في «عصابات نيويورك» (2002 ــــ مارتن سكورسيزي)، نحن في نيويورك عام 1846 في منطقة «فايف بونتنس» الشهيرة وسيئة السمعة في مانهاتن. هناك معركة مريرة ووحشية بين عصابتين. الجزار ويليام كاتينغ (دانيال دي لويس)، الملقّب بـ«بيل ذا بوتشر»، يقود أولئك الذين يرون أنفسهم على أنهم «مواطنون أميركيون أصليون»، في حين أن «القس» فالون (ليام نيسون) يقود «الأرانب الميتة» أي المهاجرين من إيرلندا. مواجهة حاسمة أخيرة بين الزعيمين تردي فالون قتيلاً. بعد سنوات طويلة، يعود أمستردام (ليوناردو دي كابريو) ابن فالون الذي صار شاباً، إلى «فايف بونتنس». الآن الجزار بيل هو الحاكم المخيف يواصل محاربة الإيرلنديين. نجح أمستردام في إثارة اهتمام الجزار. لكن شيئاً فشيئاً، يكتشف هوية الشاب الحقيقية. ومع دنوّ الاضطرابات الاجتماعية والسياسية من المنطقة، تشتعل مواجهة مفتوحة ضد قاتل أبيه. القصة التي ذكرناها بسيطة نوعاً ما. خلال أول نصف ساعة من فيلم مدته ثلاث ساعات (خمس ساعات في الأصل)، يُكشف كل شيء تقريباً باستثناء تفاصيل صغيرة. مخاطرة قد تضرّ الفيلم أو تفيده. لكن مع مارتن سكورسيزي، تتحول البداية الكاشفة إلى فيلم ذي أبعاد أسطورية. تاريخ نيويورك يُكتب أمامنا (1846 – 1863). وإذا كان سكورسيزي قدم في «عصر البراءة» (1993) نظرة على الطبقة العليا في المجتمع النيويوركي في سبعينيات القرن التاسع عشر، فإن «عصابات نيويورك» يقع على الجانب الآخر من المدينة، بعيداً عن الأرستقراطية... هناك في المكان المكتظ بالمهاجرين الأوروبيين والأفارقة والآسيويين مع السكان المحليين المتعصّبين الذين يعانون من رهاب الأجانب. ونضيف إلى ذلك وضعاً اقتصادياً صعباً وغياب حدّ أدنى من الصحة العامة ووضعاً ضبابياً ناتجاً عن حرب الانفصال الوشيكة.

هنا نظرة سكورسيزي هي نفسها مثل نظرته في فيلم «عصر البراءة»: نظرة عالم أنثروبولوجيا، يدرس بصرامة سلوك مجموعة بشرية ذات خصائص معينة. نقول ذلك لأنّ سرد الفيلم الذي يخبرنا قصة تقليدية إلى حدّ ما عن الانتقام بين الأجيال، تميّزه فوق كل شيء إعادة البناء التاريخية للحظة دقيقة للغاية، وشخصيات تترك المدينة تسرد قصتها، وصورة مريرة عن الأصول الشاقة والقاسية التي تأسّست عليها «التفاحة الكبيرة».

* Gangs of New York على نتفليكس