كانت خسارة الفلسطينيين لأراضيهم الصدمة التي شكلت هويتهم بعد عام 1948، سواء مَن نفيوا أو الذين ظلوا في فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي. خسارة الأرض طبعت حياة الفلسطينيين جميعاً، حتى الذين وُلدوا بعد النكبة. بالنسبة إلى فرويد، صدمة الخسارة هي التي تحدّد الهويّة بشكل أساسي. وبالنسبة إلى الراحل إدوارد سعيد، لا يمكن التفكير في الهوية أو تكوينها أو تخيلها من دون الانهيار والفشل الأول. لكن كيف يمكن للفلسطينيين أن ينتموا إلى هوية، وإلى فلسطين التي لم تعُد للفلسطينيين، ليس لأنّها انقرضت، دُمّرت بكارثة طبيعية، غرقت تحت الماء أو دمرها هجوم نووي تركها غير صالحة للسكن، إذ عندها سيظلون منغمسين في حزن جماعي وطني، وسيضطرون إلى الحداد على خسارتهم... بل لأنّها قد سُرقت وأخذت بالقوة ومُنع أهلها من استعادتها. على الرغم من الحداد، قاوم الفلسطينيون منذ عام 1948، لاستعادة ارتباطهم بالأرض وتجديد أسس هويتهم التي فقدوها بعد النكبة. هذا الارتباط والبحث عن الهوية يشكلان جوهر فيلم «عائد إلى حيفا» (1982 ــ موسيقى زياد الرحباني) للمخرج العراقي قاسم حول عن رواية غسان كنفاني بالعنوان نفسه (1969). تثير الرواية والفيلم سؤال الهوية، سؤال الإنسان، هل الإنسان ينتمي للحمه ودمه أم ينتمي لثقافته؟ أسئلة طرحها كنفاني في روايته وحول في فيلمه، كان من المبكر طرحها، لكنها كانت أساس الفكر الفلسطيني الذي يبحث عن هويته المفقودة، ففي النهاية «الإنسان هو قضية».

عام 1967 أتيحت للفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة حديثاً فرصة زيارة الأماكن التي طردوا منها عام 1948. سعيد (بول مطر) وصفية (حنان الحاج علي)، زوجان فلسطينيان طُردا من حيفا، يزوران المنزل الذي كان يوماً ملكاً لهما. مريم (كرستين شورن)، يهودية ناجية من المحرقة وصلت إلى حيفا مباشرة بعد التهجير وسكنت منزلهما. تسمح لهما بالدخول، هما العائدان أملاً باكتشاف شيء ما عن ابنهما خلدون (جمال سليمان) الذي تركاه في المنزل في أحد صباحات نيسان (أبريل) 1948 وكان لا يتعدى الخمسة أشهر. مريم وزوجها يتبنيان الطفل، ويعطيانه اسماً عبرياً: دوف هو الآن جندي في الجيش الإسرائيلي!

