في إحدى لقطات التلاشي في هذه المتاهة، التي تمّ نسجها وفقاً لمنطق الحلم، تكمن جثة متعفّنة. غرقت في «بوربون» بؤسها، بلكنة لا تتناسب مع مظهرها الرومانسي الهشّ. يصف الفيلم ذلك الهبوط في دوّامة، نحو ذلك المظهر الأرضي للجحيم، الذي نطلق عليه اسم هوليوود، متنكّراً في زي ديني زائف. «مولهولاند درايف» (2001) الذي سيُطرَح هذا الأسبوع على نتفليكس، كابوس يستغرق ساعتين ونصف ساعة. فيلم يحمل الكثير من الرمزية والاستعارة. ديفيد لينش يتقن فن التعامل مع المشاهد الذي يعتبره دائماً المشارك الرئيس في اللعبة. يخلق هذا المخرج الأميركي عالمه الخاص، ويسجن المشاهد داخله. وفي «مولهولاند درايف»، يخلق الرعب ويحبسنا فيه من دون تبرير شيء في ساعات أبدية. فالكوابيس لا تحتاج إلى تفسير، و«مولهولاند درايف» كذلك.

قال باولو تشيرشي أوساي في كتابه «موت السينما» (2001) إنّ «السينما هي فن تدمير الصورة المتحركة». بطريقة ما، كل فيلم هو محاولة محبطة للسمو، سراب حلم منحوت من مادة قابلة للتلف. «مولهولاند درايف» في الأساس قصة حلم متعفّن. هي الرعب المجرد الذي يكمن في مخلوق يشبه كابوساً مختبئاً في زقاق. هو السر الذي يحفظ في مكعب متعدد المعاني. إنّه ميلودراما تقشعرّ لها الأبدان عن الحب والصداقات المغدورة. هنا، نجد أنفسنا مرة أخرى في فيلم فريد لديفيد لينش. «خلاصة صافية» تجمع أفضل وأسوأ ما في لينش. متاهة من الإثارة والأحلام والألغاز التي لا يمكن حلّها. نساء في خطر، كوابيس في وضح النهار، فكاهة سوداء، أجواء قاتمة، وشخصيات متطرفة. أفضل ما يمكن قوله عن «مولهولاند درايف» هو أنه سخرية القدر.

ميلودراما تقشعرّ لها الأبدان عن الحب والصداقات المغدورة


مخرج متطرف في فيلم متطرف، هنا يسود الهوس والجنس والعنف. كابوس مصمَّم ليكون فيلم إثارة غامضاً، ولغزاً قمعياً بشكل مزعج، ومضحكاً بشكل سخيف، ورائعاً باستمرار. لينش يبيعنا هنا جنونه. يجرفنا ببساطة نحو عربدة صورة. لا يمكن أن نكون ملخّصاً كتابياً عن قصة الفيلم، هو أحاسيس لا محدودة، لعبة مرايا غير مرئية، لا حياة فيها، ومع ذلك تأسر المشاهد، لأنّ لينش فنان بما يكفي ليعرف أن لا يهم ما هو المهم، لكن كيف يروي ذلك. لينش كان ولا يزال يفعل ما يريد وكيفما يريد، بغضّ النظر عن النقد والجوائز والمال والنجاح وحتى الفهم. جدير بالثناء لكونه غير مألوف في السينما الأميركية... هو الفنان الأكثر حرية.

* Mulholland Drive على نتفليكس ابتداءً من الأول من تشرين الأول (أكتوبر)



مشاهد «عين البطة»


«البطة هي واحدة من أجمل الحيوانات. وإذا كنت تريد دراسة البطة، فستلاحظ حينها الأشياء التالية: المنقار، يتميز بملمس معين وطول محدّد. الرأس أيضاً يأخذ شكلاً واضحاً؛ المنقار ناعم الملمس مع تفاصيل دقيقة، تذكّرك إلى حد ما بالساقين (الساق أكثر ليونة). الجسم كبير الحجم، ناعم، والبنية غير مجزّأة. النقطة الأساسية لجميع أنحاء البطة هي العين ومكان ارتكازها. كأنها تأخذ شكل الحجر الكريم، إذ وضعت في المكان المناسب تماماً لإظهار الجوهرة- تحديداً في منتصف الرأس، على مقربة من منعطف المنقار الذي يستقيم في المقدمة. لكن مع هذه المسافة الكافية تكون العين ضمن نطاقها الخارجي والمنعزل. وعندما تقوم بالعمل على إنتاج فيلم، يمكن أن تدرك المنقار، الساقين والجسد وكل شيء، لكن عين البطة هذه، هي المشهد الكامل والمؤكد، هي الجوهرة، وفي حال كانت هنا، ستكون رائعة جداً. إنها مذهلة بالفعل». (ديفيد لينش /الصورة)
رجلان يجلسان لتناول الطعام، يتحدثان بطريقة مهذّبة. واحد يتحدث عن حلمه، الذي هو كابوس في الواقع. والآخر يصغي إليه. يروي الأول كابوسه عن الرجل الشرير الذي يظهر واقفاً أمامه خلف هذا المطعم الذي يجلس فيه الآن. وكي يمنعا استمرار الكابوس، يذهبان للتحقق من صحة الأمر. وفي هذه اللحظة لا يمكننا معرفة ماذا سيحدث لاحقاً. قد لا يكون هناك شيء وكل ذلك مجرد أوهام، ولكننا نعلم بأن هذا الرجل موجود هناك أو هنا. وحين يطل برأسه من وراء الجدران، تنطلق لحظة الرعب في نفوسنا التي تعيش في توتر دائم وضياع طوال الفيلم. هذه نقطة الذروة التي يقوم لينش ببنائها في أول مشهد من الفيلم حتى نهايته. يدفعنا للإحساس بالرعب ونتساءل: هل كل ما نراه هو حلم أو حقيقة؟ هل ما نشاهده هو فيلم؟ كيف يمكن أن نصل الى الإجابة؟ هل نحن على يقين بكل ما يحصل أمامنا؟ لكن أتذكرون «عين البطة» التي تحدثنا عنها في المقدمة؟ هذا المشهد من فيلم «طريق مولهولاند» هو «عين البطة»... هذه العين التي ظهرت في التوقيت المناسب والمكان الصحيح.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا