مهرجانان شتوي وصيفي والسوق الأوروبية
بسبب جائحة كورونا التي لا تزال تضرب الكوكب، ينقسم «مهرجان برلين السينمائي» هذا العام بين الشتاء والصيف. ابتداءً من اليوم لغاية 5 آذار (مارس) الحالي، نحن على موعد مع مهرجان رقمي يقتصر على عروض للعاملين في صناعة السينما والنقّاد والصحافيين، بالإضافة إلى الحوارات، والمقابلات التي تُجرى خلال الحدث ومواهب البرليناله... كل شيء سيكون إذاً «أونلاين». ومن المقرر عقد مهرجان فعلي مع عروض أفلام للجماهير في الصيف، وتحديداً من 9 إلى 20 حزيران (يونيو) 2021. لهذا، قرّرت المديرة العامة للمهرجان مارييت ريسنبيك، والمدير الفني كارلو شاتريان أن تقسيم المهرجان يتيح الحفاظ على الركيزتين الرئيسيتين: سوق الأفلام والمهرجان، وأوضحا: «مع التغيير في شكل المهرجان هذا العام، لدينا فرصة لحماية صحة جميع الضيوف ودعم إعادة بدء الصناعة السينمائية».


البرليناله في الصيف ليس شيئاً جديداً. منذ تأسيسه في عام 1950 إلى عام 1977، كان المهرجان يقام في الصيف وفي الهواء الطلق. كان أحد أسباب نقله إلى الشتاء عام 1978 هو معرض الأفلام، المركز التجاري لصناعة السينما. فكرة الشتاء جاءت، لكيلا تتداخل أسواق الأفلام الدولية في ما بينها، وأيضاً لجذب المنتجين ومشتري الأفلام والموزعين إلى برلين. اليوم، يُعد «سوق الأفلام الأوروبية» (EFM) أحد أهم اللقاءات بالنسبة إلى صناعة السينما.

الونسو رويز بالاسيوس يشارك في المسابقة بـ«فيلم شرطة» عن أكثر الأجهزة إثارة للجدل في المكسيك


الفرنسية سيلين سياما تشارك في البرليناله بـ «أمّي الصغيرة» عن مرحلة البلوغ من منظور أنثوي

الأخيرة تقوم على السوق الأوروبية في برلين في شباط (فبراير)، ثم في أيار (مايو) موعد «مهرجان كانّ»، وتورينو في أيلول (سبتمبر)، وأخيراً سوق الأفلام الأميركية في لوس أنجليس في الخريف. لا شكّ في أن الحالة العامة للصناعة متأزّمة، ولكنّ افتتاح أي مهرجان وسوق على الإنترنت هو أكثر من ضروري. الفكرة من وراء تقسيم المهرجان ضرورية لتعزيز سوق السينما الأوروبية، التي ستقام بنسخة مصغّرة على الإنترنت بدءاً من اليوم. يقام عادة هذا الحدث في توقيت ومكان المهرجان نفسيهما وأيضاً في «متحف مارتن غروبيوس باو». دينيس روه رئيس «السوق الأوروبية للأفلام» يتفهّم الانزعاج، ويعترف أن سوق الأفلام ستفتقد الجمهور، ولكنه يوضح «لا يزال الكلام الشفهي عن بُعد هو أفضل ما يمكن فعله، يمكننا على الأقل خلق رؤية. تحتاج الصناعة إلى سوق الأفلام في هذا الوقت من العام». لا يمكن عرض الأفلام أمام الجمهور حتى أوائل الصيف على أقرب تقدير. لكن بالنسبة إلى السوق، من المهم جداً أن يلتقي صناع السينما في بداية العام. لذلك بدءاً من اليوم، ستندمج عروض الأفلام مع اجتماعات رقمية، كسوق افتراضية ومنصة للصناعة السينمائية، يتم فيها بث الأفلام، والأحداث وبرامج التدريب وسوق السينما الأوروبية وصندوق السينما العالمية. يكتسي «مهرجان برلين» أهمية ثقافية وسياسية وسينمائية قوية في عالم السينما الأوروبية والعالمية. لكنّ الانهيار الكامل للمهرجان صعب جداً على الجميع وعلى الصناعة وصانعي الأفلام الشباب الذين يشاركون كجزء من «مواهب البرليناله». لذلك، على الرغم من الوباء، وصلت إلى المهرجان أفلام أكثر بنسبة 10% مقارنة بالعام الماضي، لذلك هناك مسؤولية لدى الجميع لإنقاذ السينما في هذه الحالة الاستثنائية.
لا شكّ في أن الوضع مريع، إذ تقلّص إنتاج الأفلام، وتوقفت شركات التوزيع في أوروبا عن الشراء منذ العام الماضي بسبب الجائحة. وبالكاد تستطيع البقاء على قيد الحياة بسبب إغلاق الصالات. الصالات السينمائية الألمانية وحدها، تتوقع خسارة إجمالية قدرها مليار يورو هذا العام. يُظهر هذا مدى هشاشة صناعة السينما تحت تأثير الإنتاج العالمي القليل، ومنصات البث، وأخيراً وليس آخراً... الوباء. على الرغم من أن عرض المهرجان على الإنترنت شيء مكلف، ويعني أيضاً انخفاضاً في الإيرادات، ولكن هذا أفضل ما يمكن فعله حالياً. التغييرات التي تخضع لها صناعة السينما اليوم، والمهرجانات وأسواق الأفلام، وشركات الإنتاج والموزعين ومشغلي السينما العالمية، جزء من نظام هشّ يضع مصير السينما في دائرة علامات استفهام كثيرة.

لجنة التحكيم
لجنة التحكيم هذا العام مختلفة أيضاً، تتألف حصرياً من ستة فائزين بجائزة «الدبّ الذهبي» سابقاً بدون رئيس للجنة. وتضم اللجنة هذه السنة كلاً من المخرج الإيراني محمد رسولوف (دبّ برلين الذهبي لعام 2020 عن «ليس هناك شرّ»)، والمخرجة الرومانية أدينا بنتيلي (دب برلين الذهبي لعام 2018 عن «لا تلمسني»)، والمخرجة الهنغارية ألديكو إنييدي (دب برلين الذهبي لعام 2017 عن «عن الجسد والروح»)، والمخرج الإيطالي جيانفرانكو روسّي (دب برلين الذهبي لعام 2016 عن «حريق في البحر»)، والمخرجة البوسنية ياسميلا زبينيتش (دب برلين الذهبي لعام 2006 عن «غارباڤيتشا: أرض أحلامي») والمخرج الإسرائيلي ناداڤ لابيد (دب برلين الذهبي لعام 2019 عن «مرادفات»). سوف يتم تقديم الجوائز في الصيف أمام جمهور حي كجزء من المهرجان، وسيكون المشاهدون قادرين على مشاهدة الأفلام في السينما وفي الهواء الطلق. أعضاء لجنة التحكيم سوف يشاهدون الأفلام معاً. خمسة أعضاء من لجنة التحكيم سوف يشاهدون الأفلام في صالة السينما في برلين، فيما يشاهدها المخرج الإيراني رسولوف من منزله في طهران، إذ لا يستطيع مغادرة إيران.

المسابقة الدولية وبرنامج الأفلام
مشاهدة الأفلام أونلاين تنطلق اليوم، مع مسابقة رسمية تضم أفلاماً شخصية جداً، بعضها سياسي والآخر تاريخي من توقيع مخرجين معظمهم من الشباب في ظل غياب الأفلام الأميركية. إلى جانب المسابقة الرسمية التي تضم خمسة عشر فيلماً، سوف يعرض المهرجان 160 فيلماً في مختلف المسابقات (برليناله سبشل، مسلسلات برلين، لقاءات، برليناله للأفلام القصيرة، بانوراما، المنتدى، المنتدى الموسع، أجيال، منظور السينما الألمانية، استعادة). أما المتنافسون على جائزة «الدب الذهبي» فهم الفرنسي كزافييه بوفوا الذي شارك في «مهرجان كانّ» عام 1995 وحصد جائزة لجنة التحكيم عن فيلم «لا تنسى أنك ستموت». وفي عام 2010، حصد الجائزة الكبرى في المهرجان نفسه عن فيلم «بشر وآلهة». وعن الفيلم نفسه، حصد «جائزة لوميير وسيزار».

يعرض «سعاد» للمخرجة المصرية آيتن أمين


مع Bad Luck Banging or Loony Porn، يعود الروماني رادو جود أحد مخرجي الموجة الرومانية الجديدة إلى برلين

وفي عام 2014، شارك في «مهرجان البندقية» «ثمن الشهرة» قبل أن يحلّ على برلين على العام بـ «ألباتروس». هنا، يقدم مجدداً البؤس الاجتماعي ويعزز موقعه كمراقب لمفاهيم المسؤولية والرغبة في الموت. ومع Bad Luck Banging or Loony Porn، يعود الروماني رادو جود أحد مخرجي الموجة الرومانية الجديدة إلى برلين بعدما حصد عام 2015 جائزة الدب الفضي لأفضل مخرج عن فيلم Aferim!. كجميع مخرجي الموجة الرومانية الجديدة، يقدّم جود أيضاً في أفلامه نقداً اجتماعياً ممزوجاً بروح الدعابة. النقد الاجتماعي الذي يقدمه في فيلمه الجديد هو عن الشرائط الجنسية التي تُسرَّب على الإنترنت والخطاب الاجتماعي والأحكام العرفية التي تنتج عنها. ومع الألماني دومينيك غراف، سنعود إلى ألمانيا عام 1931 عبر فيلمه «فابيان والذهاب إلى الكلاب» المقتبس عن رواية «فابيان: قصة عالم أخلاقي» للروائي الألماني إريش كستنر. إيران حاضرة في الدورة من خلال مريم مقدم وبهتاش صناعي اللذين يقدمان «أغنية بقرة بيضاء». وكحال المخرجين الإيرانيين، يعرض السينمائيان قضية الذنب والتكفير في مجتمع الجمهورية الإسلامية. بعد «مهرجان كانّ» عام 2018، يضع الياباني ريوسوكي هاماغوتشي فيلمه الجديد في المسابقة الرسمية في «مهرجان برلين»: «عجلة الحظ والفانتازيا» شبيه بأفلامه السابقة، فهو مجموعة من القصص القصيرة حيث لشخصياته النسائية نسخ متطابقة، يداعب فيها المخرج الأقدار والندم والخداع والصدف. وتثير المخرجة الألمانية فكرة الوطن والبيت في «السيد باخمان وفصله»، حيث السيد باخمان يقدّم لتلاميذه الذين تراوح أعمارهم بين سنتين و14 سنة من 12 دولة مختلفة مفتاح الشعور بالوطن والمنزل. الألمانية ماريا شريدر التي قدمت السنة الماضية مسلسل Unorthodox على شبكة نتفليكس، تعرض فيلمها الجديد «أنا رجلك» الذي يطرح فكرة علاقة امرأة مع رجل آلي شبيه بالإنسان تم تصميم ذكائه الاصطناعي للسماح له بالتحول إلى شريك حياتها المثالي.
المخضرم الكوري الجنوبي هونغ سانغسو، يعود إلى السينما الفلسفية الشاعرية بفيلم بالأبيض والأسود يحمل عنوان «مقدمة».
الحضور اللبناني في المسابقة يتمثل في «دفاتر مايا» (إخراج الثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج) الذي يتناول قصة مايا، امرأة لبنانية انتقلت مع والدتها للعيش في كندا، منذ أكثر من 30 سنة، ولا تزال تعيش في مونتريال مع ابنتها المراهقة أليكس. عشية عيد الميلاد، تتلقّيان شحنة غير متوقعة، في داخلها دفاتر وأشرطة كاسيت وصور كانت قد أرسلتها مايا عندما كانت لا تزال تعيش في بيروت إلى أعز صديقة لها هاجرت الى فرنسا عام 1982. ترفض مايا فتح الصندوق أو مواجهة ذكرياتها. لكنّ مقتنيات الشحنة من صور ومذكرات تثير فضول الابنة أليكس، فتغوص في هذا الأرشيف وأسرار حياة أمها. تدخل أليكس ــ ما بين الخيال والواقع ـــ عالم مراهقة والدتها الصاخبة والعاطفية خلال الحرب الأهلية اللبنانية.
تضم المسابقة الرسمية 15 فيلماً، ويعرض المهرجان 160 في مختلف المسابقات


وفي أول فيلم من إخراجه، يقدّم الممثل الألماني دانيال برول الذي اشتهر في أفلام مثل «وداعاً لينين» (2003) كوميديا سوداء بعنوان «الباب التالي» عن نجم سينمائي يخاطر في تدمير حياته المهنية والخاصة. أما ثالث فيلم من إخراج المكسيكي الونسو رويز بالاسيوس فيحمل عنوان «فيلم شرطة»، يخبر فيه الونسو قصة عن أكثر المؤسسات إثارة للجدل في المكسيك، عندما يقرر شخصان الالتحاق بجهاز الشرطة، ليجدا قناعاتهما وآمالهما مسحوقة تحت أقدام نظام مختلّ.
بعد نجاح فيلمها «بورتريه امرأة تحترق» في «مهرجان كانّ» عام 2019، تشارك المخرجة الفرنسية سيلين سياما في البرليناله بـ «أمي الصغيرة» عن مرحلة البلوغ من منظور أنثوي وأسئلة عن الخيال والذاكرة والموت.
«ماذا نرى عندما ننظر إلى السماء» هو عنوان الفيلم الجديد للمخرج الجورجي ألكساندر كوبيرتزه. سينما هذا المخرج معروفة بشاعريتها اللامحدودة، وجديده قصة حب، تسردها السينما بتفاصيل غالباً ما لا ندركها في حياتنا اليومية.
بعدما حصد عام 2012 جائزة التحكيم الكبرى في «مهرجان برلين» عن فيلم «فقط الرياح»، يشارك الهنغاري بينيديك فليغاوف المولع بالأنثروبولوجيا، بفيلمه «غابة – أراك في كل مكان». بأسلوبه الواقعي، يغوص في المشاكل الأسرية وأسئلة الحب والله والمرض والأشباح والأشياء. كما يعود الهنغاري دينيس ناغي إلى «برلين»، ليأخذنا إلى بداية الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفياتي. فيلمه «ضوء طبيعي» يضعنا في معضلة أخلاقية عن الرجال والحروب والذنب والكفاح من أجل البقاء.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا