لارس فون ترير يقدّم فيلماً موسيقياً، قد لا نصدّق هذا لكنّها الحقيقة. عشرون عاماً مرّت على «راقصة في الظلام» (2000) مفاجأة «مهرجان كانّ» عام 2002 (السعفة الذهبية). المخرج المجنون طوّع الأطر لتناسب نظرته الملتوية، فكان فيلماً موسيقياً (anti-musical) كما صرح المخرج بنفسه. تهرب سيلما (بيورك) عندما تسوء الأمور، إلى خيالٍ مفعمٍ بالأغاني والرقص، فنشهد عكس ما تقدّمه الأفلام الموسيقية: التعاسة والحزن بديلاً من السعادة والفرح في قالب موسيقي.

سيلما المهاجرة التشيكية، تنتقل إلى الولايات المتحدة مع ابنها بحثاً عن نوعيه حياة أفضل. هي تعاني من مرض وراثي يسبّب لها فقداناً تدريجياً في الرؤية حتى العمى، وسرعان ما سيعاني طفلها من المصير نفسه إن لم تُجرَ له عملية باهظة التكاليف. نشاهد نضال سيلما الأم والمرأة، توفر كل دولار تكسبه من العمل في المصنع لجمع كلفة عملية طفلها. مع تقدّم المرض، يصبح الاستمرار بالعمل مستحيلاً، تتراكم المصائب فوق رأس المهاجرة ويصبح عزاؤها الوحيد لا بل ومهربها الأوحد هو الموسيقى.
فون ترير مزج بسهولة فائقة الميلودراما الخام بالأغاني والرقصات بطريقة مبتكرة، فيغوص في كلا المتناقضين. لا شيء اعتباطياً هنا، هو يبرّر ظهور كل قطعة موسيقية، هي هلوسات، ومضاتٌ من الأمل ورؤى لامرأة كلّما دنا منها السواد. «راقصة في الظلام» هو الحقيقة بكلّ مذاقها المرّ في إطار سينمائي خلّاق: الميلودراما الموسيقية التي لا مثيل لها التقط عبرها فون ترير كلّ البؤس والظلم والألم الذي يحمله الإنسان، طارحاً قضايا وعناوين كبرى مثل الهجرة، عقوبة الإعدام، الفقر وقضايا فلسفية عن الوجود وقيامة الروح.
كيف ولماذا قرّر المخرج تقديم قصة مريرة مماثلة في فيلم موسيقي؟ هذا فعلاً خيارٌ غريبٌ ومفاجئ. الجواب الوحيد: إنّه فون ترير، إنّها عينه التي تنقل الواقع بغرابة بحذافيره القاسية. بالتالي قدّم في «راقصة في الظلام» الرقصات الموسيقية في حالات الحزن والقسوة مظهراً أنّه ليس للبراءة مكان في هذا العالم القاسي.
أوصل فون ترير صورته كما أرادها تماماً، عبر الكاميرا المحمولة في اليد، فقدم الفيلم بطريقة وثائقية تمثيلية. أمّا اختيار بيورك لأداء دور سيلما، فجاء مثالياً، هي استطاعت تضييق المكان الذي نجلس فيه وإحكام الجدران علينا، زعزعت مشاعرنا. فون ترير يقدّم سيلما على أنها أكثر الشخصيات تواضعاً وبراءة في جو من الفوضى والشر. يطاردنا فون ترير حتى بعد انتهاء الفيلم، يطعننا ويهزنا من الداخل، يقولها بكلّ صرامة، الجمال يمكن أن يختبئ خلف القسوة والظلام، مستخدماً دائماً طريقته المعتادة وسحره الخاص، متلاعباً بمشاعرنا بين السخرية والجدية الصادمة. هو فون ترير الذي لم يقدّم يوماً صوراً وردية أو حكايا خيالية، بل هو ألبس دائماً أيّ شيء أراد تظهيره رداء قاتماً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا