لا يشبه اللقاء مع المخرج المغربي علي الصافي (1963) اللقاءات التي تدور عادة بين مخرج وناقد. استهللنا اللقاء كأنّ أحدنا يعرف الآخر منذ أعوام طويلة ونستكمل حديثاً بدأناه منذ مدة. في فيلمه الجديد «قبل زحف الظلام» (وثائقي ــ 2020) الذي استغرقه عشر سنوات، أعاد الصافي تكوين الذاكرة، هذا الماضي الذي لطالما بحث عنه في تاريخه السينمائي، وسأل نفسه والمجتمع عنه في أفلامه الوثائقية. «أعرف نقاط ضعفي، وأحاول التجربة» يعترف بتواضع نادراً ما نراه لدى مخرجين عرب. يحب النقد السينمائي ويعرف مشاكله في عالمنا العربي «النقد هو مشكلتنا الحضارية. للنقد علاقة بالحرية وديناميكية التفكير. لنخلق حالة نقدية عما يحدث، نحتاج إلى حرية التفكير». قبل البدء بالحديث عن فيلمه، تذكّر لبنان: «عائلتي السنيمائية الحقيقية كلها في لبنان، لولاها لكنت أتوه».

علي الصافي: هناك وعي طلائعي في لبنان بأهمية الذاكرة مقارنة بالعالم العربي

أعادنا علي الصافي في «قبل زحف الظلام» إلى المشهد الفني في مغرب السبعينيات، من خلال صور وملصقات وأغلفة مجلات ومشاهد سينمائية ورسومات ومسرح ولقطات أرشيفية وموسيقى الجاز. هكذا، قصّ «حدوته» في مقال سينمائي، وأعاد توصيل الأزمان بطريقة سينيفيلية، أدبية، موسيقية، فلسفية، فوتوغرافية، اجتماعية وإيديولوجية. إنّه فيلم يقوم على تاريخ الصورة والسينما والسياسة والثورة. يستعيد «سنوات الرصاص» التي شهدت صراعات وأحلاماً جماعية للتغيير، كما أنّها هي نفسها التي شهدت أهم إنتاج فني وثقافي في المغرب. ذاكرة السبعينيات هي ذاكرة تمرّد وإبداع بقيت أجزاء كبيرة منها قيد الرقابة والتهميش. كثيرون تعرّفنا إليهم في الفيلم انتهى بهم المطاف في السجن أو الاختفاء بلا أثر. فيلم مكرّس لضحايا الرقابة والقمع، للفنانين والحركات الماركسية التي اعتبرت السينما أداة توعية واكتشاف الذات. كل ما يمكن تخيّله موجود بفوضوية عارمة خلّاقة في الفيلم. فن لا يمكن تفكيكه عن أي شيء وعن كل شيء. اعترف علي الصافي في الفيلم بنون الجماعة، بأنّه فرد من هذا المجتمع الذي شكّل وعيه وطريقة تفكيره.
كمخرج يضع الذاكرة والماضي طريقاً للمستقبل، يصنع علي الصافي أفلامه التسجيلية. «نحن كعرب ضعاف على مستوى إعادة النظر في الذاكرة، وفي مسار تاريخنا المعاصر. هذا العمل الذي استغرق عشرة أعوام، غامرت فيه لأنني واثق من حاجتنا إلى أعمال مماثلة. أتمنى أن تكون أعمالي صحوة في صفوف المخرجين والمخرجات والفنانين للاعتناء بالتراكمات والذاكرة».
«قبل زحف الظلام» يقوم على تاريخ الصورة والسينما والسياسة والثورة

