سينما فرنر هيرتزوع هي سينما الحالمين المتطرفين. بصفته مستكشفاً جريئاً وفضولياً للكوكب، سافر حول العالم باحثاً عن «نشوة اكتشاف المجهول». في رؤيته السينمائية للبشرية، أدخل الحقيقة بالأساطير، الخيال بالواقعية، والعلم بالدين. نحن نعرف صوته، صوت حفيف، رتيب، بنبرة عاجلة، مثل التأمّل، يأخذك بعيداً. مع المخرج البافاري لا سكينة. لا يضيع وقت، دائم السفر والتحرك. لا يمكن نسيان صدور كتابه الصوتي عام 2010، عن كتابه الذي نشره عام 1978 «عن المشي في الجليد». كتاب صوتي يقرأ فيه هيرتزوع رحلته، كيف سافر سيراً على الأقدام من ميونخ إلى باريس في غضون 22 يوماً في شتاء 1974. رحلته كانت لإنقاذ الكاتبة والناقدة السينمائية وصديقته لوت إيسنر، أحد مؤسسي «السينماتيك الفرنسية». وقتها، كانت إيسنر مصابة بمرض عضال، أخبرت هيرتزوغ أنه إذا جاء سيراً على الأقدام إلى باريس، سوف تبقى على قيد الحياة. نجت إيسنر بالفعل، وتوفيت عام 1983 عن عمر يناهز 87 عاماً.

التقى هيرتزوع بعالم البراكين البريطاني كليف أوبنهايمر في أنتاركتيكا في عام 2007، عندما أجرى معه مقابلة خلال تصوير فيلمه «لقاءات في نهاية العالم». أصبحا صديقين والتقيا مرة أخرى لتصوير فيلم «في قلب البركان» (2016). تعاون جديد مع أوبنهايمر صدر هذا الأسبوع هو وثائقي بعنوان «كرة نار: زوّار من عوالم أدكن» (2020). رحلة أخرى لهيرتزوغ من هاواي إلى النرويج وأستراليا وفرنسا والمكسيك وغينيا الجديدة والهند والولايات المتحدة. هذه المرة، تهيمن الكويكبات والنيازك على الرحلة، والآثار التي تركتها على الأرض. يقوم كلاهما بجولة في الأماكن التي سقطت فيها النيازك والتحقيق في الأساطير التي ولّدتها. يُظهر الفيلم كيف تطارد هذه الأجرام السماوية الآلاف من علماء الفلك، الذين يصفونها بأنها حاملة للأسرار البشرية. يأخذنا هيرتزوع إلى الأماكن التي حدث فيها اصطدام نيزكي. يوضح كيف تمّت معالجة الظواهر الطبيعية ثقافياً ودينياً وأسطورياً. نسافر مع الصديقين إلى هذه الأماكن، حتى أنه يأخذنا إلى مقرّ البابا الصيفي في كاستل غاندولفو، ونزور الحجر الأسود في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة في مكة. هناك يدرك هيرتزوع أنه لا يستطيع الذهاب والتصوير بنفسه، لأنه ليس مسلماً. لكنه أرسل صديقاً ليسجّل بهاتف خليوي اللحظة التي يسارع فيها المؤمنون إلى لمس وتقبيل ذلك «الحجر من الجنة» الذي ــ وفقاً للديانة الإسلامية ــ حملها الملك جبرائيل للنبي إبراهيم.
يروي هيرتزوغ الفيلم ويصوّر، وأوبنهايمر مسؤول عن المقابلات مع أشخاص لا نعرف كيف يصل هيرتزوغ إليهم. يلتقيان بالخبراء والحائزي جائزة نوبل، ولكن أيضاً بعدد من علماء الجيولوجيا الهواة مثل عازف الجاز والمتخصّص في النيازك جون لارسن وصديقة الجيولوجي برالي كيلي. هواية لارسن هي جمع فتات النيازك. مع الصخرة الصغيرة التي في يده، يتحدّث بمزيج من الحماس والرومانسية العلمية «إذا أخذت نيزكاً صغيراً وشعرت به على إصبعي، فلن يكون هناك أيّ إنسان قد لمس شيئاً أقدم. يمكنك رؤية اللانهاية بعينك». مرة واحدة، يتدخل هيرتزوغ مباشرة في الفيلم، في ولاية أريزونا، عندما قال الباحث ميناكشي وادوا بأن البشر كناية عن غبار نجمي، لم يعُد هيرتزوع قادراً على تحمل ذلك. كانت هذه هي المرة الوحيدة التي لم يستطِع جمح نفسه خلال التصوير الكامل لهذا الفيلم. كان عليه التدخل من خلف الكاميرا بحدة قائلاً: «أنا لست مصنوعاً من غبار النجوم! أنا بافاري!».

الشريط هو احتفال بصري بالطبيعة وأسرارها


أوبنهايمر يلاحق التفسيرات العلمية الدقيقة، ويختصرها هيرتزوع لكيلا يعذبنا بالتفاصيل. البافاري أقل اهتماماً بالتأثير الجيولوجي مقارنة بالتأثير الثقافي. آثار النيزك على الأديان (الحجر الأسود وعلماء الفلك التابعون للكنيسة الباباوية) أو الفن (كيف أصبحت فوهة البركان وولف كريك فكرة لفن السكان الأصليين في أستراليا). يُظهر لنا الفيلم فوهة بركان راسخة في الأساطير الهندوسية في شمال الهند. يوثق تحطم النيزك في تشيليابينسك السيبيري في عام 2013، مُحدثاً حفرة قطرها كيلومتر واحد.
فيلم هيرتزوع هو احتفال بصريّ بالطبيعة وأسرارها. السؤال الكبير الذي يصاحب هذه الرحلة السينمائية العالمية هو: ما مدى احتمال أن يهبط جرم سماوي كبير آخر على الأرض مرة أخرى ويُحدث دماراً لا يمكن تصوره؟ هذا ما رأيناه في شبه جزيرة يوكاتان المكسيكية حين ضربها نيزك عملاق منذ 66 مليون عام، ويعتقد أن الديناصورات والعديد من الكائنات الحية الأخرى انقرضت إثر سقوطه.
«لا يمكنك أن تكون عالماً إذا لم يكن لديك شعور بالدهشة» هو شعار هذا العمل، الذي يمكن أيضاً تفسيره على أنه عقيدة فنية. بحث فضولي يحاول فيه هيرتزوغ باستمرار فك شيفرة الإنسان بكل ما فيها من تفرّد وتعقيد. قال هيرتزوغ معلقاً: «هذا هو العلم في أفضل حالاته»، حيث قفز باحث كوري جنوبي في فرح غامر بعد العثور على حجر نيزكي غير عادي في الصحراء الجليدية البيضاء المهيبة في القارة القطبية الجنوبية. هنا «نشوة اكتشاف المجهول» التي لا يخطئها هيرتزوع أبداً.

* Fireball: Visitors from Darker Worlds على Apple TV

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا