قالت مايا ديرن (1917 ــــ 1961) مرة: «إن العمل الإبداعي يخلق واقعاً جديداً». ما قالته هو العامود الفقري لأعمالها الطليعية السينمائية، وخاصة فيلم Meshes of the Afternoon. رغم أن الفيلم (إنتاج 1943)، يشبه الأحلام من منطلق سوريالي، إلا أن بنيته الأنيقة والمكان المألوف الذي تدور فيه الأحداث يبدوان معقولين بل مقنعين. تنطلق ديرن من المكان المألوف إلى الحقائق الداخلية للفرد والطريقة التي يتطور بها العقل الباطن، ويفسر ويحوّل حادثاً عرضياً بسيطاً إلى تجربة عاطفية حرجة.

تعتبر ديرن رائدة السينما الطليعية. اهتمامها بالسينما يترافق مع اهتمامها بالرقص والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي. مثل جان لوك غودار أو سيرجي أيزنشتاين؛ لم تكن ديرن صانعة أفلام فحسب، بل أيضاً منظرة سينمائية. ترفض السرد باتجاه واحد والواقعية الفوتوغرافية والتقدم المنطقي للأحداث. تؤكد على التجربة والنظرة الأنثوية وتنشئ بنية شعرية للواقع المصوّر.
يعتبر Meshes of the Afternoon كرمز وأيقونة رئيسية للحركة التجريبية السينمائية الأميركية. ثماني عشرة دقيقة تسحرنا فيها مايا ديرن وزوجها ألكسندر حميد (الشخصيتان الرئيسيتان) في فيلمها الذي يعتمد على الميول السوريالية، في شكل جديد تماماً، للتعبير عن اللاوعي والانفتاح على الأحلام وعلم النفس.
تقول ديرن بأنه تم تصوير الفيلم كي تتمكن من حل شكوكها النفسية الخاصة. رغم أنها صنعته في الأصل كفيلم صامت، إلا أن زوجها الثالث تئيجي إيتو أضاف في عام 1959 موسيقى مستوحاة بشكل واضح من الموسيقى اليابانية التقليدية. مع هذا الفيلم، يبدأ حديث ديرن حول القضية النسوية والهوية بشكل عام. يعتبر الشريط من أول الأفلام التي توجد فيه شخصية نسائية تطرح تساؤلاتها الخاصة والعلاقة بين المرأة والرجل وهويتها الخاصة واللاوعي.
تقدم كاميرا ألكسندر حميد السينمائية شعور التنبؤ. المشهد الافتتاحي لذراع تنزل في منتصف الإطار لوضع زهرة على الرصيف، يقدم حالة من الغموض الذي ينمو مع تقدم القصة. تقترب البطلة (ديرن) من منزلها وتدخله وتجري مسحاً له، وتغرق أخيراً في كرسي في غرفة المعيشة لأخذ قيلولة بعد الظهر. تغفو وتبدأ ببطء بإدراك أن حلمها هو حقيقة واقعة. وبينما تنام، نراها تكرر هذه الرحلة مرات عدة، وتواجه منزلاً متغيراً بشكل متزايد في كل مرة. مايا ديرن امرأة مسجونة داخل المنزل، اختنقت بسبب الروتين المنزلي. تعاني من رؤى متعددة. تتحطم في شخصيات مختلفة، وتفشل في التمييز بشكل جيد. القيلولة ـــ حلم الواقع يمر أمامنا على الشاشة لثوانٍ معدودة في كل مرة. الظل الذي تلاحقه ديرن ليس له وجه أو هوية أو قوة محددة بوضوح. الظل.. المرأة نفسها، جوهرها الغامض، المجهول والألغاز التي تعود إليها باستمرار وتحاول اكتشافها. من بين أمور أخرى، ما أرادت ديرن إظهاره في هذا الفيلم هو أنّ لكل واحد منا واقعاً خاصاً يختلف عند النظر إليه من وجهات نظر متباينة.

* Meshes of the Afternoon على موبي