لم تعد بيروت هي نفسها، تلك التي تركها المخرج والموسيقي نديم مشلاوي عام 1985. عاد إليها بعد الحرب، ومنذ ذلك الوقت وهو يبحث عنها. بيروت بالنسبة إلى نديم مدينة «عم تختفي». كأن هناك شيئاً غامضاً يحصل لها، لا نعلمه، كأن بيروت تغيّر، كلّ يوم، حلّتها وأبنيتها ونحن لا نلاحظ أي شيء، أم أننا نلاحظ ونراها تختفي، ولكننا لا نعيرها الاهتمام لكثرة مشكلاتنا داخلها. قالها لنا بلسانه «نحنا عايشين بين الوجود والتلاشي».

«ما بعد النهاية» (2022) الفيلم الثاني لنديم بعد «القطاع صفر» (2011)، يمتلئ بالأسئلة ولا يقدم إجابات. عالمه هادئ، وبيروت هادئة فيه ولكنها مرعبة ومرعوبة، تبدو نقية، لكن كل ما يجري من حولها ولسكانها هو النقيض تماماً. سكانها معذبون وواقعها مشوّه. نديم يفقدنا أنفسنا بشكل لا يمكن تفاديه. يدخلنا في متاهة سينمائية مع بيروت وخرائطها وأبنيتها. يرعبنا، يؤكد لنا، ويرينا بأعيننا أن عاصمتنا تختفي داخل شوارع وأبنية. المدينة علاقات مضطربة، خرائطها تختلف عن حقيقتها. يضعنا الفيلم وسط مدينة بيروت المتغيّرة باستمرار، ويسأل عن عماراتها وتاريخها ومساحاتها، يحاول فهمها، وبينما يعرّج على حياته الشخصية وطفولته في المدينة، يسأل ما سوف يحدث عندما يختفي كل شيء. «ما بعد النهاية» عبارة عن مذكرات، جمع فيها نديم ذاكرته عن بيروت وعن سكانها، وطفولته في فندق «الكومودور» مع والده توفيق مشلاوي، وعن هذا الفندق الذي كان ملاذاً آمناً لوسائل الإعلام والصحافيّين العالميين.


يحاول نديم فهم بيروت اليوم، من خلال علاقته بها وعلاقته بأصدقائه وعائلته. بدأ فيلمه بطريقة شخصيّة، حدثنا عن شعوره اليوم الذي يشبه شعوره عندما توفي والده. بدأ برحلته عبر التاريخ الحديث والأرشيف لمدينة على شفا الاختفاء. نعتقد أنّنا نعرف بيروت، نأخذها كما هي لأننا نألفها، هذا الشعور الذي نبدأ به الفيلم يتغير مع كل دقيقة، وفي النهاية يقلب نديم بيروت رأساً على عقب، ونتأكد بأنّنا نعيش في مدينة لا نفقه عنها شيئاً. تحدث نديم في الفيلم عن نفسه، وتحدث مع المهندسين المعماريين برنار خوري وجورج عربيد، والمصور الفوتوغرافي زياد عنتر. لكل شخص منهم رؤيته عن المدينة وتاريخها وعمارتها وهندستها، والجميع يحاولون فهمها ولكنها عصية عليهم كلهم. «تصميم بيروت بفوق خيال أي مهندس معماري» يقول نديم، الذي استعمل السينما لمحاولة فهم مدينته وقدم فيلماً غير تقليدي، بمثابة إعادة بناء حياة، بمثابة عودة إلى المدينة من بوابة السينما.

مشهد من «ما بعد النهاية» (2022)

قسّم مشلاوي فيلمه إلى أربعة أقسام وخاتمة. كل قسم يحمل روح الدقائق التالية: «هذيان»، «طمر»، «نبش»، «أشباح». في كل قسم، يرينا نديم ما يقصده من العنوان، وكل شيء متعلق ببيروت وعماراتها. لا يحمل المخرج اللبناني الأجوبة ولا يتباهى بأنه يعرف كل شيء، ولا يحاول أن يحدّثنا بطريقة فلسفية. هو يطرح الأسئلة، يحاول الحصول على الأجوبة من أصدقائه. يمشي نديم في بيروت ويقول «ما معروف ليش في فرق بين المدينة وخرايطها، أوقات بس امشي ببيروت بحس كأني عم امشي بالزمن، ما في ولا خريطة فيها توضّح جغرافيا هلقد غامضة». يفتح نديم وزياد عنتر خرائط بيروت ويتحدّثان كيف أن بيروت لا تشبه خرائطها، يكشفان لنا أبينة اختفت، ولا أحد يعرف لماذا ومتى ولكن زياد يوضح: «بتوقع البناية لترجع تصير عقار».
يقودنا نديم إلى أحلك زوايا التاريخ اللبناني ويدخلنا إلى اللاوعي الجماعي، يذكّرنا بأشياء، يمحو صور المدينة بيديه، يوقف الزمن لبرهة، ويحدّد ذكريات الأشياء القادمة. على الرغم من أنّ «ما بعد النهاية» يمكن أن يظهر على أنه فيلم صعب، إلا أن نديم والأصدقاء يحدثوننا بسلاسة، نشعر بحبهم لهذه المدينة الضائعة، يحاولون قدر الإمكان المحافظة عليها ولو من خلال خريطة أو صورة أو عمارة. يعود نديم إلى الماضي ليرسم معالم الآني عبر مقاربة الحدث من خلال معاصريه. أسئلته وأجوبة الأصدقاء تعبير صادق عن بلاغة الارتباك في تفكيك ذاكرة وماضٍ وحاضر مدينة بهدف فهمها. لم يكن نديم أنانيّاً في فيلمه، على الرغم من أن الفيلم شخصي جداً ومليء بالذكريات والصور والمشاهد الشخصية له ولعائلته، إلا أنه ترك مساحة لأصدقائه كشواهد على المكان، ليتحدثوا عن مشاريعهم التي هي محاولة قراءة واقع مستند إلى ماض لم يمضِ بعد.
الشريط عبارة عن مذكرات عن المدينة وسكانها، وطفولته في فندق «الكومودور»


«ما بعد النهاية» الذي يُعرض حالياً ضمن مهرجان Sheffield DocFest في مدينة شيفيلد في إنكلترا، ليس فيلماً توثيقياً، إنه سيكولوجيا المكان والمجتمع والتفاعل بين الصورة (مارك خليفة) والصوت (رنا عيد، روب ووكر). بدأ الفيلم بطريقة حميمية شخصية، انتهى بطوبة كبيرة غير مرئية من أبنية بيروت التي اختفت، راسيةً على أرجلنا، فمنعتنا من القيام بسبب وزنها وثقل الشعور الذي ينتابنا. خلق نديم تفاعلاً سينمائياً غير مألوف، طبع في أذهاننا مشاهد يصعب أن ننساها. مشى في شوارع بيروت وصنع «جي. بس. أس»، لشوارعها مبنية على مشاعرنا. دخل مع برنار إلى «مصنع لذيذة» المهجور، وذهب مع جورج إلى غابات الأرز، وعاد مع زياد إلى بيروت عبر بحرها، وتجادل الاثنان حول أبنية كانت موجودة ولا أحد يتذكرها. «ما بعد النهاية» استكشاف، بحث عن هويتنا الضائعة في مدينة مربكة. «كأنو عالقين بحاضر ما بينتهي، ورانا في ماضي ما بموت، وقدامنا مستقبل التَغى». هكذا أنهى نديم فيلمه، تركنا وسط رعب المكان والأبنية، أجبرنا على أن ننظر إلى بيروت بطريقة مختلفة، أن ترهبنا مبانيها وأن نلاحظ ما سوف يختفي منها في الأيام المقبلة.