سؤال كبير سكن تفكير الصافي خلال أعوام صنع الفيلم «من أين أتيت أنا كمخرج، كفنان بصري؟ ما هو تاريخي؟ بدأ مشواري ودرست في فرنسا. اكتشفت أن تاريخ السينما والفن في الغرب هو مسألة تراكمات. يستحيل أن يبدأ الفنان مشواره بدون أن يعرف موقعه في السلسلة وفي تسلسل تاريخ الفن. حتى في الشرق الآن، يتحدث المخرجون عن أنفسهم على أنهم من الجيل الخامس مثلاً. لديهم وعي بموقعهم وبمن سبقهم. لذلك من المستحيل، أن تقدم شيئاً جديداً أو تضيف نظرة أو تصوراً جديداً بدون أن تكون قد استوعبت ما جاء قبلك. في العالم العربي، ليس لدينا هذا الفكر؛ كل جيل عربي جديد يبدأ بالعمل على أنه هو الأول. بعد فيلمين أو ثلاثة في فرنسا، بدأت أشعر أنني ضائع، رغم معرفتي بتاريخ السينما في العالم، إلا أن عدم معرفتي بتاريخ الفن في المغرب أشعرني بالضياع، وأنني لن أقدم شيئاً جديداً، ربما سأقدم أعمالاً محترمة لكن لن أضيف على التراكمات الفنية في المغرب». جوابه أخذنا إلى «سنوات الرصاص» أو «سنوات الجمر» وكيف شكّلته كمراهق مغربي ثم كمخرج، وثقل هذه السنوات عليه الذي نقله إلى السينما: «هذا موضوع محوري. عشت هذه الحقبة كمراهق، كضحية جانبية لأن أخي الأكبر عاش تقريباً نفس قصة أحد أبطال فيلم «قبل زحف الظلام» عبد العزير الطريبق. فقصة أخي دمرت حياتنا العائلية، وعالمي كله تغير يوم الاعتقال الأول لأخي الأكبر. بعد خروجه، اعتقلوه مرة جديدة، ثم هرب من السجن وخرج إلى الجزائر. المفارقة أن والدي كان في الشرطة. العجيب، أن هناك حادثة عندما كان عمري حوالى 16 عاماً، نسيتها كلياً. تذكرتها فقط عندما بدأت العمل على «قبل زحف الظلام». حكاية غريبة قلتها قبل ذلك مرة واحدة فقط: عندما كنا في المراهقة، كنت في بلدة صغيرة في المغرب، في قاع العالم بعيدة عن كل شيء وليس لا سينما ولا أدب ولا شيء. كان هناك رجل معتقل مع أخي، بقي في السجن عشرة أعوام، والدته أصبحت صديقة أمي. كانتا تذهبان معاً إلى الدار البيضاء للبحث عن ولديهما، فنشأت علاقة صداقة قوية بينهما. عندما خرج هذا الرفيق من السجن، قلت في نفسي إنّ علي توثيق هذا الحدث. كانت في غرفة أمي وأبي كاميرا قديمة لا تعمل، أخذتها وذهبت إلى بيت الرفيق والتقطت صوراً كثيرة رغم أنها لا تعمل.

من وقتها وعندي اهتمام بالتوثيق، وجمع الذاكرة». من الأخ الأكبر والرفيق السجين، عدنا إلى السبعينيات، إلى الثقل الفني الذي كان موجوداً على جميع الأصعدة في المغرب ودور الحالة العامة السياسية والنضال اليساري. هل كان ليكون هناك ثقل فني لولا وجود هذه الحالة اليسارية التي كانت تُقمع من قبل النظام؟ «لم أفكر في ذلك من قبل، أعتقد أنه في كل الأحوال كان ليكون هناك شيء ما، فهذا الجيل هو الجيل الأول لفنانين مغاربة. قبلها كان الاستعمار، ووقتها لم يكن هناك فن شخصي، ما عدا الموسيقى والفنون التقليدية، التي لم تكن فردية، بل كانت إبداعاً جماعياً. بعد الاستقلال، ظهر جيل يحاول التعبير عن مشاكل شخصية. أعتقد، ودائماً أكررها أنّ بداية هذا الجيل مع الحركة الثورية في العالم في الستينيات، وحركات التحرير لعبت دوراً كبيراً في تشكيل هؤلاء الفنانين. وقتها لم تكن هناك مؤسسات في المغرب، درس معظمهم خارج البلاد، وهذا الجو كان ملائماً لأول جيل استقلالي مع أحلامه في الحرية والتعبير الثقافي. بدأ الفرد يفكر للمرة الأولى في موقعه في البلاد وموقعه في العالم».
قصّ «حدوته» في مقال سينمائي، وأعاد توصيل الأزمان بطريقة سينيفيلية، أدبية، موسيقية، فلسفية، فوتوغرافية، اجتماعية وإيديولوجية


توليفة نادرة صنعها علي الصافي في «قبل زحف الظلام». لغة سينمائية يصعب تقبّلها تقريباً أو فهمها في بلادنا العربية، فهل هذه اللغة هي الوحيدة المناسبة لتقديم واحترام النضالات التي تكلم عنها في الفيلم؟ «منذ فيلمي «الباب السابع»، دخلت في تجارب عدة. في عام 2011، أنجزت شريطاً قصيراً متواضعاً هو «الهارب» شكّل نواة «قبل زحف الظلام». لكن لم يكن بإمكاني حينها الوصول إلى الأرشيف الكبير. بمساعدة كثيرين، بدأت بتجميع الأرشيف، ومن «الهارب» بدأت تتّضح صورة هذا الجيل الأول الذي كان همه العثور على طرق سردية مبنية على أساس ثقافي محلي. جيل عمل كثيراً في أفلام قوامها «الحكواتي». وهذا «الحكواتي» كان الإرث الوحيد لديهم لإلهامهم بسرد ولغة فنية. لم يكن هناك رواية أو مسرح، لم يكن هناك دراما. الموجود هو «الحكواتي»، الفضاء الوحيد الذي تتوافر فيه حرية تعبير كبيرة في المغرب العربي. استثمر هذا الجيل «الحكواتي» في السينما، ووجدت هذه اللغة في أفلام عدة في المغرب وتونس مع نفس الاهتمام والانشغالات عن فترة الاستعمار. وهي مهمّشة وغير معروفة، لذلك، احتلّت صلب عملي، إذ حاولت نقل تجربة الرواد وتطويرها بإحساسي. حاولت أن أربطها بأعمالي وبالماضي والحاضر».


تأثر علي الصافي بالمخرج المغربي المعروف أحمد بوعناني، لكن في «قبل زحف الظلام»، توسّع في أفلام مثل «أحداث بلا دلالة» (1974) لمصطفى البرقاوي. عرّفنا أكثر إلى أشخاص لم يأخذوا حقهم في العمل الفني بسبب قناعاتهم اليسارية والقمع الذي تعرضوا له أمثال بوسميع احكور، ليلى شنّا، محمد ركاب، أحمد العفيفي... هؤلاء لم يعملوا كثيراً في السينما والفن بشكل عام بسبب الرقابة والحالة السياسية آنذاك. مع ذلك، شكّلوا الذاكرة الفنية في البلاد. «للأسف هذه الذاكرة لم تعد موجودة كثيراً في المغرب، هؤلاء تعرضوا للقمع، والوصول إلى أعمالهم صعب. فقدوا تقريباً شيئاً داخلهم لسبب واضح وصريح وهو أن العمل الأول لأي فنان هو عمل عزيز. فعندما تجهض السلطات هذا العمل العزيز يتأثر الفنان. وهذا التأثر يكون واضحاً في مشوار حياته وفنه». إذا نزلنا إلى الشارع اليوم في المغرب مثلما فعل مصطفى البرقاوي في فيلم «أحداث بلا دلالة» وسألنا الناس عن السينما... هل سنحصل على إجابات مشابهة كما في الفيلم؟ هل الثقافة السينمائية العامة هي نفسها اليوم كما كانت في الماضي؟ «أنا على يقين بأننا سنحصل على إجابات مشابهة. الجمهور لديه وعي عفوي بالفن». الحديث عن الجمهور جذبنا للتحدث عن الحركة اليسارية اليوم. «اليسار للأسف كُسر، أو لنكن صريحين تعرّض لتكسير ممنهج من قبل السلطات، ليس هناك اليوم فكر يساري كبير، ولكنْ هناك أفرادٌ وجيل جديد مثل «حركة فبراير» التي نشأت مع «الربيع العربي»، والفكرة أن السلطات كسرت اليسار بطريقة غير مباشرة، إذ أتت بالسلفيين وأعطتهم القوة ليكونوا هم الواجهة لكسر اليسار». أزمة اليسار في الدول العربية أخذتنا إلى أزمة السينما الوثائقية. أزمة بدأت مع بداية صناعة السينما عندنا، فهل السبب هو من المخرجين أنفسهم، أم الثقافة أم السياسة أم الجمهور نفسه؟ «النقطة الأساس هي غياب الحرية، السينما والإبداع لديه علاقة بحرية التعبير، وتاريخ الإبداع الإنساني كله تاريخ صدامات بين الفنانين والحكام. ففي الفيلم التسجيلي، موضوع حرية التعبير مهم أكثر، يستحيل الإبداع بدون حرية أخذ الكاميرا في أي وقت والنزول والتصوير.

في المغرب، يستحيل التصوير ولو بكاميرا صغيرة بدون تصريح. ولا ننسَ غياب المؤسسات الداعمة. العمل دائماً مراقَب، فالعفوية لن تكون موجودة. المخرجون أيضاً لديهم دور مهم، عندما يكون لدى المخرجين والمخرجات وعي بقوة ومكانة السينما التسجيلية وعلاقتها بالفيلم الروائي. إن جدلية العلاقة بين الواقع والخيال هي التي طوّرت القدرات والإبداع في الكتابة السينمائية منذ فيلم «نانوك الشمال» (1922) مثلاً. فالبلدان التي لا تملك سينما تسجيلية، يستحيل أن تكون لديها سينما روائية ذات هوية ومقام ومستوى. لذلك على المخرجين في بلادنا العربية، أن يعملوا كمهربين مثلنا بسبب انعدام حرية التعبير، عليهم أن يتحايلوا على الواقع. الفيلم التسجيلي هو مختبر، حقل تجارب وهذا الوعي ليس موجوداً عندنا». هذا الوعي غير الموجود فتح باب نقاش أكبر حول طريقة التصوير والتوثيق، فاليوم يستطيع أي شخص أن يصور أي شيء وينشره على وسائل التواصل، فكيف سيؤثر هذا على الأفلام التسجيلية ولغة الأفلام الوثائقية بعد أعوام؟ «تأثير هذه الفترة الجديدة سيكون على الفيلم التسجيلي والفيلم الروائي، للمرة الأولى في تاريخ العالم العربي، سيكون لدينا توثيق لما حدث منذ عشرة أو 15 عاماً. لم يعد الأرشيف محتكراً من قبل السلطات. الذاكرة اليوم أصبحت عالمية، لا أعرف ما مصير كل هذا الأرشيف في وسائل التواصل لكنني أتمنى ظهور محاولات فردية أو جماعية للحفاظ عليها وجمعها. ذاكرتنا في العالم العربي ضائعة، اليوم على الأقل لدينا طرق لتسجيلها بأي طريقة وبسهولة».


عن انتفاضة 17 تشرين وبيروت وأزمة السينما
واقعنا العربي جاء بنا إلى لبنان وتحديداً انتفاضة 17 تشرين وانفجار 4 آب. بعد هذين الحدثين، انكبّ مخرجون لبنانيون كثيرون لصنع أفلام عنهما. فهل يمكن أن يصنعوا أفلاماً تسجيلية عن حدثين كبيرين لم يمر عليهما أكثر من عام؟ يعلّق علي الصافي: «كي تتمتع السينما بالديناميكية، لا بد من أن تكون متنوّعة. بالنسبة إلى لبنان ولأنني عضو في العديد من صناديق الدعم، أقول دوماً إنّ جميع اللبنانيين هم مخرجون ومخرجات، وهذه ظاهرة وحالة خاصّتان في العالم العربي. في كل صندوق دعم عربي ٧٠٪ من المشاريع المقدمة لبنانية. إن صميم لبنان موجود داخل كل لبناني. لكل منهم ذكرى موجعة لجهة أهله، بيته، شارعه، مدينته ثم البلد. لكنّ هناك وعياً طلائعياً في لبنان بأهمية الذاكرة مقارنة بالعالم العربي. وهذا شيء إيجابي، ولو أن هناك تجارب فاشلة. أنا شخصياً لا أستطيع أن أصنع فيلماً عن حدث جديد، ربما أوظف الأحداث في فيلم ولا أتكلم عنها مباشرة. الحدث يصبح الخلفية وأنا أتحدث عن شيء مختلف كلياً. لكنني منفتح، وأرى أن بعض هذه المحاولات تكون جيدة، فضلاً عن أنها ستحوي معلومات يمكن أن نستغلها حتى بعد ثلاثين عاماً. وإن كان الفيلم ضعيفاً، سيبقى لأبحاث الذاكرة. فأي محاولة تضيف شيئاً ماً». وعن أزمة السينما العربية والعالمية حالياً، يقول الصافي: «الأزمة موجودة دائماً. الأفلام الوثائقية هي منقذة السينما. هي المختبر، الذي يمكن أن تحاول فيه كل جديد. أعتقد أن الألعاب الإلكترونية سيكون لديها دور كبير في مستقبل الكتابة السينمائية، لأنّ السينما منذ البداية هي لعبة مع المتفرج. السينما ستتغير، ولديّ اعتقاد بأننا سنصنع أفلاماً داخل الأفلام وتجربة «قبل زحف الظلام» أتت من هذه الفكرة. قطار العرب متأخر دائماً، ولدينا عائق الذاكرة وعائق التراكمات. في لبنان مثلاً، الوضع ليس كما هو عليه في المغرب العربي. تاريخنا في المغرب مع الصورة حديث جداً. في لبنان مع تنوع الديانات والثقافات، الصورة دائماً موجودة. الطائفة الشيعية مثلاً لديها علاقة مميزة مع الصورة، لا تشبه علاقة الطوائف الأخرى بها. في كثير من البلدان العربية، ضيّعنا حلقة كبيرة من تاريخ الذاكرة الإنسانية عندما نقلنا من الورقي إلى البصري والسمعي. وحتى في الورق، كانت هناك أزمة. لذلك عندما وصلنا إلى السينما والصورة، كنّا متأخرين جداً، ولدينا فجوات في ذاكرتنا. أين نحن اليوم من الثورة الرقمية؟ وكيف سنتعامل معها ومع كل العوائق والتراكمات التي لم نحلّها، حتى إنّنا لم نتصالح بعد مع الماضي وذاكرتنا؟».



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا