توافرت لدى كيفن ماكدونالد مادة ذهبيّة لصنع شريط يقتحم تاريخ السينما: دراما إنسانية هائلة عن سجين في غوانتنامو أُطلق سراحه بعد 15 عاماً بدون توجيه تهم، ومذكرات دوّنها السجين بقلمه، وتاريخ لم يرو بعد عن تنظيم «القاعدة» الأميركي التأسيس والتدريب والتمويل وطبيعة علاقته بحادثة 11 سبتمبر. والسجن السيّئ السمعة أصلاً لم يُغلق بعد، ولم يُحاسب أحدٌ على الجرائم التي ارتُكبت فيه. وفوق ذلك، طاقم ممثلين من نجوم عالميين يضم جودي فوستر وبينيديكت كامبرباتش، ولا أقل من طاهر رحيم للعب دور ولد الصلاحي. لكنّ مخرج «آخر ملوك أسكتلندا» حوّل كل هذا الذهب إلى قمامة إيديولوجية أردأ حتى من «مستر أميركا»


عندما تقرر أن تشاهد فيلم دراما أميركيّاً – بريطانيّاً يتصدّى لسرد حكاية سجين من التعساء نزلاء غوانتنامو، فأنت تفترض أن لدى هوليوود وشريكتها «بي. بي. سي» من المهنيّة واحترام الذّات حداً أدنى يسمح بتقديم رواية ولو رماديّة عن الفظائع التي ارتكبتها الولايات المتحدة في ذلك السجن، المقام أصلاً على أراضٍ كوبيّة محتلّة. لكنّ الشريط الذي أخرجه كيفين ماكدونالد بعنوان «الموريتاني» (129 د ـــ 2021) مستلهماً قصّة حقيقيّة عن الموريتانيّ محمدو ولد الصلاحي، بدا كأنّه دعاية أميركيّة تتمحور حصراً حول بطولة ونزاهة وشجاعة المنقذين البيض (الدفاع والأداء والقضاء والسجانين جميعهم) وتوظّف السجين نفسه في غسل سمعة عدالة العمّ سام. وفق النهاية الأشبه بالإهانة، فإنّ هذه السمعة، لن تغبّر عليها تلك الحلقة المظلمة من تاريخ الإمبراطوريّة!
لعلّ خيبتنا بالمحتوى الإيديولوجي للفيلم تتضاءل قياساً بالحضور الباهت لاثنين من أهم نجوم السينما العالميين: جودي فوستر (نانسي هولاندر محامية ولد الصلاحي)، وبينيديكت كامبرباتش (ستيوارات كوش ضابط الادّعاء العسكري)، فلا يتبقّى من الشريط في الحقيقة سوى موهبة الفرنسي الجزائري طاهر رحيم الذي ظلمه السيناريو كثيراً وجعل دوره أقرب إلى الثانوي منه إلى الحكاية المركزيّة، رغم أنّ كاتبي السيناريو اعتمدوا نظريّاً على ما سجّله بن الصلاحي في «يوميّات غوانتنامو» (نُشر في عام 2015).

يظهر الشريط كأنّ ما حدث في غوانتنامو استثناء وثلمة عابرة في تاريخ «العدالة» الأميركية


يَسقط الفيلم علينا بدون خلفيّة تاريخيّة. لا يتعاطى مطلقاً مع حقيقة أن تنظيم «القاعدة» كان منذ لحظته الأولى مشروعاً أميركياً محضاً، ولا يفنّد الأسباب الدعائية التي دفعت الأميركيين إلى خطف وتعذيب واحتجاز 700 ملوّن في سجون سريّة في الأردن وأفغانستان (ودول أخرى عربية وشرق أوروبيّة) بدون أن توجه إليهم أيّ اتهامات (وُجهت لاحقاً تهم إلى ثمانية أشخاص فقط، ثم أُسقطت عن ثلاثة منهم). يُظهر الشريط عمليّات التعذيب كأنها مجرّد كابوس جنسي وهلوسة عقاقير، وتغيب عنه الإدانات لأيّ شرير، ولا حتى الثالوث المجرم (بوش وتشيني ورامسفيلد). كأنّ ما حدث في غوانتنامو استثناء وثلمة عابرة في تاريخ «العدالة» الأميركية. «أميركا ليست هكذا» كما يخبرنا ولد الصلاحي في مرافعته عبر الدائرة التلفزيونيّة المغلقة أمام القاضي الأميركي «الحكيم». أميركا يوتوبيا، وفي الواقع لقد أخطأ أحد ما ــ هلاميّ وغير محدد ـــ هذه المرّة فقط، لكنّ أميركا تشعر حتماً بالندم بسبب ذلك، وستتغلّب عدالتها في النهاية على هفوات لن تفسد للودّ قضيّة. أيّ هراء هذا؟
تصميم الشخصيّات في «الموريتاني» بدا مبتذلاً وسطحيّاً وأشبه بالكليشيهات الفارغة، والصراع السايكولوجي الداخليّ لخطوط السرد الثلاثة المتوازية للمدعي العام (المثالي) والمحاميّة (المثاليّة) والسجين (المثالي) لا تتطوّر بأي بعد أو اتجاه كي تحظى بالتعاطف والمتابعة. تظهر الشخصيّات الثانوية - مثلاً تيري دنكان مساعدة المحامية هولاندر (شايلين وودلي) - مفتعلة وغير واقعيّة، ويفشل مجمل الحكاية في تقديم ولو محاولة ساذجة لتفسير العقليّة السايكوباثيّة المسيطرة على نخبة واشنطن، ومكّنت لهذا النوع من السلوك الإجرامي المستهجن بكل المقاييس، بينما لا تقدّم الكاميرا أيّ زاوية تستحق التنويه، ولا تنتبه مطلقاً إلى وجود ثمّة موسيقى تصويريّة. ولا شكّ في أنّ مونتاج لحظات التّعذيب سيفوز حتماً بجائزة أسوأ مونتاج سينمائي في عام 2021. أما اللقطة الوحيدة التي تعلق في الذهن، فهي وثائقيّة لاحقة بعد انتهاء الفيلم حيث يظهر ولد الصلاحي الحقيقيّ يدندن بعد عودته إلى بلاده أغنيةً (أميركيّة) لبوب ديلان! ربّما هُزم رجل «القاعدة» العائد من أفغانستان ثقافيّاً، لكنّ فرحة التحرر من الكابوس السوداوي للسجن الأميركي كانت ظاهرة على وجهه بأعمق من كل ما قدّمه طاهر رحيم.
غربيّاً، سيعبر هذا الفيلم بلا صيت في تاريخ السينما، لكنّه سيكون ربما مناسبة للمشاهد العربيّ المعنيّ أكثر من غيره بحكاية ولد الصلاحي، لطرح تساؤلات لم يُجب عليها إلى الآن. كيف لمهندس كهربائي عربيّ نجيب، مثل صاحبنا، درس في دولة غربيّة متقدّمة أن يكون ساذجاً ليقع في حبائل المخابرات الأميركية ويخاطر بنفسه وأسرته عبر الذهاب لقتل الأفغان ــ أو السوريين ـ في بلادهم؟ وما هو سرّ متلازمة استوكهولم العربيّة كي يتعرّض محتجز لأقصى صنوف التعذيب على أيدي الجيش الأميركي ويظلّ يؤمن بالعدالة والحضارة والثقافة (الشعبيّة) الأميركيّة؟ وكيف تتولى أنظمة عربيّة تسليم مواطنيها لدولة مجرمة مثل الولايات المتحدة حتى بدون أوراق تحدد الاتهامات الموجهة إليهم؟ وكيف تتورط أنظمة عربية في احتجاز مواطنين من دولة ثالثة في سجون سريّة خدمةً للأميركي الذي يتغوّل على السجناء بدون ضوابط؟ ولماذا يبقى أربعون سجيناً عربياً في السجن الأسود ذاته لغاية اليوم بدون توجيه تهم إليهم؟
دعك من خرافات «الموريتاني»، فهو إخفاق فنيّ لا يُغتفر. لكن إن خرج ولد الصلاحي من كابوسه الشخصي ربما، فأبناء بلدان الجنوب جميعهم لم يخرجوا بعد، ويمكن لأي منهم وغالباً بالتعاون مع نظام دولته تحديداً، أن يكون ولد الصلاحي آخر غداً في غوانتنامو أميركي جديد. فلا أمان لأحد مع هذه الإمبراطوريّة حتى لأولئك الذين يجاهدون في سبيلها.

The Mauritanian
على «أمازون برايم»