أكثر ما يميز فيلم «لقاء الرجل: جيمس بالدوين في باريس»، الذي طرحه «مهرجان نيويورك السينمائي» أخيراً، هو صورة جيمس بالدوين الهارب عام 1948 من العنصرية، ومن الوضع السياسي والاجتماعي الذي كان سائداً في الولايات المتحدة. قوة بالدوين في التعبير عن نفسه وعن أفكاره رأيناها في فيلم «أنا لست زنجيك» (2016)، لكن سحر الحوار الفاشل في «لقاء الرجل: جيمس بالدوين في باريس» بين بالدوين والمخرج الإنكليزي تيرانس ديكسون أعطى بالدوين مجالاً أكبر وأكثر فرادة لإبراز قوة فكره. جاك هزان مصوّر الفيلم، تعقب بالدوين في عدة مواقع رمزية، بما في ذلك ساحة الباستيل. خلال اللقاء، نرى كيف ألهم بالدوين مجموعة من الشباب السود. تحدث معهم عن الاستعمار والتمييز والجرائم التي ارتُكبت بحقّ الأميركيين من أصل أفريقي. في الوقت نفسه، يُظهر وعيه العميق والمتجذّر وفهمه للثقافة التي يناضل من أجلها. إنّنا أمام صورة حميمية عن الرجل الذي كان شاهداً عما جرى في الولايات المتحدة واغتيالات قادته السود، والأهم أنّه كان صوتاً بارعاً وفصيحاً في التعبير عن هذه المظالم، وهذا ما لم يُسامح عليه.

أخبرنا بالدوين في بداية الفيلم عن باريس وكيف وصل إليها وفي جيبه فقط 40 دولاراً... عن صداقته المتينة مع الجزائريين في عاصمة الأنوار، وربط واقع «الزنوج» في أميركا بـ «جزائريي فرنسا». فكرة ديكسون كانت إجراء مقابلة مع بالدوين عن مسيرته ككاتب في نظرة سياحية تُسقط ما كان يحصل حينها في الولايات المتحدة من نضال يخوضه السود، كما يُسقط موقع بالدوين في قلب هذا النضال. إلا أنّ هذه العملية استحالت مشقّة حقيقية بسبب المخرج نفسه. فالطريقة التي تم بها إعداد الفيلم، هي أن يكون ديكسون السائل والجلاد، وبالدوين الضحية المحاصَرة. لكن عجرفة المخرج ونغمته الفوقية تجاه بالدوين؛ أظهرتا عظمة شخصية وذكاء بالدوين في تجنّب الفخاخ الرخيصة. بياض تيرانس أظهر موقفه المتغطرس وغير الحسّاس. ولتبرير ذلك، وضع نفسه في موقع الضحية. ولكن على الرغم من أن بالدوين كان منزعجاً، إلا أنّه استخدم لغة وكلمات واضحة للتعبير عن نظرته العميقة إلى العرق والسياسة والفن والأدب. بدا كأنه يحاورنا مباشرة. أخرج شريكه من المقابلة. لم يهتم بالحفاظ على قواعد الفيلم الوثائقي، وحيّر ديكسون وكشف جلده الأبيض. لم يرِد بالدوين أن يتم تصويره ككاتب ناجٍ، كما لو أنّه «حيوان سيرك» يستمتع المجتمع الأبيض في التفرّج عليه كما أراد المخرج ذلك. لقد قال له بأنّه «شاهد» على فظاعات تُرتكب بحق أقلية عرقية، وعلى نضال يدّعي محاوره أنّه يعرف شيئاً عنه. تحدّى بالدوين ما كان يريد صانع الفيلم فرضه عليه، ولامه على جهله وإحساسه الدائم بأنّه يريد إنقاذه بينما هو نفسه الجلاد والسجّان والقاتل. قال له بالدوين: «لا يسعك إلا الشعور بأنه يمكنك فعل شيء من أجلي، وأنه يمكنك إنقاذي. لا أستطيع أن أتحمّل لحظة إضافية من فدائك! أنا الذي يمكنني تخليصك، لأنني أعرف شيئاً عنك. أنت لا تعرف شيئاً عني، لا يمكنني قيادة شاحنة أو إدارة بنك، لكنني أعرف شيئاً عنك أنت لا تعرفه».
صنع ديكسون فيلماً بنوايا خاطئة: لماذا تُنجز فيلماً وثائقياً عن رجل مثل بالدوين ولا تدعه يروي قصته؟ لا يمكن لأحد مجاراة فكر بالدوين، وبالتأكيد فشل المخرج حتى في أن يكون على مستوى كلام بالدوين، والأهم أن بالدوين هو أي شيء إلا المتسامح. لقد قالها في نصوصه: «لا أنا ولا الوقت ولا التاريخ... لن نسامحهم أبداً».

Meeting the Man: James
Baldwin in Paris على Mubi
سيعرض فيلم «لقاء الرجل: جيمس بالدوين في باريس) مجاناً على Mubi يومي 18 و19 حزيران (يونيو)-