كان واضحاً أنه وُلد في شمال إيطاليا، لم يكن يأكل كميات كبيرة من الباستا... الإيطاليون الجنوبيون يأكلون أطباقاً ضخمة. كان يأكل مع القليل من الملح، منتبهاً جداً إلى صحته. كان يحب Aglio e olio طبق السباغيتّي مع الثوم وزيت الزيتون، جنبها Sole Meuniere سمك موسى بالزبدة والليمون، يضع معها القليل من الفطر الطازج النيء. بعد الطعام، البيرة وبعض الفاكهة تكفيه. «أحب الحياة بشراهة ويأس مفرطين إلى حد يستحيل معه أن أجني منها أي خير: أقصد بالحياة الجوانب المادية منها، كالشمس، كالعشب، كالشباب. إنني ألتهم وألتهم وألتهم، إلام سيؤول ذلك، لا أعرف».

محب الطعام والحياة هذا هو بيار باولو بازوليني (1922 – 1975)، الذي قُتل بتاريخ 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975 بطريقه دموية. كيف؟ دهساً لمرات متكرّرة بسيارته الشخصية التي كان يقودها كويسيبو بلوزي، مراهق في السابعة عشرة من عمره. كسور عدة في جسده، خصيتان مدهوستان بعصى حديدية، وجسد حرق بعد الموت. اعترف الصبي بجريمته، قال إنّه كان «دفاعاً عن النفس، فبازوليني متحرّش». لكن عام 2005 تغيّرت الأقوال، بعد 29 عاماً، غيّر الصبي الذي بات رجلاً اعترافه. دافع عن كذبته، بحجة حماية عائلته المهددة، فـ «ثلاثة رجال من صقلية قتلوا بازوليني بعد نعته بالشيوعي القذر» هكذا قال. وكرّت سُبحة ملابسات الجريمة، لتتكشّف الدوافع والمجريات الحقيقة. «سالو» (1975)، فيلم بازوليني سُرق، أراد الرجل السفر إلى إستوكهولم لاستعادته، لكنه قُتل على يد قاتل مأجور. فُتحت القضية من جديد عام 2005، لكن القاضي قضى بعدم كفاية الأدلة لفتح التحقيق بالادعاءات الجديدة. وبقي موت الإيطالي لغزاً.
وُلد بازوليني في بولونيا، المدينة الأكثر يسارية في إيطاليا. كان الابن الأكبر لوالدته المعلمة، ووالده ضابط المشاة السريع الغضب من أصول ثرية. كان والده مدمناً على الكحول ومقامراً واستبدادياً ومسيئاً إلى زوجته. لكنه مشهور بأنه أنقذ حياة بينيتو موسوليني، في هجوم تمكن من إحباطه. نشأ بازوليني في أسرة تقليدية وكاثوليكية، أحب الشعر منذ سن السابعة، كان يعشق والدته، ولا يحب والده كثيراً. سوف تنعكس هذه المشاعر المتضاربة على عمله. في أحد أعظم أفلامه «الإنجيل بحسب القديس متى» (1964) أعطى بازوليني دور العذراء لسوزانا بازوليني، لوالدته، جعلها والدة المسيح، في حين أن كتابة الأول من القصائد Poesie a Casarsa (1942) المكرّس لوالده المكروه، كتبه باللغة الفريولية، اللهجة التي تتحدّثها عائلة والدته ويحتقرها والده. تُضاف إلى ذلك حقيقة أخرى هي أن جوديو، شقيقه الوحيد، سقط عام 1945 خلال الحرب العالمية الثانية، كان يبلغ 20 عاماً وكان يقاتل مع المقاومة. هذه الحقيقة الدرامية قوّت علاقته مع والدته أكثر.

أفلامه هزّت الطبقة السياسية والكنسيّة ومُنعت في عشرات البلدان


كاثوليكي، ماركسي، إباحي، شاعر، كاتب مسرحي، سينمائي. فنان غزير الإنتاج، متعدد التخصصات، عرف كيفية توجيه الأحداث المأساوية التي انتشرت في مسار حياته والتقطها في أعماله بعبقرية. عكست أعماله التناقضات التي نشأت في خضم التحولات المعقدة التي عانتها إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية: الانتقال من الفاشية إلى الديموقراطية أو الانتقال اللاحق من مجتمع «بدائي» إلى وضع أسس الاستهلاك الجماهيري. جعله إرثه الفني أكثر المفكرين الإيطاليّين احتراماً في القرن العشرين. كانت لديه موهبة فطرية طبعها على جوانب أعماله المختلفة: اللغويات والرسم والسينما... كلها كانت في النهاية هروبه من حياة مثيرة للجدل. طور الشاب بازوليني تفكيره النقدي الخاص، الذي تساءل من خلاله عن العديد من تلك التقاليد الذي نشأ عليها. هذا النقد تبلور في أعماله الإشكالية. مثليّته الجنسية، موقفه من الرأسمالية المتوحشة وقربه من الحزب الشيوعي وحتى اهتمامه البيئي، رفض قطاعات معينة من السلطة واليمين المتطرّف. ذو تنوع ثقافي استثنائي، مراقب يقظ للتغيرات في المجتمع الإيطالي بعد الحرب حتى منتصف السبعينيات. غالباً ما أثار جدلاً قوياً ومناقشات محتدمة بسبب راديكالية أحكامه تجاه العادات البرجوازية والمجتمع الاستهلاكي الناشئ، أيضاً تجاه Sessantotto (احتجاجات عام 1968). عاش بازوليني حياة مأساوية تحولت إلى حرب صليبية وانتهت بموت قاسٍ، عنف لم يكن يستحقه.
محبوب ومكروه، يدين الأعراف والنفاق. كان من أوائل المضطهدين، طُرد من الحزب الشيوعي الذي كان يعتبر المثلية الجنسية انحطاطاً برجوازياً. ومع ذلك، فإن الطرد لا يقلل من قناعاته السياسية، كان دائماً شيوعياً. عام 1950 انتقل إلى روما مع والدته، وانغمس في أجواء الضواحي. بائعات الهوى وشباب الشوارع هم أبطال رواياته، حتى إنهم يعرّفون أنفسهم بلغته. بالرغم من كثافة كتاباته، فإنه كرس نفسه لرواية «بيتروليو» غير المكتملة، التي يروي فيها قصة رجل مهووس بالإثارة الايروتيكية المتطرّفة. يصف فيها بعض التجارب الجنسية المثلية، التي تشمل طقوس عربدة البطل مع 20 فتى بروليتارياً في قطعة أرض شاغرة في ضواحي المدن. الرواية أخذته إلى المسرح. عام 1968 كتب بيانه الشهير لمسرح جديد. من خلال 33 نقطة رئيسية وخاتمة تضمّنها البيان، حاول استعادة الكلمة كأداة للفكر والنقد، والابتعاد عن المسرح البرجوازي التقليدي. أطلق «مسرح الكلمة» وأيّد الدراما الأثينية القديمة التي وضعت الكلمة على الساحة، وكان مدافعاً عن المسرح الذي يجب أن يكشف مشكلة الثقافة ويكون بمثابة محفّز للتفكير. وأكّد أن مساحته المسرحية لم تعد المسرح، بل الرأس.

«الإنجيل بحسب القديس متى» (1964)

أزعج بازوليني برواياته وشعره ومسرحه قطاعات معينة من النخبة الإيطالية، وكانت المشكلات موجودة دوماً. ومع ذلك، بدلاً من الشعور بالخوف، تقدم بازوليني إلى الأمام أكثر. من الآن وصاعداً، لن يقرؤوا أفكاره فحسب، بل سيشاهدوها على الشاشة الكبيرة. دخل السينما في عمر الـ39 تحت إشراف فيديريكو فيلليني، وأصبح مخرجاً غزير الإنتاج، جمع في أفلامه الواقعية والمفاهيم الثورية للثقافة والجنس والعنف والسادية. بدأ مع Accattone (1961) وعبّر عن روما الهامشية والضعف الاجتماعي والإقصاء والفقر، بأسلوب لا يخلو من السخرية والنظرة النقدية. ثم جاء «ماما روما» (1962) ضمن إطار التيار الواقعي الجديد الذي واصل إظهار كل تلك الظروف الاجتماعية، بأسلوب وثائقي تقريباً وتقنيات أكثر تقشفاً. ثم برز «الإنجيل بحسب القديس متى» (1964) كصفعة في وجه الجميع والكنيسة. طريقة تقديم الفيلم كانت مفاجئة، ليس بسبب وقوف أحد المخرجين الملحدين خلف الكاميرا، بل لأن بازوليني قدم الفيلم انطلاقاً من رؤية ماركسية. مسيح بازوليني راديكالي مصمّم على تغيير العالم، ذو ملامح سامية، وبشرة داكنة وعينين سوداوين. أبدع بازوليني من جديد وصنع «تيوريما» (1968)، فيلم بفكرة مجردة مشبعة في الرمزية. زائر غريب غامض في منزل أسرة إيطالية ثرية، يتصل روحانياً وجنسياً مع كل فرد من الأسرة، يغوي الخادمة والابن والأم والابنة وأخيراً الأب قبل أن يغادر. «تيوريما» غامض شاعري يقلب فيه بازوليني حياة عائلة رأساً على عقب، ويترك فيه الزائر أنواعاً مختلفة من الأزمات الأخلاقية والوجودية. يبيّن الفيلم خواء وضحالة المجتمع، بازوليني يكشف فكرة الإغواء والاضطرابات النفسية، يلعب على الفكرة من دون أن يعطي حلولاً، فبازوليني لا يعظ. مع مغنية الأوبرا ماريا كالاس، خلق بازوليني «ميديا» (1969) الأسطورة الإغريقيّة الشهيرة نقلاً عن مسرحية يوربيديس الشهيرة. 12فيلماً صنعها بازوليني، وكان الأخير «سالو» (1975) الذي اختصر كل شيء. عمل على هذا الفيلم بحرية هائلة، ابتعد عن التقاليد وتأرجح بين العناصر الذي يذكرها بعضهم بأنها إباحية وسادية. الفيلم مأخوذ من رواية «120 يوماً في سدوم» لماركي دو ساد. صوّر بازوليني ما كتبه دو ساد. لا مهرب لكل من في الفيلم، الكل محكوم عليهم بالموت أو الجنون. «سالو» فيلم عن الغضب والحزن، يطلب منك أن تكره الإنسانية والبرجوازية، وما نحن قادرون على أن نفعله بأنفسها والغير. ثم البكاء، لأن لا شيء يمكن أن يتغير.
أفلام بازوليني هزت الطبقة السياسية والكنيسة وحظرت في عشرات البلدان. كان يؤمن أن ما تغيّر ليست لغة الأشياء، بل الأشياء نفسها، وأن المجتمع الاستهلاكي هو المكان الذي يجب فيه توجيه النقد السياسي، لأن البرجوازية برأيه ليست طبقة اجتماعية. إنّها مرض معد. عرف أن المجتمع الاستهلاكي سيصل إلى أقصى درجات الشمولية، لأنّه سهل، فكل شيء في متناول يده: المال والوقت. ويؤكد أن الأشخاص القلائل الذين كتبوا التاريخ هم أولئك الذين قالوا لا، وليسوا رجال الحاشية ومساعدي الكرادلة. البرجوازية ليست بديلاً ولكنها استمرار للسلطة. طعن بازوليني عش دبابير الاجتماعي والسياسي والديني. خرجت عبقريته بطريقة عنيفة ومتقلّبة وأعماله استمرت إلى اليوم في منح الناس شيئاً يتحدثون عنه. كان سينمائياً وكاتباً وشاعراً ومواطناً، اهتم بوطنه وبكى على أنقاض إيطاليا من دون أي ذرة من الخطابية. هذه المشاعر تجاه الوطن والفقراء والمحرومين حفّزت سينماه. في الليلة التي سبقت اغتياله، أجرى بازوليني مقابلة تلفزيونية تحدث فيها عن مخاطر الفاشية. وكان آخر مكان ذهب إليه قبل مقتله هو Al Biondo tevere. لقد كان هناك مع بلوزي نفسه... قاتله؟

بعض أفلامه متوافر على MUBI