، يعيد الفنّان زياد الرحباني إعجابه بدوناواي إلى «السيطرة الهادئة على الوضع من دون بعبعة»، وهذا تماماً يظهر السبب الذي جعلها الخيار الصائب لشخصية كريستانسن الجامدة والعنيدة والصلبة، المرأة شبه الوحيدة في عالم مليء بالرجال، ممثلة الجيل الشاب بين مجموعة شائبين، الفاشلة في مجالات حياتها شتّى ما عدا عملها، حيث تقوم بالمستحيل لتحقيق النجاح لشبكتها. «أنا ديانا كريستانسن، متزلّفة عنصرية للدوائر الإمبريالية الحاكمة». هكذا تقدّم نفسها، ليأتي الردّ عليها بلغتها «أنا لورين هوبز، زنجية شيوعية مفترسة».

فُضحت الـCIA، هناك حرب أهلية في أنغولا، وأخرى في بيروت


يتنبّأ الفيلم ببعض الأمور: مثلاً، تصوير العمليات الإجرامية لم ينشهر إلّا مع انتشار «يوتيوب»، والتركيز على أخبار «التابلويد» الديماغوجية «السخيفة» لم يكن موجوداً قبل الألفية الحالية، وتربّي الأجيال الشابة على أيدي «الشاشات» لم يكن مشكلة فعلية كما هي الحال اليوم. يتنبّأ أيضاً بموت الإمبراطورية «لكن ليس الآن»، وبسقوط الاتحاد السوفياتي «الميت أكثر منّا». أمّا الثابت الوحيد الذي لم يكن بحاجة إلى تنبّؤات، فهو تحكّم النخب الرأسمالية بالمعمورة.
«حسناً، توفي رجل ثريّ شائب. ما علاقة ذلك بسعر الأرزّ، أليس كذلك؟ ولماذا هذه مشكلتنا؟ لأنكم أيها الجمهور، كما 62 مليون أميركي آخر، تستمعون إليّ الآن. لأن أقلّ من 3% منكم يقرأون الكتب! لأن أقلّ من 15% منكم يقرأون الصحف! لأن الحقيقة الوحيدة التي تعرفونها هي ما تحصلون عليه عبر هذا الأنبوب (الشاشة)! الآن، هناك جيل كامل لا يعرف شيئاً إذا لم يخرج من هذا الأنبوب!» يقول بيل في إحدى نوبات جنونه على الهواء. هذا الخطاب بالتحديد يجمع في مشهد واحد كل ما عايناه، من كتابة ووعظ وإخراج وتمثيل إلى الفروق بين الأجيال والتنبؤات وواقع العالم. هو عمل استثنائيّ لا يعتق!

* Network على Netflix