طهران | اختتم «مهرجان الفجر السينمائي» بدورته الثامنة والثلاثين أخيراً بعدما شهد مشاركة خمسين فيلماً من أحدث إنتاجات السينما الإيرانية، وتنافس 23 منها على جائزة «العنقاء البلورية». اتّسمت هذه الدورة بأعمال عالجت مواضيع راهنة تتعلّق بالمجتمع الحالي الإيراني ومشاكله، والنساء والفتيات. وتألق فيلم «الشمس» للمخرج المخضرم مجيد مجيدي الذي نال جائزتي أفضل فيلم وأفضل سيناريو. شارك في الشريط ممثلون وممثلة غير محترفين من أطفال المهاجرين الأفغان الذين يعملون كبائعين جوالين في شوارع طهران وقطارات المترو، واحتفى المهرجان بهم.

وحصل «شجرة اللوز» للمخرج محمد حسين مهدويان على جائزة أفضل إخراج، كما جائزة أفضل ممثل لبيمان معادي. يقارب العمل الحرب الإيرانية - العراقية والغارات الكيمياوية في منطقة «سردشت» الكردية الإيرانية، من خلال قصّة رجل دمّرت الحرب حياته الهادئة والمليئة بالحب. عامل كردي بسيط يتعرّض مكان إقامته للهجوم الكيمياوي، ویصل نداؤه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي كمندوب للشعب الكردي الذي تحمل معاناة كبيرة خلال الحرب.
ونال «دابُر» للمخرج سعيد نجاتي الذي شاركت في كتابة السيناريو الخاص به فاطمة أشعري، جائزة أفضل فيلم قصير، علماً أنّه تطرق إلى موضوع يُعتبر من التابوهات في العديد من مجتمعاتنا، وهو بلوغ الفتيات. وبخطوته هذه، يكسر التابوه، ويتحدّث عن كيفية تصرّف الأب مع ابنته التي لا تعرف بدورها ما الذي حصل لها.
من أبرز ميزات أفلام هذه الدورة هو الحضور القوي للشخصيات النسائية كبطلات. عرض في اليوم الأول من المهرجان ثلاثة أفلام اشتركت في بطولتها النسائية: «ابتلاع ثلاث جرعات» للمخرج سامان سالور، و«قصيدة البقرة البيضاء» لبهتاش صناعي ها و«الذوق العام» لسهيل بيرقي، فيما احتل الرجال الهامش. يتطرق «ابتلاع ثلاث جرعات» إلى قضية سائدة بين الشباب اليوم، هي الإدمان، من خلال بطلته التي تضطر لبيع المخدرات من أجل إنقاذ حياتها وحياة زوجها المصاب بمرض في الدماغ. أما «قصيدة البقرة البيضاء» فيوجّه نقداً للنظام القضائي، من خلال امرأة فقدت زوجها إثر حكم خطأ للإعدام، لكنّها تدخل في قصة حب من دون أن تعرف، مع رجل أصدر الحكم على زوجها. ويأتي «أدب رخيص»، ليصوّر قصة امرأة في السابعة والخمسين، تبتعد في شكلها الظاهري عن النمط النسائي الإيراني القديم، إذ تتجه نحو البوتوكس والألبسة الشبابية، من اللباس الزهري وبنطال الجينز والشال الملون. امرأة ترغب بالعودة إلى الشباب، تدمن الأنستاغرام، وتدعو الشباب والشابات ليحتفلوا معاً بعيد الميلاد في ضوء موسيقى حديثة.
كذلك، تميّز المهرجان بحضور أفلام تحمل توقيع مخرجين مخضرمين، من بينهم إبراهيم حاتمي كيا ومسعود كيميائي. الأخير قدم فيلمه «نزيف» (خون شد) الذي يتعلّق بعلاقة زوجة ثانية بأولاد زوجها إضافة إلى ابنتها، وتقوم بتضحيات من أجل عائلتها. وقد قال المخرج عن الفيلم: «قصته بمثابة بيت قديم مطفأ نوره دائماً، ولا أحد يسكن غرفه. ثمّ يأتي أحد أفراد الأسرة ليضيء جميع الأنوار». يعتبر كيميائي من السينمائيين المخضرمين الذي اشتهر بمعظم أعماله، خاصة فيلمه الخالد «القيصر» سنة 1969. أما إبراهيم حاتمي كيا، فقدم «الخروج» عن مزارعين قرويين يبدأون رحلتهم من مدينة «دزفول» في الجنوب الإيراني إلى العاصمة طهران للحوار مع رئيس الجمهورية عن حقوقهم الضائعة. رحلة تستغرق شهرين ونصف الشهر يواجهون خلالها تحديات في الطريق. في الفيلم، يؤدي فرامرز قريبيان الذي عاد إلى السينما بعد غياب، دور رجل مصاب بالغازات الكيميائية خلال الحرب الإيرانية - العراقية، إضافة إلى ممثلين بارزين آخرين كجهانكير ألماسي ومحمدرضا شريفي نيا. يتطرّق حاتمي كيا هنا لموضوع الاحتجاج الذي برز في المجتمع الإيراني في السنوات الأخيرة، خاصة بعد احتجاجات سنة 2009، إضافة إلى الميل إلى الحوار بين الناس والسلطة. وتوقّع النقاد منذ البداية أن يكون الفيلم من ضمن الأفلام الأكثر ضجة وتحدياً في الأوساط الفنية.
مشاكل المهاجرين الأفغان في إيران طرحها «الموت في الماء الطاهر» للمخرج نويد محمدي. يصوّر الفيلم موضوع تهريب البشر والإتجار بهم، من خلال عدد من الشباب الأفغان المهاجرين الذين يحاولون السفر إلى أوروبا. لا ينحصر الفيلم في تصوير التصرّفات العدوانية تجاه الأفغان، بل يتطرق أيضاً إلى الشخصيات الإيجابية من الناس الذين يساعدون المهاجرين، كامرأة تساعد الفتيات الأفغانيات.

