«جوجو رابيت» ليس فيلماً للأطفال بالمعنى الحقيقي للكلمة، لكن يمكن مشاهدته من منظور طفولي. بهذه الطريقة فقط، يمكن للمشاهد أن يهمل بعض الترهيب والرعب المبسّط الذي يعيشه الطفل في الفيلم. وبهذه الطريقة فقط يمكن عيش عمقه العاطفي بالكامل. لا شك في أن تايكا واتيتي (يبدو كأنه لقب، لكن هذا اسمه الحقيقي، وهو مناسب تماماً لأسلوب أفلامه) المخرج وكاتب السيناريو النيوزيلندي، مؤلف بارع ومبدع بطريقة خاصة. أفلامه ساخرة بطريقة جدية مثل الموكومنتري* «ماذا نفعل في الظلام؟» (2014) المتوافر على نتفليكس. ولا شك أيضاً في أنّ الهجاء والسخرية في مقاربة مواضيع مثل هتلر والنازية ومعاداة السامية لعبة ليست سهلة، ليس لأنّه لا يمكن السخرية والضحك على هذه المواضيع (يمكن التنكيت على أي شيء في الحياة)، بل لأنّ الأهم هي الطريقة. فعلها تشارلي شابلن في «الديكتاتور العظيم» (1940) وميل بروكس في «المنتجون» (1967) وروبيرتو بينيني في «الحياة جميلة» (1997) وطبعاً كوينتن تارانتينو في «أوغاد مجهولون» (2009). «جوجو رابيت» ( أوسكار أفضل سيناريو مقتبس) ليس بجودة هذه الأفلام، ولا يحاول أن يكون كذلك. في فيلمه الجديد، قدم واتيتي نوعاً مختلفاً من الهجاء. هو ليس هجاء قاسياً أو أسود، بل هجاء مشتق من منظور طفل ساذج لا يشعر بالأمان، بفيلم يتحدث عن النمو المأساوي المبكر لأوانه، عن الوهم الصبياني لمفهوم البطولة.

لدى جوجو بيتزلر (رومن غريفن دايفس) hبن العشر سنوات شغف مختلف. غرفته لا تحوي صور نجوم السينما والرياضيين، بل صور أدولف هتلر. هو صبي صغير يعيش ويموت من أجل النازية، حتى صديقه الخيالي هو هتلر (تايكا واتيتي)، بسبب الايديولوجيا والبروباغندا التي زرعها النظام في رأسه خلال الحرب العالمية الثانية التي تدور حوله. جوجو لا يستطيع الانتظار لدخول «دويتشز يونغفولك» (**) حيث يتعلم كيفية «حماية بلده من اليهود». بعد فترة في مخيم النازية للتدريب حيث حصد لقب جوجو رابيت بسبب موقف مضحك، يجبر على العودة إلى المنزل بسبب حادث حزين، ليكتشف أن روزي والدته (سكارلت جوهانسون) تخبئ فتاة يهودية في المنزل.
هتلر في الفيلم ليس الفوهرر الحقيقي. بل إنّ الصديق الخيالي مضحك ومرح وساذج، لديه صفات طفولية حمقاء. لكنه مخلص جداً للمبادئ النازية الأساسية وصارم للغاية إزاء جوجو الذي يجب أن يحترمها وينفذها. أحد هذه المبادئ هي معاداة السامية، التي تتحول في خيال جوجو إلى رسم كاريكاتوري وحشي ولكن مثير للسخرية إلى حد ما. وفقاً له، اليهود لديهم قرون، وقدرة على قراءة الأفكار والسيطرة على العقل. الشيطان نفسه يتحكم بتفكيرهم ويظهرون في أشكال مختلفة رغم «أنهم قد يبدون مثل الإنسان، مثلك ومثلي». وهذه هي المعضلة التي تواجه جوجو عندما يلتقي بالفتاة المخبأة في بيته. عندها تتصارع الأفكار في رأسه بين ما يشاهده وبين ما يؤمن به وأقوال صديقه الخيالي.

السخرية في مقاربة مواضيع مثل هتلر والنازية لعبة ليست سهلة


طفولة جوجو تالفة بسبب التعصب النازي، لكنه لا يزال طفلاً. رغم الجحيم الذي يحدث حوله، هناك بالتأكيد مجال لكل المفاهيم الصبيانية الكوميدية، خاصة في علاقته مع الفتاة اليهودية التي لا يعلم عنها شيئاً باستثناء ما في رأسه، وعلاقته مع أصدقائه الحقيقيين. لهذا السبب، عندما تبدأ المأساة السوداء الحقيقية في حياة جوجو، تشكّل صدمة له. فالمدينة الألمانية التي يعيش فيها كانت حتى وقت قريب جميلة مليئة بالنازيين الشهيرين، لكنها فجأة استحالت رماداً ومكاناً لم يعد فيه النازيون شخصيات كاريكاتورية، بل وحوش يرسلون الأطفال بالأسلحة نحو الموت.
واتيتي تحمّل المخاطرة، قدم فيلماً غير مألوف، فيه سطحية وفي الوقت عينه إفراط في التفسير وتصوير مبالغ فيه للنازية، لكنه يقدم الإحساس المثالي لفيلم هجاء حربي فكاهي، بدراما إنسانية مع القليل من الرومانسية. ليس الكل مستعداً لتقبل فكرة أنّ ولداً نازياً قد يعلّم العالم الإنسانية، لكنه في النهاية طفل. الفيلم خيالي مثير للسخرية، يظهر قوة الحب الذي يحلّ كل شيء. ربما لم يصل واتيتي إلى مستوى السخرية التي حققتها أفلامه السابقة، لكن تصوير مأساة النازية في هجاء الأطفال، طريقة ذكية للغاية. ولهذا السبب، هو مثير للاهتمام ومؤثر يحثّ على الضحك بصوت عال.

*موكومنتري: الوثائقي الكاذب، هو فيلم يعمل على تقديم حياة حقيقية لكن بالفعل هي حياة خيالية، ويلجأ إلى تقديم موضوع جدي بطريقة تهكمية.
* دويتشز يونغفولك: منظمة شباب هتلر في ألمانيا النازية، هدفت إلى تلقين أعضائها الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 14 عاماً الإيديولوجية النازية. أصبحت العضوية إلزامية بالكامل للفتيان المؤهلين في عام 1939. بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبح بعضهم جنوداً أطفالاً.

* «جوجو رابيت»: حالياً في «سينما سيتي»