فرانكفورت | قبل ولادة السينما حتى، انشغل الإنسان بالصورة وبتحريكها. فضوله دفعه إلى اختراع أجهزة تستطيع تحريك الصورة الثابتة من خلال المرايا والضوء. وبعدما أصبح التصوير الفوتوغرافي جزءاً من الحياة العامة منذ منتصف القرن التاسع عشر، ابتكر العديد من المخترعين ألعاباً بسيطة أتاحت مشاهدة سلسلة من الصور بتتابع سريع، ما خلق وهم الحركة. لم يتوقف الإنسان عند هذا الحد، إذ تمت تغذية الإدراك السينمائي من تاريخ تحريك الصور يدوياً. هذا التاريخ الطويل يمكن رؤيته كله في «معهد الفيلم الألماني» و«متحف الأفلام» في فرانكفورت. ثلاثة طوابق تشرح الطريق الطويل للأفلام: الحركة، التسجيل، العرض، الصور المتحركة والسينما. من طابق إلى آخر، نكتشف وهم الحركة من خلال التسجيل والإسقاط السريع اللاحق للعديد من الصور الفوتوغرافية على الشاشة. ننتقل إلى الطابق الثاني لندخل عالم السينما الذي نعرفه اليوم، هنا سحر الأفلام، مشاهد وملصقات وكاميرات نكتشف فيها عبقرية العقل الإنساني. بعد هذين الطابقين الدائمين، نصعد إلى الطابق الثالث، حيث المعرض الجديد: «بهجة الأعماق، فيلم تحت الماء».


بهجة الأعماق
في الطابق الثالث، يدعونا المتحف إلى رحلة حسّية في عالم السينما تحت الأعماق. المعرض عالم من صور ومشاهد تحت الماء تستثير الحواس كلها: غابات المرجان المتوهجة بكل الألوان، أسراب من قناديل البحر، الحبار العملاق، حوريات، وحوش برمائية، دلافين أنيقة، حيتان كبيرة، أسماك قرش مخيفة، غوّاصون، أشخاص محاصرون في غواصات، سفن غارقة، وعوالم سحرية من الحطام والأنقاض. أعماق المحيطات كانت ولا تزال تبهر المخرجين، والرغبة في اكتشافها دفعتهم إلى الغوص مراراً في الماء. هكذا، استكشفوا التوتر الدرامي الدائم بين النور والظلام، الأسطح والأعماق، الحياة والموت. تركّز أفلام كثيرة ضمن المعرض، على جماليات الصور تحت الماء وثرائها البصري والصوتي. يخلق التفاعل بين الصوت والصورة في المعرض تجربة سمعية بصرية تحبس الأنفاس، تماماً مثل شخصيات الأفلام الضائعة في أعماق المحيطات.


جمع المعرض تقريباً كل الأفلام التي جرت قصصها تحت الماء أو في الماء، من خلال ملصقاتها ومشاهدها. أكثر من ثلاثين شاشة حوّلت المعرض إلى محيط سينمائي مائي. الأرضية والجدران خلقت وميضاً وأصبحنا مغمورين باللون الأزرق العميق، وعائمين في البحار. تهيمن على المعرض، نصف دائرة ضخمة من القماش شبه شفافة وسط الغرفة. هنا، نحن محاطون بشاشة كبيرة بارتفاع السقف، تجتمع فيها مروحة من مشاهد أفلام تحت الماء، تظهر الواحدة تلو الأخرى لتغمرنا بسحر سينمائي أزرق.
«البحيرة السوداء»، مساحة منفصلة مخصّصة للمشاهد المروعة من أفلام تحت الماء. هنا يسيل الكثير من الدماء، تنهش أسماك القرش البشر، وتنقلب القوارب ويفقد الناس أطرافهم ويظهر رعب الأعماق. في غرفة أخرى منفصلة تماماً بعنوان «دوامة مائية، مدن وذكريات» ندخل إلى الأعماق من خلال الصوت. مصمّمة الصوت اللبنانية رنا عيد، جعلت عالماً تحت الماء ينبض بالحياة من خلال أصواته، كما حدثتنا هي ومصمم الصوت الألماني فرانك كروس حول تحديات إنشاء ومزج أصوات تحت الماء. تكمل المعرض ملصقات وصور مجمعة حول هذا الموضوع، بالإضافة إلى شاشة تعرض المياه كعنصر فيلم تجريدي تقريباً. في الردهة، تركّز الشاشات الرقمية على «حوض السمك» كعنصر درامي.


خلال المعرض الذي يستمرّ حتى كانون الثاني (يناير) 2023، تأخذنا السينما في رحلة حسّية تحت الماء من خلال عروض مختلفة على رأسها Leviathan. يتحدث هذا الفيلم (إنتاج 2013) عن سفينة صيد تبحر خلال الليل في شمال المحيط الأطلسي وسط الأمواج المتدفقة، والرياح العاصفة، وقطعان طيور النورس، والأجساد البشرية العاملة والمرهقة، والعدد القليل من الأسماك الحية وأطنان الأسماك النافقة. وثائقي يُبرز الظلام كسائل كثيف في الهواء، حيث البحر خطر دائم ومقلق، والحياة حلقة مفرغة من الاغتسال والأكل والصيد وسط جحيم سفينة صدئة. يواجهنا «ليفياثان» بالحياة اليومية لصيّادي السمك في أعماق البحار. يقترح هذا الوثائقي تجربة حسّية بدلاً من مجرد التقاط الصور التقليدية «الجميلة» للحياة في البحر. من جهته، يروي «في قلب البحر» (2015) قصة سفينة صيد الحيتان «إسيكس» والطاقم الذي تعرّض لهجوم حوت عام 1820. فيلم رون هوارد المقتبس عن كتاب «في قلب البحر»، ليس عن هوس صيد الحيتان، بل قصة حياة وموت، عن الإنسان الذي يواجه البحر ومخلوقاته، عن رعب العالم الأزرق وبحّارة يفعلون كل شيء للبقاء على قيد الحياة. المخرج لوك بوسون حاضر أيضاً من خلال «أتلانتيس» (1991) الذي يقدّم لنا المحيط وكل ما فيه. شريط ذو أقسام عدة، عن الحياة والعواطف بعيد كل البعد عن كونه فيلماً وثائقياً عن البحار وحيواناته. إنه فيلم رمزي عن العالم البحري، يلامس فيه بوسون دائرة الحياة في الفوضى المائية، تمثل فيه الأنهار الجليدية المصورة تحت الماء أساس الوجود كله، حيث يبدأ كل شيء. لا يوجد في الفيلم حياة حيوانية، فقط ماء، مثل ولادة جديدة للكرة الأرضية.
الماء في السينما عنصر ديناميكي بصري وسمعي قوي


باستخدام وحش كلاسيكي من العصر الذهبي لأفلام الرعب، يروي المخرج المكسيكي غييرمو دل تورو في «شكل الماء» (2017) قصة رومانسية غير عادية. امرأة ومخلوق نصف سمكة ونصف رجل، يقعان في الحب. الفيلم الذي شاهدناه قبلاً في الصالات اللبنانية، تنغمس في عالمه المصغر وتترك نفسك محاطاً بجماله ورقته. قصة خيالية وبهجة للحواس تذكّرنا بسبب حبّنا للسينما. لا يغفل المعرض الاستغلال والوحشية الإنسانية تجاه المخلوقات المائية. مدرب الدلافين السابق ريتشارد أوباري البطولة هو البطل في وثائقي The Cove (إنتاج ـ 2009) الذي يطرح قضية القتل الجماعي للدلافين في تايجي في اليابان. في خليج محمي، يتم اصطياد الدلافين لبيعها حيةً أو قتلها من أجل لحمها. في الفيلم، نظرة ثاقبة على خليج الدم الأحمر. يدين الوثائقي هذه الممارسات التي تحدث أمام جمهور عالمي ويوضح كيف يهدّد الجشع البشري التنوع البيولوجي والبيئي لهذا الكوكب، ويعرّض حياة البشر للخطر. حصد الفيلم جائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي.



ميشائيل كينسل: الأعمال القديمة أكثر اصالةً مما نشاهده اليوم
تجربة انغماسية غامرة للحواس، لا تكتفي بجعلنا نشاهد العروض فقط. المدير الفني لمعرض «بهجة الأعماق، فيلم تحت الماء» ميشائيل كينسل، صنع نوعاً من التفاعل مع المساحة السينمائية التي أنشأها. جعلنا نتحرك داخلها ونحن محاطون بالمشاهد وملصقات الأفلام. «كيف تنقل السينما إلى المتحف... هذا هو السؤال الأساسي هنا» يقول لنا كينسل، قبل أن يضيف: «بعضهم يقول إنه يمكننا فقط عرض الأفلام، وهذه وجهة نظر صارمة ومحدودة. فـ «معهد الفيلم الألماني» متحف ثقافي وتاريخي عن السينما. لذلك، لا يمكن أن تعرض فيلماً كاملاً ضمن معرض، بل ينبغي أن تخلق تفاعلاً بين ما تعرضه والزوّار. عليك التفكير في المشاهد التي ستعرضها. في معرض عن أفلام تحت الماء، عليك أن تخلق حالة مشابهة لما يعرض على الشاشات الكثيرة، والتفكير في الزوّار وطريقة تفاعلهم مع المعروض». أما عن أقسام المعرض وموضوعاته المختلفة من أفلام كرتون وحوريات وأسماك قرش إلى أفلام حركة وغواصات، والشاشة العملاقة الموضوعة وسط المعرض التي تقدّم أربعة مشاهد من أفلام مختلفة في الوقت نفسه، فيجيبنا كينسل: «الخطوة الأولى كانت اختيار كل الأفلام التي تتحدث عن هذا الموضوع، ومن ثم مشاهدتها. بعدها، تجمع المشاهد التي تريد عرضها في المعرض على الشاشات. رأيتُ جميع هذه المشاهد. وخلال المشاهدة، اكتشفتُ نمطاً أو أشياء مشتركة في ما بينها. بدأت بعدها بكتابة الملاحظات، وتقسيم الموضوعات. لكن العمل الحقيقي هو ما يمكن عرضه في الوقت نفسه من دون تشتيت انتباه الزائر كثيراً. وهكذا يبدأ المونتاج، وكل شيء يقع في مكانه المناسب في هذه المرحلة». هل فكّر بالزائر خلال المونتاج، أو وضع كل شيء ثم راقب الزائر كيف يتفاعل مع ما يعرض؟ يوضح كينسل: «أفكّر دوماً بالزائر والمتفرج، لكن هنا كانت لدينا شاشة عملاقة وأربعة مشاهد في الوقت نفسه، لذا، كان عليّ التفكير في كيفية ظهورها على الشاشة قبل التفكير في تفاعل الزائر. لا يمكنك تخيل ردة فعل الزائر بالطبع، لكن يمكنني لفت انتباهه من خلال الصوت». كيف خطرت في باله فكرة معرض تحت الماء؟ يجيب: «بدأت بالعمل على فكرة الماء بشكل عام، لأنّ الماء عنصر غني في السينما، لكن عندما بدأت العمل في أفلام يوجد فيها عنصر الماء، وجدت أنّ جميع الأفلام في تاريخ السينما، تحوي عنصر الماء، أكان من خلال المطر أو الاستحمام وما إلى ذلك. الماء في السينما عنصر ديناميكي بصري وسمعي قوي. لذلك، تخيّلت نفسي في غرفة وما يحيطها هو فقط مشاهد وصور من تحت الماء، كأنك في حوض سمك». أما عن تطور التعامل مع الماء والأعماق من قبل المخرجين، فيقول كينسل: «السرد السينمائي والتقني تطوّر مع تطور التكنولوجيا وطريقة التصوير والكاميرات. أفلام عالم المحيطات تطورت لناحية الموضوعات. مثلاً مع بداية السينما، كانت هناك الكثير من الأفلام الصامتة عن معارك الإنسان مع حبّار عملاق، ثم تحول هذا الكائن المفترس إلى قرش مع فيلم Jaw لستيفن سبيلبرغ. لكل مرحلة موضوعاتها. لكنّ المفارقة اليوم أنّ معظم الأفلام التي تحدث قصصها تحت الماء مثل فيلم «أكوامان» من عالم «دي. سي»، صوِّر بالكامل داخل استديو وليس في الماء. وعلى الرغم من أنّ لدينا اليوم كل التكنولوجيا لهذا النوع من الأفلام، إلا أننا نخسر الدقة والأصالة لأننا لم نعد نغوص في الماء. ظلّت الأفلام القديمة أغنى لأنها حدثت داخل الماء الحقيقية». أما عن بيروت وانفجار المرفأ وعلاقته بالماء والبحر من خلال تجهيز رنا عيد، فيقول كينسل: «تمتّعت رنا بكامل الحرية في فعل كل ما تريد. عندما سمعت الصوت وقرأت ما يقوله الناس في غرفة الصوت، وجدته مناسباً جداً وغنياً ومركباً من طبقات عدة، خصوصاً أنه يمكننا أن نشعر بعدم الارتياح ولو أنّنا لم نفهم معنى الكلمات المنطوقة. ليس ذلك الصوت الذي يجعلك تريد الذهاب بعده إلى الشاطئ. وإن لم تكن لنا علاقة هنا بالانفجار أو بما يحدث تحت الماء في لبنان، إلا أنّ إحساس الخطر وصلنا من خلال التجهيز». ما الذي تمثله أعماق البحار بالنسبة إليه؟ يجيبنا: «إنه مكان مثير للإعجاب ومخيف في آن. شاهدتُ فيلم The Abyss لجيمس كاميرون عندما كنتُ صغيراً، وكنت وقتها معجباً جداً بأعماق المحيط وفي الوقت نفسه خائفاً جداً لأنّ لديك هذا الشيء الأزرق الواسع الذي لا تدري عنه شيئاً. لا حدود له ولا تدرك عمقه حتى، بخاصة أن البحار والمحيطات لا تزال غامضة بالنسبة إلينا حتى اليوم. اكتشفنا الفضاء ولا تزال أعماق المحيطات غير مكتشفة كلها. هناك مخلوقات لم تكتشف بعد. لذلك هناك غموض، والمخرجون ما زالوا يصنعون أفلاماً عن أعماق المحيطات لأنه المكان الوحيد الذي لم نكتشفه بعد. هو مكان للتخيلات، يمكن أن يكون هناك وحش كبير أو حوريات... لا أحد يعلم».

* «بهجة الأعماق، فيلم تحت الماء»: حتى 8 كانون الثاني (يناير) 2023 ـــــ «متحف الأفلام» في فرانكفورت ــــــ dff.film/en