حضور قوي للنساء البطلات... وللمخرجين المخضرمين!


ومن الأفلام التي قاربت مواضيع اجتماعية راهنة «المسلخ» للمخرج عباس أميني الذي تطرّق إلى موضوع بعيد عن الكليشيهات، هو معاناة المجتمع الإيراني جراء أزمة العملة الصعبة، وارتفاع سعر الدولار، وأعمال التهريب الناتجة عن الأزمة، كتهريب اللحوم وقضية إدخال دولارات في الحقائب إلى البلاد، من خلال قصّة شاب طُرد من فرنسا، وتورط في جريمة من أجل والده. نيكي كريمي التي عرفت كممثّلة منذ بداية عملها في السينما، اتّجهت نحو الإخراج في السنوات الأخيرة. وبعکس السنة الماضية التي شارك في المهرجان أربع مخرجات، تعتبر كريمي المخرجة الوحيدة التي شاركت في مهرجان هذه السنة. في «آتاباي»، ظهرت كريمي كمخرجة ومنتجة، وصوّرت فيلمها في محافظة أذربيجان الغربية، وفي أماكن تاريخية كمزار شمس التبريزي في مدينة خوي. في هذا الشريط، عالجت موضوعاً اجتماعياً من خلال رجل أربعيني يدعى آتاباي، يعيش في أطراف مدينة «خوي» مع أبيه. وكان قد ترك دراسته الجامعية في فرع العمارة بسبب المشاكل النفسية الناتجة عن حبّه الفاشل في فترة دراسته، وعاد إلى قريته. يعتبر الفيلم الذي تتحدّث فيه الشخصيات باللغة الأذرية، دراما اجتماعية، وتحاول المخرجة من خلاله الدفاع عن حقوق المرأة ومعالجة موضوع الحبّ والميل إلى الحياة، حيث يدور الفيلم في الظاهر حول الأحداث المتعلقّة بآتاباي، إلّا أنّ أبطال الفيلم هم من النساء. وتعتبر قصّة «سباحة الفراشة» (جائزة أفضل فيلم في المهرجان وفقاً لآراء المشاهدين) لمحمد كارت، جديدة بالنسبة إلى الأفلام الاجتماعية الأخرى التي رأيناها في السنوات الأخيرة، لكنّها تقع في الإطار العام لـ «الخيانة» و«الغيرة». يتحدث الفيلم عن نار الغضب التي يحترق فيها هاشم بسبب نشر فيلم زوجته «بروانه» (بمعنى الفراشة) في المسبح، فيقدم على أفعال خطيرة توقعه في مأزق. يعالج الشريط ما يعانيه المجتمع الحديث عن عدم الثقة بالآخرين، ويعتبر فيلماً مهماً من عدّة أوجه، منها السيناريو القوي، والإخراج القوي، وخلق الشخصيات ومعالجة قضاياهم النفسية بشكل دقيق. لذلك، فهو فيلم مؤثر في المجتمعات الحديثة التي تنقصها الوحدة والتلاحم ولا يتحمّل الناس آراء معارضة لآرائهم ولا يعترفون بهويات مختلفة، إضافة إلى قضايا الضمير الفردي والاجتماعي ووقوع الشخصيات في أزمة الضمير.
وأخيراً، حاز فيلم «لا مكان للملائكة» لسام كلانتري جائزة أفضل وثائقي طويل. يتطرّق العمل إلى مشاكل أعضاء الفريق الوطني الإيراني لرياضة الهوكي للبنات، والمغامرات والتحديات التي يواجهنها في حياتهنّ، إضافة إلى تعقيدات ذهابهن إلى المباراة الآسيوية، ما يجعل أعضاء الفريق يقعن في ظروف نفسية صعبة.