القاهرة | بعد جولة استمرت ستة أشهر في المهرجانات الدولية والعربية بدأت بـ«تورونتو» في كندا، وانتهت بافتتاح مهرجان «أسوان لسينما المرأة»، مروراً بـ«مونبلييه» في فرنسا، و«ساو باولو» في البرازيل، و«قرطاج» في تونس وغيرها، انطلق العرض العام التجاري لفيلم «بعلم الوصول» (إخراج وتأليف هشام صقر) في مصر. ينتمي «بعلم الوصول» إلى ما يُعرف بالسينما المستقلّة، التي تحفر لنفسها هامشاً ضيقاً داخل السينما السائدة منذ حوالى 20 عاماً، لم تستطع فيها أن تهزّ عرش السينما التجارية أو تنافسها، ولكنها على الأقل استطاعت أن تثبت نفسها عبر مشاركات معقولة في المهرجانات العالمية، وجمهور محدود داخل مصر والعالم العربي.

بشكل عام، يتشارك «بعلم الوصول» مع معظم أفلام هذا الهامش «المستقل» بكثير من العناصر والملامح الفنية: قصة بسيطة عن شخصية عادية لكن أكثر حساسية ووعياً بذاتها من المتوسّط. واقعية الأماكن والحوار والتفاصيل، لكن مع بلاغة شعرية، حقيقية أو مفتعَلة، في التصوير وبعض الجمل الحوارية أو التعليقات الصوتية للشخصيات. سرد تأملي وإيقاع هادئ أو بطيء مع توليف (مونتاج) يهتمّ بالتفاصيل الصغيرة أكثر من الأفعال والأحداث الدرامية الكبيرة. تمثيل يقترب من روح الارتجال يختلف بوضوح عن التمثيل السائد في السينما التجارية. وفوق ذلك كلّه روح حزينة متشائمة ولو غلّفتها نهاية متفائلة أحياناً.
يدور الفيلم حول زوجة شابة وأم حديثة اسمها «هالة» (تؤدّي دورها بسمة)، تعاني من رغبة في الانتحار والاكتئاب. نعلم أنه أصابها عقب موت والدها الذي كانت تحبه ومرتبطة به أكثر من أمها دائمة التذمّر والشكوى.
تتفاقم أزمة هالة عند توقيف زوجها، رفل عبد القادر، الموظف في أحد البنوك بعد ارتكابه خطأ تسبب في اتّهامه باختلاس مبلغ مالي كبير. وتحت ضغط الظروف، تضطر للعودة إلى منزل أمها والعمل كمدرّسة للغة العربية.
في الوقت نفسه، لهالة صديقة واحدة، بسنت شوقي، جارتها في المبنى الذي تقطن فيه مع زوجها، تعيش مع والدها المريض الذي يحتضر، محمد سرحان، وتساعدها هالة أحياناً في البقاء مع الأب لغاية انتهاء الجارة من عملها، أو لقاءاتها المختلسة مع شاب تزوجته سراً.
تتقدم الأحداث ببطء، حيث تتعقد قضية الزوج الذي لا يستطيع إثبات براءته، ويموت والد الجارة. وفي بيت العائلة القديم تواجه هالة أشباح الماضي مع أمها وأختها المراهقة المتمرّدة الفنانة، كما كانت هالة في مثل عمرها. ووسط كلّ هذا اليأس، تكتشف هالة وجود رسالة من امرأة مجهولة تتحدث باسمها عن مشاكل تشبه مشاكلها، تعقبها رسائل أخرى على فترات متباعدة. هذه الرسائل تمثّل الجانب الشعري، الذي سبقت الإشارة إليه، وسط بناء سرديّ واقعيّ يهتم برصد تفاصيل الحياة في الأحياء الشعبية المتوسطة، وبالشخصيات والأحداث العادية.
الفيلم من تأليف وإخراج ومونتاج هشام صقر، الذي عمل مؤلّفاً و«مونتيراً» في العديد من الأفلام المستقلة. وشارك في كتابته ابراهيم البطوط، أحد رواد السينما المستقلة في مصر، وأول مخرج منهم يصنع فيلماً روائياً طويلاً هو «ايثاكا» أعقبه بفيلم «عين شمس» الذي فتح الباب أمام هذا التيار عالمياً. اختفى البطوط منذ أكثر من خمس سنوات مكتئباً ومنعزلاً، قبل أن يشارك ككاتب وممثل في أحد المشاهد، والفيلم بشكل ما يروي بعضاً من سيرته.
يتّسم أسلوب هشام صقر بالنفَس الهادئ، والاهتمام بعنصر التصوير بشكل خاص، والذي برع مدير التصوير مصطفى الشيشتاوي في إضاءته وتلوينه، وبالأداء الواقعي للممثلين، وقد أجاد صقر اختيارهم وتوجيههم واختيار الزوايا التي يلتقط من خلالها انفعالاتهم وأحاسيسهم.
أهم ما في هذه النوعية من الأفلام هو المزاج والشعور العام الذي يغلّف العمل ويعطيه معناه، وتلخّصه عبارة تقولها بطلة الفيلم هالة: «إزاي نقدر نعيش لما الفقد والعجز والظلم يبقوا أحاسيس ثابتة في يومنا؟!».
ومع أنّ الفيلم يركّز على شخصية هالة الموجودة في معظم المشاهد، إلّا أن الفكرة الرئيسية هي أنّ الموت والمرض والظلم تضرب الناس جميعاً، وأن البؤس والاكتئاب يغلّفان الحياة كلها، لكن في النهاية ينبغي أن نستمر وأن نحاول حتى لو لم يكن لمحاولاتنا جدوى.
عيب الفيلم الوحيد، في رأيي، هو بطء الجزء الأخير سردياً، حيث كان يحتاج إلى مزيد من الاختزال والسرعة النسبية، مقارنة بالجزء الأول. والمشكلة ليس سببها بطء الإيقاع أو سرعته، ولكن عدم التنويع والحركة داخل الإيقاع، فالعمل السريع يحتاج إلى إبطاء نسبي في بعض الأجزاء، وكذلك العمل البطيء يحتاج إلى التسريع في بعض الأجزاء، مثلما يحدث في الموسيقى، ويجب على المخرج أن يفكّر في عمله كمقطوعة موسيقية، تُعزف من خلال إيقاع اللقطات والمشاهد والدراما، وهذا هو ما ينقص العمل، وليس البطء بحدّ ذاته كما اعتقد البعض.
«بعلم الوصول» أحد الأعمال المصرية النادرة التي تُصنع هذه الأيام خارج منظومة السوق التي باتت لا تعرف سوى الأكشن والكوميديا، وتكاد تخلو من الأفلام الفنية التي كنا نراها حتى في أسوأ الأعوام والمواسم الفنية. لذلك هو يستحقّ التحية، والمشاهدة، مع الاحتفاظ بالملاحظات النقدية وأمل أن يصنع هذا المخرج الموهوب عملاً جديداً أفضل، وأن لا يلقى مصير الكثير من أبناء جيله الذين يجلسون في بيوتهم سنوات من دون عمل.
«بعلم الوصول» رسالة أمل مثل الرسائل التي تتلقاها هالة، تخفّف من كآبة الواقع السينمائي الذي يخنق أيّ إبداع أو تجديد أو خروج على السائد والمألوف.