بول مطر وحنان الحاج علي في مشهد من الفيلم

كان يمكن للمخرج العراقي قاسم حول أن يحوّل رواية كنفاني، وما تحمله من أسئلة وجودية وفكرية جديدة نوعاً ما على الفكر الفلسطيني، إلى بروباغندا بكل سهولة. لكن ما قدمه المخرج هو مواجهة مؤثرة بين أشخاص متباعدين في الفكر، لكن يجمعهم بيت واحد وطفل ونزوح وهروب من الموت. العائلة الفلسطينية المظلومة تقابل أعداءها بحزن نبوي يفوق الغضب. لم تأتِ لاسترجاع ما هو ملك لها: «إخراجك من البيت يحتاج إلى نضال» يقولها سعيد. هما يبحثان عن ولدهما، الذي لم يعُد ملكهما أيضاً!
يمزج قاسم حول المشاهد المصوّرة بمشاهد وثائقية، يدخلها ببعضها، إلى درجة أننا لا نتمكّن من التفرقة بينها. يحوّل أحرف كنفاني إلى صور من دون كلمات. يرينا ويسمعنا صوت دعسات الجنود الإسرائيليين. صوت الساعة التي تدق مع كل ثانية مرّت وتمر خلال السنوات العشرين الماضية. أيدي الزوجين التي تظهِّر شعورهما من دون النطق بحرف. وجوه تفتقد إلى التعابير وشفاه تنطق بما هو أشد وأعمق من أيّ نظرة. صوّر قاسم حول ما كتبه كنفاني، بقي مخلصاً للرواية رغم صعوبة المطلوب. حوّل شمال لبنان (مكان التصوير) إلى حيفا، وميناء طرابلس إلى ميناء حيفا يوم النزوح. استطاع أرشفة غير المادي والغائب الذي يتعذّر الوصول إليه في أوقات الأزمات. جعل السكان ومشاعرهم ومشاكلهم يوم النزوح مرئية. ولا يمكن تجاهل الشبه (أو التأثّر) الكبير بين مشهد مذبحة المدنيين على درجات الأوديسة في فيلم «المدرعة بوتمكين» (1952) لسيرجي آيزنشتاين ومشهد النزوح في بداية «عائد إلى حيفا» ونهايته.
صوّر قاسم حول ما كتبه كنفاني عن جغرافيا مدينة حيفا، قبل أن تقع في يد القوات الإسرائيلية وكيف حُفظت في الذاكرة الفلسطينية أو على الأقل في ذاكرة سعيد، وكيف أصبحت بعد استعمارها خلال العقدين التاليين. سعيد وصفية عادا إلى حيفا، ليعيشا الصدمة من جديد. طوال الطريق في السيارة، يحاول سعيد الاستحواذ على حيفا والحفاظ عليها ومنع الصور وأسماء الطرقات الجديدة من أخذ مكان المدينة التي يعرفها والصور التي تختزنها ذاكرته عنها. هكذا، نشهد صراعه للحفاظ عليها وهو يسافر في السيارة وفي ذهنه من الحاضر إلى الماضي. بمجرّد وصوله، سرعان ما يُدرك أن حيفا ليست حيفا الماضي، ولا ينبغي أيضاً أن تكون حيفا المستقبل، وأنّ لا الأصول الجغرافية ولا البيولوجية هي حتميّة للفلسطينيين. فالمعادلة بالنسبة إلى سعيد «الإنسان هو السبب» والأصل في كل ما حصل ويحصل وسيحصل!
عندما دخل سعيد وصفية الصامتة منزلهما في حيفا، شهدا تحوّله وتفاصيله، حتى أعداد الريش الناقصة في المزهرية. أدركا بسرعة أن الحنين إلى ما كان عليه البيت في السابق ليس هو طريق العودة إلى فلسطين. لاحظا أن خلدون الفلسطيني، ابنهما الذي بقي في المنزل، هو في الواقع ميت. تناسخ خلدون بعد ذلك باسم دوف الإسرائيلي. فلسطين ليست فقط جغرافيا، ليست آثاراً تركها الفلسطينيون في مدنها ومنازلها. هي الآن هوية وحياة وأطفال سرقهم الصهاينة. الحنين يتحوّل الآن إلى إدراك ويقظة، ومعرفة وأسئلة وجودية وهوية مفقودة. هل هذان نفس الكرسيين اللذين بقيا في هذه الغرفة لعشرين عاماً؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس المعلقة على الحائط؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن؟ أسئلة أكبر بكثير من مجرّد دموع وذكريات وصدمة وحزن وحنين...
تأثّر بمشهد مذبحة المدنيين في فيلم «المدرعة بوتمكين» لسيرجي آيزنشتاين


في الرواية، يصرّح سعيد لصفية أنه كان نادماً على معارضته خطة ابنهما الثاني خالد للانضمام إلى الفدائيين، ويقول: «كنت أتساءل فقط. أفتش عن فلسطين الحقيقية. فلسطين التي هي أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم. وكنت أقول لنفسي: ما هي فلسطين بالنسبة إلى خالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ولا السلم، ولا الحليصة ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها، وبالنسبة لنا، أنت وأنا، مجرّد تفتيش عن شيء تحت غبار الذاكرة، وانظري ماذا وجدنا تحت ذلك الغبار... غباراً جديداً أيضاً! لقد أخطأنا عندما اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط. أما خالد، فالوطن عنده هو المستقبل، وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح. عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المغلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم إنما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصحّحون أخطاءنا، وأخطاء العالم كله... إن دوف هو عارنا، ولكن خالد هو شرفنا الباقي... ألم أقل لك منذ البدء إنه كان يتوجّب علينا ألا نأتي... وإن ذلك يحتاج إلى حرب؟» مقطع من الرواية يختصر الفيلم كله. بالنسبة إلى كنفاني، كان محتماً أن يموت خلدون، الذي يمثل ما كان يُعتبر ماضياً خالداً، بينما يعيش خالد، الذي يمثل مستقبلاً خالداً.
ببساطة وعمق وصدق كلمات غسان كنفاني، قدم قاسم حول الفيلم. وباحترام، قدّم فكر كنفاني الذي لا يزال راهناً إلى اليوم. وحوّل الفلسطيني من شخص يتحدّد بيولوجياً بالولادة لأبوين فلسطينيين إلى صاحب المبادئ التحريرية. فالصراع أكبر من صراع جغرافي، إنّه صراع أخلاقي يتعلّق بمفهوم العدالة. فلسطين يمكن أن تصبح إسرائيل بشطبة قلم، ويمكن أن يصبح الفلسطيني يهودياً أوروبياً بين ليلة وضحاها. ما قدمته الرواية والفيلم طريقة تسمح بالحنين إلى الماضي ولكن من خلال نبذ البكاء على الخسائر التي تُعتبر قابلة للاسترداد، ووضع هدف للمستقبل يرسم خطّة للتعافي، ليس من جغرافيا الماضي، لكن من جغرافيا الحاضر. ما قدمه الفيلم وكنفاني هو حنين ثوري لمستقبل كمبدأ تنظيمي، وليس ماضياً يمجّد الذكريات ويغرق في الفكر الانهزامي. «أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كلّه»

* «عائد إلى حيفا»: منصّة «مؤسسة الفيلم الفلسطيني»، إلى جانب أفلام أخرى ــــ www.palestinefilminstitute.org