أطلق «المتحف العربي الأميركي القومي» (AANM) و«المعهد العربي للسينما والإعلام» (AFMI) و ArteEast «سلسلة الأفلام العربية» (Arab Film Series): برنامج شهري يضمّ أفلاماً معاصرة وكلاسيكية، تليها نقاشات مع صنّاع السينما العرب والأميركيين ــ العرب. شهر أيّار (مايو)، سيكون مخصّصاً للسينمائي الفلسطيني إيليا سليمان (1960) وعرض أعماله: «سجل اختفاء» (1996 ــ 84 د)، «يد إلهيّة» (2002 ــ 92 د)، «الزمن الباقي» (2009 ــ 105 د) و«إن شئت كما في السماء» (2019 ــ 97 د). ستتوافر الأفلام للمشاهدة إلكترونياً بين 21 و30 أيار. وفي 23 من الشهر نفسه، سيتحدّث سليمان عن تجربته مباشرةً عبر موقع eventive، على أن يبقى اللقاء الرقمي متاحاً لمدّة أسبوع.


«ليس لديّ وطن لأقول إنني أعيش في المنفى... أعيش في عملية تشريح... الحياة اليومية، الموت اليومي» هذا الاقتباس هو من الفيلم القصير «الحلم العربي» (1998، 30 د.)، للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان. جملة تعكس التناقضات واختلال الهوية في صور أكثر واقعية تعكس القلق واللايقين في الحياة الفلسطينية التي يشرحها سليمان في أعماله. أفلامه سيرة ذاتية يبحث فيها سليمان دوماً عن ماضيه ومستقبله المحتمل في فلسطين المحتلة. الهوية والأمة من القضايا التي يلتزم بها، ويبحث عنها في أفلامه بانعكاس ساخر للصور النمطية والصوابية السياسية. عدم الانتماء إلى أي مكان وإلى جميع الأمكنة في آن هو وسيلة سليمان لكسر الحواجز والقضاء على الاحتلال. أسلوبه السينمائي فريد، قصص قصيرة هادئة بروح دعابة سوداء تنظر بعمق إلى فلسطين، وتقترب من الطبيعة المشحونة للحياة في الأراضي المحتلة بنبرة عبثية. إيليا سليمان موجود دائماً في أفلامه، يراقب بوجه ساكن وبصمت، كأنه آتٍ من العدم. في كل فيلم، لديه لفتة جذرية متمرّدة لفلسطين أكثر دقة ونادراً ما تُرى. في أفلامه نرى بذور أفلام المخرج الياباني ياسوجيرو أوزو (1903 – 1963) خاصة في الصراعات العائلية والأجيال. روح دعابته الصامتة ونظراته المراقبة غالباً ما تقارن بالممثل والمخرج الأميركي باستر كيتن (1895 – 1966) والمخرج والممثل الفرنسي جاك تاتي (1907 – 1982)، مقارنة يأخذها سليمان بحبّ. في صمته ونظراته ومشاهده، يحيّرنا إيليا سليمان، يُبكينا، يضحكنا، ننهي أفلامه بمشاعر متضاربة ولكنّ الهمهمة وهزّ الرأس دائماً يلازماننا، فهو وريث السينما الصامتة.

مشاهدة أفلام إيليا سليمان: من 21 حتى 30 أيار 2021 www.arabfilmseries.org

«سجل اختفاء» (1996)
جائزة العمل الأول، مهرجان البندقية



يعود إيليا سليمان في فيلمه الطويل الأول «سجل اختفاء» إلى فلسطين بعد منفى دام ١٢ عاماً في نيويورك لتصوير فيلم. يعود في فترة متوترة في الأراضي المحتلة، بعد وقت قصير من اغتيال إسحاق رابين وانتخاب بنيامين نتنياهو. عاد سليمان ليجد نفسه في منطقة غير معروفة لا لنفسه ولا حتى للذين يعيشون فيها. في الفيلم، يلاحظ سليمان كيف يفقد الفلسطينيون خصوصيتهم، ويقسم فيلمه إلى قسمين: «الناصرة، يوميات شخصية» و«القدس، يوميات سياسية». في القسم الأول، تكتسب عائلة المخرج وأهالي موطنه الأهمية، بينما في القسم الثاني تناقضات وتجريد من الإنسانية. حذرٌ كان سليمان في فيلمه الأول، يتردد صدى فقدانه لموطنه في نوع من المشاعر المكتومة. يبقى مراقباً، يحدق ويستمع ويفرز اللحظات بين أكوام من البيانات لواقع يتغير. عاد سليمان في الفيلم إلى أرض ولادته ليجد جذوره. لكنّ رحلته تحولت إلى بحث عن الجذور في الثقافة الباقية. تجمّعت الصور معاً مثل الذكريات في محاولة لنسج مجموعة كاملة من العناصر التي علينا تفكيكها. «سجل اختفاء» دراما كوميدية، تأمّل شخصي في التأثير النفسي للاحتلال وعدم الاستقرار للشعب الفلسطيني في ثقافته وهويته.

«الزمن الباقي» (2009)


في ثلاثة أجزاء، يمثل كل منها فترة في تاريخ فلسطين وحياة إيليا سليمان، يأتي «الزمن الباقي» شريطاً مصقولاً بجماليات الصورة والحوارات المعدومة تقريباً والاستخدام العبقري للوقت السينمائي. يصمم سليمان الفيلم حول عائلة واحدة من الناصرة تُجبر على العيش في «اسرائيل» بعد حرب عام 1948. يتزامن كل جزء مع حدث تاريخي: الأول، يحدث في الوقت الذي تسيطر فيه القوات الإسرائيلية على الناصرة. الثاني، في خريف عام 1970، حول وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر. الثالث، آذار (مارس) 1980 خلال الذكرى الرابعة ليوم الأرض الفلسطيني. في القسم الأول، يصف المخرج أفعال والدة فؤاد (صالح بكري) وهو مقاتل فلسطيني. يكبر إيليا الصغير الصامت، وفي الفصول التالية. يتم إخبار طفولته أولاً، ثم مراهقته، دائماً جنباً إلى جنب مع والده الشجاع وأمه الحنون. الصمت هو سلاح سليمان منذ الصغر، تعبيراً عن التمرد على الاحتلال الذي أجبره على العيش جزءاً من حياته في المنفى. إيليا، سواء كان طفلاً أو رجلاً، لا يتحدث ولا يعبر عن نفسه أبداً بالكلمات، بل بالإيماءات والأفعال التي تتسم بقدر أكبر من الثرثرة والتواصل. كعادة سليمان، السرد الهزلي هو المسيطر، يصف كل شيء تقريباً بسخرية وبروح دعابة المخرج الذكية، بدءاً من المشاهد البسيطة من الحياة اليومية إلى تلك الأكثر غموضاً في المعنى، مثل المشهد الأشهر في أفلامه، حيث يعبر إيليا الجدار الذي بناه الإسرائيليون. لا لُبس في مشاعر إيليا سليمان حول الوجود الإسرائيلي على أرض ولادته. مشاعر تتلخص في مشهد سائق التاكسي الذي يضيع في شوارع الناصرة بسبب عاصفة قوية، مشهد كشعار خسارة لا يفهمها ولا يشعر بها إلا من فقدوا أرضهم.

«يد إلهية» (2002)
جائزة لجنة التحكيم، مهرجان كانّ



يستكشف «يد إلهية» طبيعة أرض مضطربة بشكل دائم، بروح من الدعابة والسخافة والعبثية والرشاقة الشعرية. يركز على التأثير المدمّر لعدم الاستقرار السياسي على النظام الاجتماعي والحياة الخاصة. ويساعد على فهم حياة الشعب الفلسطيني المجبر على دفع ثمن واقع وحشي. في «يد إلهية» علاقة حب بين القدس ورام الله تتمزق بفعل سيطرة الجيش الإسرائيلي على المدينتين. فيلم لا يمكن فيه للعشاق أن يلتقوا إلا في قطعة أرض مهجورة، لكن لا يمكنهم أن يتمتعوا بخصوصيتهم ويتجاهلوا حقيقة الاحتلال. ساعة ونصف ساعة من سينما سليمان الصامتة والرمزية والمجازية، يخبرنا فيها بقوة عن واقع الأراضي المقدسة. أدخل سليمان في فيلمه مشاهد شبيهة بالأحلام، يصعب إنكار ترابطها مع عنوان الفيلم الذي يبدو قصة تاريخية أكثر من كونه مزيجاً فضفاضاً من اللحظات والأفكار، ما يخلق جواً استفزازياً وغريباً في الوقت نفسه. ثلاثة أقسام في «يد إلهية» كل منها مخصّص لبقعة على خريطة الأراضي الفلسطينية المحتلة ومرتبط بمعاناة سليمان نفسه وكاميراته المراقبة.

«إن شئت كما في السماء» (2019)
جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين، مهرجان كانّ



ينطق إيليا سليمان في فيلمه «إن شئت كما في السماء»، يقول لسائق التاكسي في نيويورك: «أنا فلسطيني». بعد تلك الجملة، يبدو سائق التاكسي في حيرة، متفاجئ كأنّ الفلسطينيين جزء من الأساطير. في الفيلم، سليمان هو السائح. منذ فيلمه الأول إلى اليوم، هو يشكك في السلوك الاجتماعي والسياسي لفلسطين تحت الاحتلال. لا شيء واضحاً، وكل شيء استنكاري. في غرفة الانتظار في مكتب منتج أميركي كبير، يقدمون إيليا سليمان للمرأة المستعجلة بجملة «إنه يصنع فيلماً عن السلام في الشرق الأوسط، لكنه فيلم كوميدي». أجابت المرأة: «نعم، هذا مضحك بحد ذاته». يغادر سليمان من دون أي وعد بالتمويل: «حظاً سعيداً في مشروعك»، تنهي المرأة كلامها بلهجة ودّ زائفة. لحظات مأساوية مثل هذه تتضاعف في الفيلم. منتج فرنسي يقول إن شركته «تتعاطف مع القضية الفلسطينية» ولكن أفلام سليمان ليست «فلسطينية بما فيه الكفاية». «إن شئت كما في السماء» ربما هو نسخة خيالية عن جهود المخرج لإنتاج هذا الفيلم. سليمان دائماً على الشاشة، في فلسطين وباريس ونيويورك يراقب العالم كيف يزداد سخافة وعنفاً. فيلم سياسي للغاية يُظهر فيه سليمان تفانياً لفلسطين وأهلها. يرى ويُرينا أن الكوكب بأسره أصبح فلسطين ضخمة. نراه كالعادة يتعامل مع جيرانه، يتناول مشروباً في مختلف الحانات والمقاهي، ويراقب عنف الشوارع، وقمع الشرطة، وتصرفات البيروقراطية، والسيطرة المفرطة على المواطن في جميع أنحاء العالم، وفلسطين دائماً في القلب كملاك بجناحين.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا