«مواقع التواصل الاجتماعي هي مخدّرات». قد لا تكون هذه العبارة جديدة، إذ تطرّقت دراسات عدّة إلى «إدمان» البشر على هذه المنصات وتأثيرها على المخّ بطريقة مطابقة لموادّ مخدّرة، غير أنّها من بين خلاصات عدّة يتوصّل إليها The Social Dilemma (المعضلة الاجتماعية ــ 63 د ــ إخراج الأميركي جيف أورلوفسكي) في معرض محاولته «الشجاعة» التي لا تخلو من الشوائب لمعالجة شعورنا بالرضا تجاه رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism) والتأكيد أنّ فايسبوك وأخواتها لا تصنع «يوتوبيا». تغوص هذه الدراما الوثائقية في سلسلة من المخاوف المرتبطة بأداء عمالقة السوشال ميديا والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. من انتشار نظريات المؤامرة المتعلقة بفيروس كورونا (شبكات اتصال الجيل الخامس الـ 5G وغيرها)، والتأثير على الانتخابات والنشاط السياسي حول العالم، مروراً بخطاب الكراهية والعنصرية والأخبار الكاذبة وليس انتهاءً بأزمات الصحة النفسية ولا سيّما في صفوف المراهقين.

العمل الذي عُرض للمرّة الأولى ضمن «مهرجان صندانس السينمائي الدولي» في كانون الثاني (يناير) الماضي وأثار ضجة إعلامية كبيرة في الآونة الأخيرة بعد إطلاقه عبر «نتفليكس»، يفعل ذلك من خلال تجنيد عدد من الموظفين الكبار الذين قرّروا الخروج من وادي السيليكون والكشف عن التجاوزات والمفاسد التي تجري و«لم يعد ممكناً السكوت عنها»، شارحين سبب ندمهم على المشاركة في تأسيس منصات مثل فايسبوك وتويتر، باتت اليوم أدوات لـ «تدمير المجتمعات» وأمسى نموذج عملها تهديداً وجودياً لحيواتنا. وفيما يُصدم هؤلاء المشاهدون بسيل من المعلومات المُذهلة والواضحة التي تغيّر معادلات وقناعات كثيرة، يحاولون في الوقت نفسه شرح رؤيتهم لكيفية منع ذلك من الاستمرار. وبسرعة، يتم تجاهل الاعتقاد الشائع بأنّ هذه الشركات تبيع بيانات المستخدمين، للتشديد على استخدام البيانات في الواقع لإنشاء ملف تعريف نفسي متطوّر لكل شخص. أما ما تبيعه فعلاً، فهو قدرتها على التلاعب بالأفراد، أو كما قال أحد الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات: «إنّه تغيير تدريجي طفيف وغير محسوس في سلوكك وإدراكك. فالطريقة الوحيدة التي يكسبون المال من خلالها هي تغيير ما تفعله، كيف تفكّر ومن أنت».
طموح أورلوفسكي مثير للإعجاب حقاً: تقديم وصف مقنع ومصوّر لما يفعله بنا نموذج العمل الخاص بحفنة من الشركات. نية المخرج الموهوب واضحة منذ البداية: إعادة استخدام الاستراتيجية التي اعتمدها في فيلمَيْه الوثائقيَّيْن السابقَيْن حول تغيّر المناخ، Chasing Ice وChasing Coral، والتي لخّصها الناقد ديفيد إيرليش في موقع «إندي واير» بأنّها «تقديم لرؤية جديدة مُقنعة لموضوع مألوف مع إثارة الرعب في النفوس». وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، يعتمد أورلوفسكي نهجاً ذا مسارين. في البداية، يَجمع مهندسين ومديرين تنفيذيين «تائبين» للتحدّث بصراحة عن شعورهم بالذنب حول الأضرار التي لحقت بالمجتمع «عن غير قصد»، وشرح بعض من تفاصيل انحرافاتهم الخوارزمية. تفسّر هذه المجموعة للمشاهدين الفظائع التي تفعلها شركات رأسمالية المراقبة، كفايسبوك وغوغل، في حق مستخدميها. غير أنّ المشكلة في ذلك تكمن في أنّه عندما يصلون إلى النقطة التي نحتاج فيها إلى أفكار ومقترحات حول كيفية تصحيح الضرر ومنعه، يبدون غير متماسكين وتأتي إجاباتهم أقل من المتوقّع!

تسخّر هذه الصناعة علم النفس التطبيقي لاستغلال نقاط الضعف البشرية وتحقيق الربح


المسار التعريفي الثاني في الفيلم والذي يتشابك مع الجانب الوثائقي، هو سرد روائي متخيّل لعائلة أميركية عادية يتم التلاعب بأطفالها وإفسادهم بسبب إدمانهم على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه هي طريقة أورلوفسكي في إقناع المشاهدين غير البارعين بالتكنولوجيا بأنّ المادة التي يقدّمها ليست حقيقية فحسب، بل تُبرز أذى ملموساً لا بدّ من التنبّه إليه. يبدو هذا الجانب على قدر من الضرورة لأنّ أكبر صعوبة تواجه منتقدي الصناعة التي صارت الأضخم في العالم وتتعامل مع المستخدمين كفئران مختبر، هي شرح ما يحدث لهذه الفئران بينما يتم توجيه خياراتها باستمرار عن طريق المكافآت (في هذه الحالة مستويات الدوبامين المرتفعة) المقدَّمة عبر الهواتف الذكية التي يتحكّم بها القائمون على هذه الاختبارات.
إلى جانب أهمية المعلومات التي يوفّرها ودفعت البعض إلى وصفها بالـ «مبالغ فيها»، يؤكد الشريط أنّ التنظيم والقوننة أمران لا بدّمنهما، كما يقدّم عبر موقعه الإلكتروني (the socialdilemma.com) موارد للآباء، وإجراءات للمساعدة في مكافحة المعلومات المضلّلة، بالإضافة إلى طرق التسجيل في «مركز هاريس للتكنولوجيا الإنسانية» الهادف إلى تغيير الثقافة في صناعة التكنولوجيا وتشجيع السياسيين على التشريع.
لكن على الرغم من ذلك، فشل The Social Dilemma في التفسير الدقيق للمحرّك الذي يقود هذه الصناعة التي تسخّر علم النفس التطبيقي لاستغلال نقاط الضعف البشرية. يقتصر الأمر على المرور على الأكاديمية شوشانا زوبوف، العالمة التي أسمت هذا الأداء «رأسمالية المراقبة»، وهو عبارة عن «طفرة» من النظام الاقتصادي العالمي يستخرج التجارب البشرية من أجل إنتاج تنبّؤات قابلة للتسويق حول ماذا سنفعل أو نقرأ أو نشتري أو نعتقد بعد ذلك. لكن بحسب جون نوتون في صحيفة الـ «غارديان» البريطانية، معظم الناس يركّزون على «المراقبة» ويتغاضون عن الجزء الثاني من العبارة، أي «الرأسمالية»: «وهذا أمر مؤسف لأنّ نموذج العمل الخاص بالسوشال ميديا ليس في الحقيقة نسخة متحوّلة من الرأسمالية، بل إنه الرأسمالية بحد ذاتها القائمة على إيجاد واستغلال الموارد التي يمكن استخراج الربح منها. بعد نهب وتعرية العالم الطبيعي، تحوّلت الآن إلى استخراج واستغلال ما في داخل رؤوسنا». أما السؤال الغامض الكبير الذي يطرح نفسه، فهو: لماذا نستمر في السماح لها بالقيام بذلك، وهل بمقدورنا التغيير؟

* «المعضلة الاجتماعيّة» على نتفليكس