تتداول المكتبات البريطانية أكثر من ألف سيرة لرئيس الوزراء البريطاني الراحل السير وينستون ليونارد تشرشل (1874 – 1965) أغلبها يمجّد السياسي البريطاني المحنّك الذي قاد الدولة البريطانيّة خلال الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وما بعدها، وارتبط اسمه ـ وفق البروباغندا الرسمية ـــ بانتصار الحلفاء على النازية والفاشية، وحماية استقلال بريطانيا في وجه طموحات الفوهرر، كما المشاركة في صياغة تفاهمات النظام العالمي الجديد في يالطا (1945). في المقابل، أعمال قليلة متأخرة شرعت تكسر تلك الصورة الصنميّة عنه عبر تعداد قائمة طويلة من الجرائم بحق الإنسانيّة المنسوبة إليه سواء داخل المملكة المتحدة والأقاليم الخاضعة لها (إيرلندا وويلز) أو عبر المذابح والحروب والمعارك الفاشلة والتدخلات الدموية التي نفّذها عبر العالم ويفوق عدد ضحاياها الملايين من البشر.

لكن الغالبية الساحقة من تلك السير على انقسامها تغفل – لأسباب مفهومة – دوره كرائد لمنهجية التوظيف المكثّف والتام لأدوات الإعلام والسينما في خدمة الأهداف السياسية وبروباغندا الأنظمة. ربما لا يعرف كثيرون مثلاً أن تشرشل كان وراء قرار تحويل BBC إلى ذراع بروباغندا للحكومة البريطانيّة رغم أنها مؤسسة مموّلة بالكامل من جيوب المواطنين بغرض تقديم إعلام غير منحاز. والأقل يعلم عن مساهمته الاستثنائية في تطوير السينما البريطانية كأداة عبقرية للهيمنة والتأثير في عقول الملايين وتحريضهم لمصلحة جهود الحرب والقتل والعداء الشوفيني بين الشعوب.
رغم نغمته الاحتفاليّة المقيتة، إلا أنّ وثائقي «تشرشل وقطب السينما» أو (59 د ــ 2019) أو Churchill and the Cinema Mogul يعوّض جزءاً مهماً من هذا الجانب المهمل من تاريخ تشرشل من خلال الإضاءة على شراكة آثمة نادرة جمعته بألكسندر كوردا، أحد أهم رواد السينما في النصف الأوّل من القرن العشرين، وخدمت على نحو مذهل أغراض بناء هويّة قوميّة بريطانيّة، ولاحقاً التأثير في مزاج الجمهور الأميركي ودفعه لدعم مشاركة الولايات المتحدة في الحرب (العالمية الثانية) إلى جانب لندن.
انطلق جون فليت – صانع الوثائقي – من سيرة ممتازة عن كوردا وضعها تشارلز درازين (أحد ضيوف الوثائقي) ويكشف فيها عن توظيف السينمائي الهنغاري لتشرشل ككاتب سيناريو قبل الحرب (الثانية) ليغوص بعدها في الأرشيف الشخصي لتشرشل وأوراقه ومراسلاته التي تحتفظ بها «جامعة كامبريدج» ومنها نصوص سيناريوات أفلام كتبها بطلب من كوردا (لكنها لم تر النور) ومراسلاته معه ويوميات بعض من عملوا في إطار تلك الشراكة.
ربما لا يعرف الجمهور اليوم ألكسندر كوردا، لكنّه كان - ولا يزال - واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام في تاريخ صناعة السينما البريطانية والعالميّة. ولد في هنغاريا لوالدين يهوديين عام 1893، وبدأ العمل في الإخراج في وقت مبكر من عام 1914، وتولى إدارة مديرية السينما في جمهورية العمّال الشيوعيّة القصيرة العمر التي تأسست في هنغاريا بعد الحرب العالميّة الأولى قبل أن تطيح بها مؤامرة غربيّة نفّذها الجيش الروماني في عام 1919 مرتكباً مذابح مروعة بحق الآلاف من كوادر الجمهوريّة ألقيت جثثهم في نهر الدانوب، الذي أصبح مسدوداً بأكوام جثث تتعفّن وتتقيّح في الحرارة. نجا كوردا نفسه من فظائع الرومانيين، لكن الحكومة اليمينيّة التي تولت السلطة في هنغاريا تالياً حكمت عليه بالإعدام. ويعتقد أنّه كان عميلاً للمخابرات البريطانيّة، إذ أنقذته وتولّت تهريبه من بودابست، ليتنقل في مناصب مختلفة بمساعدة يهود متنفّذين في ألمانيا والنمسا وفرنسا ولاحقاً هوليوود عاصمة السينما في الولايات المتحدة (1927 -1931)، قبل أن يلقي رحاله في بريطانيا. ومن المعروف الآن أنّه قدّم غطاء من خلال نشاطاته السينمائيّة الطابع لعمليّات المخابرات البريطانية في أوروبا والولايات المتحدة، وكانت مكاتبه دائماً مرتعاً لجواسيس الحكومة البريطانية الذين تنقل كثيرون منهم تحت هُويات فرق كوردا السينمائية.
بمساعدة ودعم الكولونيل كلود دانسي نائب مدير جهاز الاستخبارات، وروبرت فانسيتارت من وزارة الخارجية، أطلق كوردا شركة للإنتاج السينمائي (لندن فيلمز). وبتمويلهما السرّي، تمكن من بناء (دينهام) استوديو السينما البريطاني الوحيد الذي أمكنه المنافسة بنجاح في السوق الدولية، وإنتاج شرائط متساوية في الجودة والجاذبية لتلك التي قدمتها هوليوود نفسها. فيلمه «الحياة الخاصة لهنري الثامن» كان نجاحاً فورياً ومجزياً، وبنى سمعته كقطب سينمائي بريطاني وفتح الباب أمام شركته – الواجهة - لاستثمارات أكبر. تتابعت أعماله الباذخة مثل «لص بغداد» و«الرجل الثالث» و«الريشات الأربع» وجميعها أعمال مريضة بالنزعة الإمبراطورية الإمبريالية والعنصرية ضد سكان البلدان المستعمرة، بينما استمرّ في تقديم الغطاء لعملاء المخابرات البريطانية الذين عملوا في أوروبا على أساس أنهم كوادر سينمائيّة لـ «لندن فيلمز». في تلك الأوقات، كانت النخبة البريطانية متعاطفة بشكل عام مع السياسات العرقية النازية والفاشية في أوروبا بمن فيهم تشرشل نفسه الذي دبّج مقالات في مديح موسوليني وهتلر ورحّب بصعودهما إلى رأس السلطة في إيطاليا وألمانيا كأفضل سلاح لمحاربة انتشار الشيوعية السوفياتية، فكتب يتغزّل بألمانيا التي «أنجبت مثل هذا الرجل – مشيراً إلى هتلر – ليقود تلك المعركة الطويلة المنهكة للفوز بقلب ألمانيا». وألقى خطاباً أمام منسوبي الحزب الفاشيّ في روما عام 1927 قال فيه: «لو كنت إيطالياً، لانضممت إلى صفوفكم من البداية إلى النهاية في مسيرتكم المظفّرة للقضاء على أحلام الشيوعيّة». لكنّه انقلب عليهما فقط بعدما تبيّن أن طموحات الزعيمين التوسعيّة تتعدى بكثير حدود بلادهما، وأنهما بذلك قد يزيحان بريطانيا عن مكانتها كقوة مهيمنة في أوروبا والعالم. وبعين إعجاب التلميذ بأستاذه، تابع تشرشل الشراكة الإبداعية المثالية التي قامت بين هتلر والسينمائية ليني ريفنستال (مخرجة فيلم «انتصار الإرادة» الألماني الشهير) وفهم إمكانيات الفيلم السينمائي كأداة بروباغندا هائلة التأثير على الحشود. وكان في لاوعيه يبحث عن شراكة مشابهة عندما عرّفه الكولونيل كلانسي - رفيقه في السلاح خلال حرب البوير ونائب مدير الاستخبارات - إلى كوردا في عام 1934. كان تشرشل يمرّ حينها بظروف عزلة سياسيّة في وستمينستر (مقر البرلمان) بعدما شرع في إطلاق تحذيرات من عواقب استرضاء هتلر سقطت على آذان صماء من قبل رئيس الوزراء نيفيل تشامبرلين. وقد كان أيضاً مفلساً، ولذا سارع لقبول عرض كوردا للعمل عنده كمستشار وكاتب نصوص، وحصل منه على ثروة صغيرة (تعادل 400 ألف دولار أميركي بأسعار اليوم) كمقدّم لسيناريو فيلم يحكي قصة الإمبراطورية البريطانية لم يتم إنتاجه أبداً. ولكن النص الذي حُفظ في أرشيف تشرشل يظهر بوضوح أنّ الرجل كان يدرك وسيط الفيلم وإمكانياته. ويتكهن مؤرخون بأن كوردا اليهودي كان يكنّ عداء شديداً للنازيين، وأنّه وجد آراء تشرشل ضد التيار الرئيسي للنخبة البريطانيّة المتعاطف بأغلبيته مع هتلر مثيرة للاهتمام. ويبدو أن دعمه المالي يظهر كم كان صهاينة بريطانيا متورطين في دعم عودة تشرشل الغامضة والاستثنائيّة من منبوذ إلى اللورد الأول للأدميرالات ثم رئيس للوزراء (1940). ولذا لم يكن مفاجئاً منه أن يستدعي مشغّله القديم كوردا لقيادة مشروعه الشخصيّ لناحية توظيف السينما في بناء هويّة قوميّة بريطانيّة عمياء تدفع بالملايين من أبناء الطبقة العاملة إلى حمل السلاح لقتال ألمانيا.
كان كوردا مفيداً بشكل خاص خلال الفترة بين إعلان بريطانيا للحرب مع ألمانيا في عام 1939، وإعلان الولايات المتحدة نفسها في عام 1941. قدّم أول فيلم بريطاني دعائي للحرب «أجنحة الأسد». ومع سيطرة هتلر على معظم أوروبا واقتناع تشرشل باستحالة هزيمة الجيوش الألمانيّة بدون دعم أميركي، طلب من كوردا أن ينتقل إلى الولايات المتحدّة لإدارة جهد سينمائي يستهدف تغيير وجهة نظر الأميركيين المحايدين رسميّاً والمتعاطفين مع هتلر، وفي الوقت عينه توفير غطاء للعمل الاستخباراتي البريطاني عبر فتح مكاتب ضخمة في نيويورك ولوس أنجلوس باسم «لندن فيلمز». وعن طريق إعادة إصدار أفلامه في الولايات المتحدة، كسب كوردا أيضاً مبالغ طائلة للخزانة البريطانية، التي كانت في حاجة ماسة إلى تمويل مشتريات الأسلحة من الأميركيين.
قدّم كوردا في السينما الأميركية أفلاماً عدة كبرى استهدفت تلميع صورة بريطانيا الجزيرة الشامخة المستهدفة من الأعداء، واستخدم نجوماً (ونجمات) بريطانيين شديدي الوسامة (فيفيان لي ولورانس أوليفييه...) لتليين مواقف الشعب الأميركي تجاه الحرب. ويعتقد أن تشرشل كان قد أثّر بقوة في مضامين تلك الأفلام، وربما حتى كتب مشهداً لأحدها (من فيلم «الليدي هاملتون» 1941) يحذر فيه القائد التاريخي البريطاني الشهير نيلسون زعماء بريطانيا من عقد أي اتفاق سلام مع نابليون قائلاً: «صدقوني أيها السادة، إنه يريد أن يكون سيد العالم. لا يمكنك صنع السلام مع الطغاة. عليك أن تدمرهم». ولكي يمكن تخيّل تأثير هذه الأفلام على الرأي العام، فإن الشعب الأميركي الذي وصل تعداده حينها إلى 130 مليون نسمة، كان يشتري أسبوعياً 100 مليون تذكرة سينما. ولهذا تعالت الشكوك بشأن هذا الجهد الدعائي المكثّف واستدعي كوردا للمثول أمام مجلس الشيوخ للتحقيق في دوافعه، قبل أن تنقذه حادثة بيرل هاربر التي كانت حاسمة في تغيير موقف الشعب الأميركي من الحرب. وفي عام 1942، أصبح كوردا أول منتج أو مخرج بريطاني يحصل على لقب فارس. وهو ردّ الجميل لصاحبه عندما دفع لتشرشل بعد الحرب ما يعادل 2.5 مليون دولار أميركي بأسعار اليوم كمقدّم لسيناريو فيلم عن تاريخ الشعوب الناطقة باللغة الإنكليزية (لم يُنجز قط).
تظهر الشهادات في الوثائقي ولع تشرشل بالسينما وهوسه برواية القصص، وانبهاره الدّائم بالتاريخ ومحاولة تحويله إلى قصص ذات مغزى معاصر (حاز نوبل للآداب على سير تاريخيّة نشرها)، بما فيها شهادة من مساعدة سابقة له لا تزال على قيد الحياة وهي آخر سكرتيراته، وأيضاً شهادة من ديفيد لوف كاتب السيرة الرسمية لتشرشل وآخرين وصفت الطريقة التي كان يقدّم بها صورته الشخصيّة إلى العالم وموهبته الظاهرة في التمثيل، ومسارعته لاحتضان تكنولوجيّات صناعة السينما، وكيف كان يتأثر بشدّة عند مشاهدة الأفلام، وأنّه كان يبكي بحرارة عند بعض المشاهد (وإن لم يبك أبداً على 5.5 ملايين بنغالي تسبّب في موتهم جوعاً)، والنقاط المشتركة بين تشرشل وكوردا التي قد تفسّر تلك الكيمياء الخاصة بينهما.
لكن مهما يكن من أمر الرّجلين وتاريخهما، فإن الخلاصة الأهم التي تُقرأ من وراء الوثائقي تؤكد مجدداً على حقيقة أنّ الإعلام والفنون والآداب بعمومها، منذ كانت وإلى يومنا هذا جزء لا يتجزّأ من عدّة الهيمنة وصناعة الخنوع. استهلاك المنتجات الثقافيّة الغربيّة على عواهنها كأعمال فنيّة محض وبدون نظرة نقديّة صارمة هو السّذاجة بأمّ عينها.

* عرض أونلاين لوثائقي «تشرشل وقطب السينما» Churchill and the Movie Mogul: الأحد 31 كانون الثاني (يناير) ــ س: 18:00 مساءـ يلي العرض حوار مع المخرج والمنتج جون فليت والمخرج والباحث هادي زكاك والباحث جوزيف باحوط عبر زوم ـ لمشاهدة الفيلم، يجب التسجيل على موقع https://beirutartfilmfestival.org/

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا