«بانوبتيك» هو أول عمل تقدّمينه كمخرجة، وهو شخصيّ جداً، قُدّم بطريقة لا يمكن تحديدها، خليط بين الوثائقي والتجريبي. وهي طريقة غير مألوفة في السينما اللبنانية، ألم يكن هناك خوف من تقديم عمل مماثل وعدم معرفة ردّ فعل المشاهد اللبناني؟
ــــ هذا الفيلم هو «مقال وثائقي» (Essay documentary). التجربة في الأساس كانت وثائقياً صوتياً، ثم بعد مشاورات وتفكير، أردت تقديمه مع صورة. طورت الفكرة خلال التصوير (30 يوماً على مدار ثلاث سنوات). عندما بدأت المونتاج، أحسست أنه لا يشبهني، خاصة أنني لست مخرجة في الأساس، وعملي هو تصميم الصوت في الأفلام. حزنت عندما لم أعجب بالعمل الذي صنعته، نصحني الصديق والمعلّم محمد سويد ألّا أخاف أن أذهب إلى المقال الوثائقي رغم أنه ليس مألوفاً للجمهور ومتطرّف نوعاً ما. في النهاية أردت أن أصنع فيلماً يشبهني أنا.

عندما كنت تخبريننا في الوثائقي عن حكايتك الشخصية مع الوالد، كان هناك نوع من التناقض بين الصوت والصورة والموسيقى حتى، لماذا اخترت التناقض؟ كان بإمكانك الذهاب إلى الأسهل؛ صور شخصية مع حكاية شخصية مثلاً. لماذا كانت صورتك عامة، وحكايتك خاصة؟
ــــ لا أعتبره تناقضاً. طريقتي في التفكير في الفيلم، كانت على أربع طبقات: الأولى عندما اكتشفت أن الفيلم هو عن والدي، وكنت دائماً أردّد أن الفيلم ليس عن والدي، إلى أن اقتنعت بعد مدة أن الفيلم هو عنه. فكان عندي احترام لشخص الوالد الذي لم يكن على علم بأنني أصنع الفيلم. لذلك لم أرِد أن أظهره حتى بصورة ربما لا يكون موافقاً عليها. لذلك قدّمت فقط «حواديته» وتركت للناس حرية تخيّله. الطبقة الثانية هي فكرة الصوت والصورة. المدينة كلها خارجة عن السيطرة، عن الفهم، عن التناغم. لذلك الصوت والصورة جاءا منفصلَين طوال الوقت (إذا كان هناك مشهد من الجسر من فوق، الصوت هو صوت الجسر من الأسفل). هذه كانت الفكرة، أننا في مدينة خارجة عن التناغم. هذا العجز والحزن والكآبة التي نشعر بها هي من فكرة أن المدينة Out-of-sink. لم أرِد من الصوت والصورة أن يخبرا الشيء نفسه. الطبقة الثالثة هي الموسيقى، البعيدة بدورها عما نشاهد أو نسمع (الكلمات). الطبقة الرابعة هي السرد. السرد هو علاقتي مع هذه المدينة، العلاقة الشخصية. لذلك عندما أصوّر تحت الأرض، خاصة أنني كبرت تحت الأرض بسبب الحرب اللبنانية والاجتياح، أصوّر العلاقة العضوية معها، لأنني ما زلت هنا، حتى بعد انفجار ٤ آب، ما زلت هنا، فهي علاقة تشابه بين أمراضي وأمراض المدينة.

لماذا مُنع الفيلم في لبنان، مع أنه كان لديك تصريح بالتصوير في الأماكن العسكرية. بعد عرض الفيلم على نتفليكس وفي كل بيت تقريباً؛ كم سخيف اليوم موقف الأجهزة الرقابية؟
ــــ في الحقيقة، مُنع الفيلم لأسباب عدة. استغرق منح تصريح التصوير في الأماكن العسكرية، ومن بينها برج المر، وقتاً طويلاً. ثم أخذنا موافقة العرض من قيادة الجيش، لكن الأمن العام طلب قبل العرض بيومين حذف الوجود العسكري وبعض الجمل، فرفضنا الحذف بطبيعة الحال، لأنّ الرقابة هي قلة احترام لمهنتنا (مع العلم بأن ليس هناك شيء في القانون يجيز المنع، فالمنع غير قانوني). هناك سخافة من الرقابة لأنها تجيز عرض الفيلم في أي مهرجان دولي خارج لبنان، بينما تمنعه في لبنان، هذه المفارقة غبية. الآن على الأجهزة الرقابية أن تطرح على نفسها السؤال: الفيلم في كل مكان والكوكب هو قرية صغيرة، فما معنى الرقابة؟ هل لها معنى في الأصل؟

كاميرا تجريبية ورمزية فيها رهبة عسكرية ودينية وصوفية


الفيلم هو عن الوالد، نريد أن نعرف هل هذا الشريط بالنسبة إليك هو وسيلة للتصالح مع الأب، أم هو محاولة لـ «قتل الأب»، خاصة أن الفيلم لا يحمل غضباً ولكنه بالتأكيد يحمل إرثاً ثقيلاً؟
ـــ طرحتُ على نفسي كثيراً هذا السؤال. قتل الأب لا أعتقد، لأنني قتلته قبل ذلك، أو حاولت، أو لا أدري! علاقتي مع والدي كانت جميلة، حتى إنّه هو الذي علمني ما معنى «قتل الأب». لكن بالتأكيد هناك أشياء مثل البدلة العسكرية التي لم أسامحه على ارتدائها. سلطة الأب، التي هي متوارثة من جيل إلى جيل، وسلطة الدين أيضاً. أعتبر أن الفيلم نوع من التخلّص من السلطة الأبوية، من خلال دفن الأب (شرحت في الفيلم كيف ندفن أمواتنا)، وبالأحرى هو أن ندفن فكرة الأب، مع فكرة العسكر مع فكرة السلطة، مع فكرة علاقتنا بالجسد والمرض. أردت أن أدفن كلّ هذا. لم أستطِع دفنها وهو على قيد الحياة، لقد توفي فجأة ودائماً ما كنا نتناقش حول هذه الأمور. الشعور الغريب الذي أحسستُ به بعد عرض الفيلم على نتفليكس، أنني أدفن والدي الآن. كنا نخطّط لصنع فيلم مع بعضنا، ولكنه توفي قبل أن نُنجز المشروع. أخرجت الرسائل التي كنا نكتبها لبعضنا (كنا نتواصل عبر الرسائل بسبب عدم وجودي في البيت، فكان يضع الرسائل على سريري) وصنعت في هذا الفيلم الشيء الذي أردت أن أفعله مع والدي.



رحلة في بواطن بيروت
«مجتمعنا ليس مجتمع استعراض، ولكنه مجتمع مراقبة... فنحن لسنا على المدرجات أو خشبة المسرح، بل داخل دواليب الآلة البانوبتيكية» (ميشال فوكو)... وفيلم «بانوبتيك» ليس بعيداً عن هذا. استعارت رنا عيد البانوبتيكون وشرحتها في فيلمها، وقدمت السينما كشخصية فوكولية، كنهج مفارقة تاريخية، حديثة، مادية وروحية. بين المراقبة والرقابة الاجتماعية، صورة رنا عيد هي منظور انثروبولوجي سمعي بصري شخصي جداً، كأسطورة إغريقية. أسست رنا عيد الفيلم على العلاقة الجدلية بينها وبين والدها وبدلته العسكرية، وبينها وبين المدينة، وبينه وبين بيروت والحرب والعسكر. أخذت مخاوفها من ماضيها، ومن ثقل الموروث الأبوي، ولم تعاقب بها لا نفسها ولا والدها ولا مدينتها، بل رصدت واستبدلت أبراج المراقبة الفوكولية، أو عيون العملاق الذي يراقب في الميثولوجيا الإغريقية، بكاميرتها وآلة تسجيل الأصوات. زرعت الكاميرا ورصدت تأثير السلطة، وليس سلطة السلطة.

مشهد من «بانوبتيك»

«بانوبتيك» هي رسالة رنا عيد إلى والدها، رسالة ابنة إلى أبيها العسكري الراحل. ومن خلال هذه الرسائل الصوتية نغوص في باطن بيروت الحديثة، في تحليل متعمّق للبعد السري لبيروت. تروي لنا عيد قصتها مع والدها، وتحاول التصالح مع ماضي لبنان القريب، مع واقع بلد مصاب بالفصام ومليء بالتناقضات. لبلد ينسى نفسه من كثرة الصراعات، ولا يريد التعامل مع ماضيه. «بانوبتيك» هو حيث يلتقي صوت رنا بمشاهد المدينة، وبمعالمها الأيقونية والسرية، حتى إنّنا نغوص معها تحت الماء. سمفونية سمعية بصرية مع صوت رنا تتحدث عن والدها وأحلامها بشاعرية. رنا هي الفتاة الصغيرة التي اختبأت بالصوت، هي التي كانت تختبئ تحت لتهرب من فوق. هي التي خرجت من الملجأ في بلد لم يخرج إلى الآن من تحت الأرض. هي ليست المخرجة ولا مصممة الصوت ولا كاتبة السيناريو، هي ببساطة ابنة.
تجريبية ورمزية هي كاميرا رنا، فيها رهبة عسكرية ودينية وصوفية، تستخدمها باحثةً عن بنية بصرية لمناقشة الذاكرة. تبطِئ الصورة في بعض الأحيان في محاولة منها لوقف الزمن. هناك تباين متوازن في الفيلم، السطح وباطن الأرض، الحقيقة والسر. نسمع الذاكرة والماضي والأحلام ونرى الواقع والحاضر. الخطاب الموجه لوالدها هو خطاب بسيط غير متكلف، حلو ودافئ، واضح المشاعر وبلا جرح شخصي. جريئة رنا، تملك الشجاعة لإظهار ما يخفيه الآخرون، وتقول ما يمكن أن يتجنّب المرء قوله لنفسه. هي لعبة الحياة وتعقيد اللحظات. فيلم رنا هو كتواصل بشري مشترك يجمعنا، دمار مترافق مع ضغينة من ماض قريب قاس. سبحت في فيلمها على خريطة بيروت، هي ووالدها وبيروت... ثلاث شخصيات رئيسية، مدمّرة ومتعبة ولكل منها حكاية مختلفة. المكان هنا ليس ظرفاً عادياً، بل شخصية رئيسية في الفيلم (سجن الأجانب المخالفين، برج المر، فندق البوريفاج). وكلما غصنا في الشخصيات، نشعر بقوانين الجذب التي لا تنكسر.
مع بداية الفيلم، ندرك أننا أمام رحلة إلى أعماق إنسان من خلال صوته، من الآن فصاعداً، كل فصل وكل صورة هي محاولة للتنقيب داخل الذات والنفس البشرية أملاً في إيجاد المدفون. يعلو منسوب البوح، تتشعب الخطوط، تعانق القصة الرئيسية وتدمجها في محيطها البيروتي، هذا المكان الضائع بين الشرق والغرب. رنا تلقمنا التفاصيل، تجلسنا لتخبرنا حكايتها، بينما تقلب لنا المشاهد، بتروٍّ كبير. تجنّبت ببراعة الوقوع في فخّ العواطف الزائفة أو المبالغ فيها. جسّد الفيلم قصة علاقة معقّدة بكثير من السلاسة، محقّقاً توازناً نادراً بين الكثافة العاطفية والوضوح الفكري، وبين الشخصيات الغارقة في العاطفة وجدية المواقف. تقدّم رنا في هذا الفيلم العُقَد التي تقيّد مجتمعاً خانقاً ما زال يحضن أفكاراً بالية: الراحة البرجوازية، الخوف، نكران التغيير، العنصرية ورفض الأجانب أو الاختلاط بهم. إن الميلودراما الذي تخلقها رنا فذّة، تقوم على برودة متوازنة تغمر جو الفيلم الحسي بمناخ واقعي يطغى على العاطفي. هكذا نتمكّن من تغميس أنفسنا في القصة بطريقة متناغمة، مع تجنّب الانفعال العاطفي المبالغ. أرادت تقديم تفسيرات دقيقة للعواطف البشرية من دون زيادة العنصر الميلودرامي. لذلك تبدو أكثر مصداقية وواقعية، وهنا تكمن قوة الفيلم. صوّرت الجنس البشري ككائنات متناقضة جداً، ولكن تجمعها أمور كثيرة: الظلام الذي يكتنفها، الخوف، الحاجة إلى الراحة النفسية والحنان والموت. كل هذا يتم التقاطه من قبل المشاهد بكاميرا حقيقية، عميقة، فكرية، شاعرية، مجازية، وفوق كل هذا إنسانية، بل إنسانية بإفراط.

* «بانوبتيك» على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا