من أسوأ أفلام السنة. ما كان يمكن أن يكون شريطاً قوياً عن عائلة تواجه صعوبات، تحول إلى «بورنوغرافيا الفقر». في ساعتين، انزلق الفيلم إلى أدنى مستوى من الكليشيهات السردية والبصرية. عملية هوليوودية مصطنعة لا تقدّم إلّا تناقضاً بين رغبة في تقديم أسرة سلطتها الأساسية هي النساء، وبين وجود رجل، في دور لا يتعدى أن يكون منقذاً للتوازن العائلي. «مرثية هيلبيلي» (2020) للمخرج الأميركي رون هاورد، يخبرنا قصة عن عائلة من «المتخلفين» في العمق الأميركي. العنوان يشير إلى ذلك، فـ«هيلبيلي» مصطلح (غالباً مهين) يطلق على سكان المناطق الريفية في الولايات المتحدة، واستخدام الاسم يصبح صيغة ازدرائية تُطلَق من قبل نخب المدينة لنعت شخص أو مجموعة بالتأخّر الحضاري.

قبل سنوات، أصبحت مذكرات جي. دي. فانس الأكثر قراءة في الولايات المتحدة، خاصة لمن يريد أن يفهم سبب فوز دونالد ترامب في الانتخابات. أي شخص تابع عن كثب الانتخابات الأميركية التي جرت قبل أسابيع أو لاحظ صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة، قد سمع بالتأكيد عما يُطلق عليه الآن غالباً «دولة ترامب». وهنا نشير إلى منطقة الآبالاش (تنقسم إلى عدة ولايات في وسط/ جنوب شرق الولايات المتحدة) لا سيما في قطاعاتها الريفية، التي تدعم ترامب إلى حدّ كبير. جي. دي. فانس ابن تلك المنطقة، وابن الطبقة العاملة. ورغم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، تمكّن من التخرج من «جامعة ييل». في الواقع، جي. دي. يعتبر نفسه محافظاً وكان يميل إلى الترشح لمجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري.
استناداً إلى مذكرات كتبها جي. دي. فانس، يروى الفيلم على مرحلتين: حياة جي. دي. (غابريال باسو) الذي ولد في الجزء الأكثر ريفية من كنساس وانتقل بعدها إلى بلدة صغيرة في أوهايو. تدور أحداث جزء كبير من القصة عام 1997، عندما كان لا زال يعيش في أوهايو، والآخر في أوائل عام 2010 عندما أصبح الشاب تلميذاً في «كلية ييل للحقوق» إلى أن تجبره ظروف عائلية على العودة إلى أوهايو. يهدف الفيلم إلى أن يكون انعكاساً للأشخاص المتواضعين الذين يعيشون في أكثر المناطق حرماناً في الولايات المتحدة. العائلة مؤلفة من الأم بيڤ (إيمي أدامز) مدمنة على المخدرات تنتقل من زوج إلى آخر ولا تستطيع البقاء في وظيفة، ناهيك برعاية أطفالها. الجدة ماماو (غلين كلوز) القوية وسليطة اللسان تزيد من فوضى الأسرة، رغم أنها تحاول دائماً تقويم ما هو ملتو، وولدين هما جي. دي. وشقيقته لينزي (هايلي بانييت) اللذان يكافحان بأفضل ما يمكن في هذا المناخ من العنف والعدوان والصراخ.
رون هاورد هو ثعلب من ثعالب هوليوود الأكاديمية، اعتاد تجميع قصص تجارية وتقديمها للاستهلاك في موسم الجوائز. يفتقر إلى الرؤية الإبداعية، ما يجعل أفلامه محبوكة بنمط تجاري معيّن، لا تستحق الكثير من الثناء («عقل جميل» ــ 2001 و«أبولو 13» ـ 1995، و«شيفرة دا فينشي» ـ 2006). فيلمه «مرثية هيلبيلي» ليس الأسوأ في مسيرته. هو يظهر الكثير ولكن بلا جدوى: الأمية، الأسر غير الهيكلية، البؤس الاقتصادي، العنف، مشاكل العمل، إدمان المخدرات. مزيج كامل من المواقف التي يواجهها سكان هذه المناطق وأيضاً عائلة فانس، حاول الفيلم إظهارها. لكن محاولة تقديم الواقعية تنتهي بصورة غير متناغمة. لا يوجد حتى طريقة للتفاعل مع الشخصيات، لأنّ نبرة الفيلم مليئة بالخفة وخالية من المشاعر. أكبر مشكلة فيه هي هيكلية. نقل السرد بين الأزمان المختلفة غير متناغم. وبدلاً من إثراء الحبكات الفرعية المختلفة لربط القصص ببعضها، حصلنا على عمل متقطّع لا يتدفق بحرية. وأيضاً وددنا رؤية نموذج سينمائي لنوع الناخبين الذين أوصلوا ترامب إلى الرئاسة. ولكن في الواقع، لم نرَ أيّ قراءة سياسية كانت مركزية في المذكرات.
ميلودراما تخطيطية ومحمّلة بشكل زائد، مصمّمة للتباهي بأبطالها وبالجوائز التي سيحصل عليها. «مرثية هيلبيلي» يصرخ للحصول على الجوائز، ولكن لا يبررها، ناهيك باستحقاقها. فيلم جاد وسطحي لا يحب ولا يفهم شخصياته. يحاول، بطريقة خاصة، أن يكون متوازناً وألا يقع في التبسيط، ولكن هناك الكثير من الكليشيهات التي لا يحاول هاورد الهروب منها. نسمع جملاً مثل «في الأعماق هم أناس طيبون ولكن مروا بالكثير من المشاكل». يمكن هذه الجملة أن تمرّ في الكتاب، ولكن تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعيّن تجسيدها بصرياً. القصة التي أراد رون هاورد أن يرويها أكثر صعوبة. حوّل المذكرات إلى ميلودراما عائلية وأخرجها من السياق الاجتماعي والتعقيدات السياسية، وقدم شخصيات لا تعكس بوضوح الجوانب الأكثر ضرراً للأيديولوجية المحافظة المتطرفة. بل قدم قصة صبي متميز وعائلة معقدة ومفكّكة كادت أن تغرقه في وحلها، ولكنه نجا. حكاية أمير فقير عانى من خلفية عائلية سيئة ومشاكل مالية، لكنه تحرّر من البؤس بسبب عقله الحاد وموهبته. يروي الفيلم القصة الأبدية للحلم الأميركي، رسالة السعي لتحقيق النجاح في الحياة، حتى عندما تتركنا البيئة التي أتينا منها بلا فرص. وعلى الرغم من كل شيء، ستكون العائلة موجودة دائماً، فهي دماؤنا وجذورنا وجيناتنا. لا يهتمّ الفيلم بالمشاكل الاجتماعية التي يثيرها. جاء خالياً من النقد الاجتماعي ونقل المسؤولية على شخصياته. لم يصور الأم بيڤ كضحية، بل كشخص فاشل لا يقاتل. وعلى النقيض من ذلك، جاء الابن جي. دي. النموذج العظيم للحلم الأميركي الذي يتغلب على كل شيء وينجح.
غلين كلوز بدور الجدة هي أعظم ما في الفيلم، قدمت درساً في بناء الشخصية، تمكّنت حتى مع الكثير من المكياج من أن تمثّل بتعابير وجهها ونظراتها. كانت حادة ورقيقة، ملهمة وجبارة. وعلى النقيض، هناك إيمي أدامز التي لن نتذكرها كثيراً في دور الأم المدمنة، رغم بعض اللحظات التي تصرخ فيها أو تبكي طالبة المساعدة. والأسوأ هو غابريال باسو بدور جي. دي. الذي يفتقر إلى الكاريزما والقوة التمثيلية لقصة ميلودرامية. حتى الكبير هانز زيمر قدم موسيقى متواضعة، هدفها فقط إبلاغنا متى يجب علينا البكاء. رون هاورد قدم فيلماً لا يستطع الوصول إلى عامة الناس، بل فقط للنخبة الرأسمالية التي ستفتخر لأنها تقدّم الفرص للفقراء البيض أو لمن يسمونهم «واست تراش». «مرثية هيلبيلي» صدى حلم أميركي وهمي فقده معظم الناس.

* Hillbilly Elegy على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا