نعرف تماماً متى وأين تم إلغاء العبودية في الولايات المتحدة. بالطبع لم تتوقف العنصرية عام 1863، عند أبواب نهاية الحرب الأهلية، وعندما بدأ البيض بالاستماع إلى موسيقى الجاز والرقص عليها. من الصعب جداً قبول الأحداث المخزية التي حدثت وتحدث في الولايات المتحدة التي دفنت وتدفن تحت ستار الحياة الطبيعية اليومية. في أميركا، هناك أيقونة واحدة تجيب على جميع الأسئلة التاريخية الغامضة والحساسة: الرجل الأبيض من الطبقة الوسطى. قوة ليست اقتصادية فحسب، بل ثقافية أيضاً، قادرة على تشكيل عقول في مجالات مختلفة من الحياة العامة والخاصة. في «أنا لست زنجيك» (2016) يفسر الماضي والحاضر الأميركي من وجهة نظر مختلفة وهي وجهة جيمس بالدوين.

عام 1979، بدأ بالدوين بكتابة «تذكّر هذا البيت». كان يفترض أن يكون الكتاب سرداً شخصياً ثورياً لحياة واغتيالات ثلاثة من أصدقائه المقربين: ميدغار إيڤرز، مالكوم إكس، مارتن لوثر كينغ الابن. لم يترك بالدوين عند وفاته عام 1987، بسبب سرطان المعدة، سوى ثلاثين صفحة مكتملة من هذا المشروع. في الكتاب غير المكتمل، واجه بالدوين العالم بهؤلاء الرجال الذين يحترمهم ويبجّل نضالاتهم والذين اختلف معهم في أوقات كثيرة. كان يرى أن مالكوم أكس مسلم رديكالي «عنصري» في مرحلة ما. لوثر كينغ مسيحي. يعترف بالدوين باستحالة التماهي مع أي منهما. هو لا يمكنه التعاطف مع الكنيسة التي تدافع في الغالب عن الفصل العنصري وتعيد إنتاجه. هذه نثرات من فكر بالدوين الذي حاول إيجاد خيط من شأنه أن يسهم في تفسير الماضي الأميركي وتنشيط الذاكرة التي على وشك أن يتم استقطابها وترويضها من قبل الثقافة البيضاء المهيمنة.
بصوت الممثل صامويل أل جاكسون، ينقل لنا وثائقي راوول بيك تسجيلات ومقابلات بالدوين ونشرات أخبار وصور فوتوغرافية ومشاهد أرشيفية، وصور حوادث وقعت بعد فترة طويلة من وفاة بالدوين ليثبت فيها بيك خلود تحليلات جيمس: «التاريخ ليس الماضي، إنه الحاضر». قام بيك بمراجعة التاريخ الحالي وقارنه مع كتابات بالدوين وكلماته المباشرة. صاغ أطروحته بحدّة مؤلمة تؤكد أن العنصرية متجذرة في الولايات المتحدة: «قصة الزنجي في أميركا هي قصة أميركا. وهي ليست قصة جميلة». ببلاغة، يتحدث الكاتب الأميركي عن تكبر البيض وجهلهم وعنصريتهم: «مستقبل السود في هذا البلد مشرق أو قاتم مثل مستقبل هذا البلد». كلام بين الغضب والرجاء. المثقف الملتزم يتصارع مع هويته. يشارك ابن عامل وواعظ معمداني بنشاط في حركة الحقوق المدنية السوداء بعد سنوات في المنفى في باريس. وسرعان ما كان أحد المتحدثين باسمها، والأكثر قراءة. عندما عاد إلى الولايات المتحدة، بوعي أو بغير وعي، وجد في شخصية المثقف حصناً يمكّنه من الحفاظ على منصبه من دون تعريض سلامته الجسدية للخطر.
كانت إحدى أهم النتائج التي توصل إليها بالدوين هي أن المساواة الرسمية بين البيض والسود بعيدة كل البعد عن المقبول. الهدف بالنسبة إليه هو أن يكون هناك تعاون، وليس تعايشاً مع عواقب استمرت حتى مماته ومستمرة حتى يومنا هذا. يحلل بالدوين والفيلم أنواع الكراهية المختلفة التي يرثها الشعب الأميركي. إن التمييز بين الكراهية التي يشعر بها الأبيض وتلك التي يشعر بها الأسود، أمر مثير للاهتمام. يجادل بالدوين بأنّ فشل «الحياة الخاصة» للسود هو السمة الأكثر تدميراً لسلوك المواطن. يشعر الرجل الأبيض بكراهية سببها الخوف من كيان يعيش في رأسه، بينما كراهية الأسود تأتي من الغضب ليس تجاه الرجل الأبيض بالتحديد، بل تجاه الرجل الأبيض الذي يقف في طريقه. وعلى عكس ما جادل مالكوم إكس، قال جيمس بالدوين بأن المشكلة ليست بين السود والبيض: المشكلة تكمن في المجتمع الأميركي نفسه.
فيلم بيك الوثائقي كتبه بالدوين بنفسه. هي قصة العنصرية في أميركا كما يصفها بالدوين في إحدى القصائد «معقدة وبسيطة للغاية». والقصة مثل الفيلم تماماً، حوار بين الماضي والحاضر والمستقبل، بدون مبالغة في الأطروحة التاريخية، ولا تفاهة تقرير التحقيق التلفزيوني، ناهيك بأي شيء يشبه السيرة الذاتية. تجمع المنهجية السينمائية لفيلم بيك نهجين فنيين: نهج ديناميكي ومباشر ومختصر، معزز بصور أرشيفية ومقاطع فيديو عن العنف. ومن ناحية أخرى، وضوح صوت جاكسون، وقبل أي شيء، محتوى كلمات بالدوين الغنائية. كلمات ذات جمال تلطّخ الصور والمشاهد بكآبة وغضب هائلين. عمل بيك دقيق في الشفافية التي يثيرها، وفي الطريقة التي يدير بها النثر، في الوقت التي تسبح فيها الكلمات على الشاشة بالصور المصاحبة لها، تطلق جدلية فلسفية. وهذه هي المفارقة القاهرة، من المؤلم تركيب كلمات مكتوبة منذ أكثر من 50 عاماً على صور تعود إلى بضع سنوات فقط، والعكس.
«أنا لست زنجيك» يواجه الواقع بصراحة وحشية. إنّه مثل بالدوين نفسه... استفزازي ومليء بالحساسية والعاطفة المشوبة بالألم والغضب والإحباط.

I Am Not Your Negro على Amazon Prime