◄ «ابنة أبريل»
ميشال فرانكو (المكسيك)

بداية «ابنة أبريل» تعطينا صورة عن كيفية سير الفيلم. غموض وأسئلة تؤرقنا من المشاهد الاولى، حين نرى امرأة تحضر الفطور، وفي الخلفية صوت البحر وصوت شخصين يمارسان الجنس. مراهقة تفتح الباب، تغادر الغرفة، عارية، راضية وحاملاً. يلحقها شاب يأكل بيضة من المطبخ ويذهب. بضع كلمات تنطق وبعض الإيماءات القاتمة. هذا الهدوء الغريب ما هو إلا علامة على التفكك الأسري والعلاقة الغريبة التي تجمع أفراد الأسرة، وخاصة علاقة الأم بابنتها. غياب الأم ثم قدومها فجأة بالتزامن مع ولادة الطفل، سيحرّك النسيج العائلي المعقد. يتبع السيناريو السرد نفسه، مع إضافة مجموعة أكبر من الشخصيات. إلّا أنّ هناك أربعة أفراد سيتشاركون هذه القصة. نواة القصة هي الأم أبريل (إيما سواريز) شخصية تحمل معها مشاكل عاطفية معقدة، تؤدي بها إلى سلوك غير طبيعي ومختل. لقد حقق المخرج المكسيكي ميشال فرانكو خلال سنوات قليلة وعدد قليل من الأفلام، ما يمكن أن يأخذ سنوات طويلة لمخرجين آخرين لتحقيقه.


«ابنة ابريل» دراما معقدة عن أسرة مفككة

من خلال ما قدمه إلى الآن، استطاع أن يؤسّس لنمط سردي يسهل التعرف إليه. من خلال مهارته في إثارة أجواء مشحونة، يقدم في أفلامه معلومتين أو ثلاثاً، تاركاً سلسلة كاملة من الخطوط والأحداث المحتملة وسيكولوجية شخصياته تسرد القصة. في «ابنة أبريل» (2017) الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في مسابقة «نظرة ما» خلال «مهرجان كان السينمائي»، لم يبتعد فرانكو عن نمطه. قدم قصة مثيرة أخرى، دراما معقدة عن أسرة مفككة، متوّجاً الممثلة الإسبانية إيما سواريز ملكةً عليها. من خلال سيكولوجية شخصياته، يطور الفيلم نفسه، من خلال الشخصيات وتطوّرها البطيء، وجزء كبير منه ما هو إلا مقدمة طويلة لنتائج مفاجئة وغير متوقعة.
قوة الفيلم تكمن في أنّ فرانكو محايد في تقديم دوافع شخصياته. لا يرغب في فرض أحكام على سلوكياتها. وبالتالي من خلال طريقة السرد وتجميع القطع الناقصة التي تنكشف شيئاً فشيئاً، لا يمكن للمشاهد فرض أحكامه أيضاً، بل نجلس ونشاهد كيف يتطور كل شيء وكيف ينتهي. لا تخيّب الشخصيات ظنّنا بأنّ أفعالها ستتخطى المعقول في وقت ما. تعرف كيف تزعجنا من خلال تصرفاتها، ودائماً ما ننتظر ما يمكن أن تفعله أكثر أو كيف يمكن لحجم الدمار والتفكك أن يكون أوسع. أسلوب فرانكو القصصي يطرح تطوراً تدريجياً للتغيرات في عواطف الجهات الفاعلة الأربع: بعد استقرار الأم في المنزل، تبدأ بعرض حماقاتها المتزايدة، وظهور جنونها يزيد التوتر والمخاطر، خصوصاً للابنة التي وصلت للتو إلى الأمومة. فشخصية الأم تستحق الدراسة، كأنها تجلد نفسها، كأن وقتها قد انقضى، ولم تعد الشابة التي كانتها. ولأنه لا يمكنها إحياء الماضي، تأتي به إلى الحاضر بكل عواقب ما قد يحدث.
«ابنة أبريل» فيلم معقد، يرفع الاصبع الوسطى في وجه مفهوم الأمومة، مليء بالإشكاليات الأخلاقية والأسئلة حول معنى العائلة، تم تصويره بكاميرا هادئة نسبياً، وجامدة مثل الشخصيات، تسمح للإثارة بالتسلل بهدوء. مثل أفلام فرانكو السابقة، الشخصيات غير واضحة، لا تفسير مؤكداً وواضحاً لتصرفاتها، تغافلنا بأفعالها، تخدعنا بأفكارها، وتتصرف خلافاً لما هو متوقّع منها. تقفز من سلوك إلى آخر وتضع مع المخرج المسؤولية التحليلية على المشاهد.


◄ «باكورو»
كليبر فيلهو وجوليانو دورنيلز (البرازيل)

الدراما الاجتماعية السياسية في «باكورو» التي تبدأ كنظرة حميمة وغير واضحة إلى مجتمع متماسك في قرية تقع في الريف البرازيلي، تتحوّل تدريجاً إلى الإثارة حين يتجمّع أهل القرية للدفاع عنها ضد «الغزاة». فيلم المخرجين البرازيليين (جائزة لجنة تحكيم «مهرجان كان» 2019) الذي تم تقديمه بعناية مبتكرة وبأساليب إبداعية، يتّسم بوتيرة بطيئة في تقديم المعلومات، ما يسمح للمشاهد بالتفكير في كل شيء. بهذه الطريقة المنفذة ببراعة، يترافق الخط التدريجي مع انتقادات واضحة للنظام، واستعارات تشير إلى القوة الخفية للناس العاديين وتاريخهم.
«باكورو» هو اسم قرية خيالية في البرازيل في المستقبل القريب، لكن ليس فيها شيء يشبه المستقبل ولا حتى الحاضر. سرعان ما نعلم أن القرية مُحيت من جميع الخرائط الجغرافية، والهواتف المحمولة فيها لا تعمل، وأنها محاطة بسيّاح غير عاديين.

«باكورو» عمل خيالي مشبع بسينما الواقع مع انتقادات حادة للسياسة البرازيلية

هؤلاء هم مستثمرون أميركيون أثرياء، ينظمون عملية مراقبة ورحلة سفاري بقيادة شخص ألماني، لكن هدفهم ليس اصطياد الحيوانات إنما أهل القرية بمساعدة الحكومة. بذلك، ينظم سكان باكورو حملة دفاع عنها ضد الصيادين الأجانب. يمزج الفيلم الفانتازي بالواقع القاسي، ويفعل ذلك بطريقة دموية مثيرة للصدمة ومسلية في آن. تدور القصة مرات عدة حول محورها، لتتحول إلى عبث ممتع. على مدى ساعتين، يقدم المخرجان أنواعاً عديدة من الأفلام في فيلم واحد: اجتماعي وكوميدي وسياسي، خيال علمي ووثائقي ممزوج بعلوم الإنسان (الإنثروبولوجيا)، سايكاديلي مرعب وإثارة وويسترن.
الفيلم يتغير باستمرار، يغير وجهات النظر واحدة تلو الأخرى ويقلب التوقعات. الأمر متروك للمشاهد بمتابعة السرد ببطء. لا شيء مؤكداً، وكل شيء مفتوح على مفاجآت حتمية. لا يسعى المخرجان لإرضاء المشاهد، بل يتركان فيلمهما يتحرك بطريقة غريبة، تاركين للجمهور القبول أو النفور. يسعى الفيلم للحفاظ على القصة والمفاجآت، فلا بطل واحداً، بل القرية بكاملها، يستحوذ حوالى 20 شخصاً على مشهد واحد، ويلعبون أدواراً محددة لإفساح المجال لآخرين في المشهد التالي. ينتهي الفيلم من دون أن نتذكر أسماء معظم هؤلاء السكان، ولكن لا يهم، فالأساسي يكمن في وظيفتهم في ظلّ وضع اجتماعي سياسي دقيق.
يختار المخرجان هذه القصة لغرض معين: بدلاً من فيلم متشائم عن البرازيل، يقدمان عملاً خيالياً مشبعاً بسينما الواقع مع انتقادات حادة للسياسة البرازيلية التي تولي الثروة والأرباح والاستثمار على حساب الضمان الاجتماعي ومساحة العيش وحتى جثث البشر.

◄ «بفضل الرب»
فرنسوا أوزون (البرازيل)

خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» 2019 حيث حصد جائزة الدب الفضي، اعترف المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون بأمله بأن يشكّل فيلمه الجديد ضغطاً على القضاء الفرنسي. لكنّه كان يشك في النتيجة السريعة لهذا الضغط. «بفضل الرب» قصة حقيقة حدثت في فرنسا بين أعوام 1986 و1991. هو إدانة لجرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي في الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. الهدف الرئيسي هو الأب برنار برينا، الذي اعتدى جنسياً على 80 قاصراً خلال هذه الفترة في مدينة ليون، إضافة إلى الكاردينال فيليب بارباران الذي كان دائماً على دراية بهذه القضايا وترك الأب لسنوات في مكتبة وفي اتصال مباشر مع الأطفال.

«بفضل الرب» يقدم اعتداءات رجال الدين على الأطفال

يحكي الفيلم القصة الحقيقة لالكسندر (ميلفيل بوبو) الذي قرر الخروج عن صمته بعد ثلاثين عاماً، وقرر بعث رسالة إلى الكاردينال بارباران (فرانسوا ماثوريت) المسؤول عن ابرشية ليون، ليؤكد له على تديّنه أولاً، مروراً بقصته عندما كان طفلاً في الكشافة وصولاً إلى اعتداء الأب برينا عليه. تعاطفت الكنسية معه، لكنها لم تتّخذ أي إجراء بحق الأب حتى بعد اعترافه، وترك منصبه. حينها قرّر الكسندر الذهاب للشرطة والبحث عن الضحايا الآخرين. ولكثرتهم يؤلفون جمعية وتبدأ بعدها المحاكمات التي كانت انتهت أوائل عام 2019 (بعد عرض الفيلم).
يركّز المخرج الفرنسي على الضحايا الذين عانوا لسنوات، في فيلم يمكن أن يكون بمثابة دراما عائلية عن الآثار النفسية التي أصابت الضحايا وكفاحهم للعدالة ولو بعد سنوات طويلة. بناء على الأحداث الحقيقية، يدين أوزون الكنيسة بفيلم رصين كوثيقة درامية، يقدم فيها العديد من القصص المروعة الذي مارسها رجال الدين على الأطفال من دون إخفاء الحقائق، بل بإخفاء بعض بيانات الضحايا احتراماً لخصوصيتهم.
بواقعية محكمة، أدان اوزون التسلسل الهرمي الكنسي القادر على إخفاء الحقائق والجرائم، وهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. ولكن يبقى السؤال: هل يمكن للسينما أن تكون قوة تسهم في مكافحة هذه الجرائم؟ الجواب لا يزال كلا. تعرض الشريط للنقد من قِبل الكنيسة قبل عرضه وخلاله، والأهم أنه حتى هذه الشهادة السينمائية لم تكن كافية للقضاء الفرنسي لإرساء العدالة، فنتيجة المحاكمات جاءت مخفّفة.

◄ «جسد المسيح»
جان كوماسا (بولندا)

يقدم المخرج البولندي جان كوماسا في فيلمه الروائي الثالث الذي شارك في «مهرجان البندقية» الأخير والمرشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، قصة غريبة حدثت بالفعل. محكوم سابق أصبح كاهناً في أبرشية، ولم يتم اكتشاف ذلك إلا بعد ستة أشهر أظهر فيها «الكاهن» تفانياً في مهمته وإيماناً أكبر من الكاهن الحقيقي السابق. داني دانيال (بارتوز بيلينيا) شاب يبلغ 20 عاماً، وجد نفسه في تحول روحي أثناء قضاء مدة عقوبته في أحد مراكز الاحتجاز بسبب جريمة قتل. يرغب دانيال في أن يصبح كاهناً، لكن هذا مستبعد بسبب سجله الجنائي. لدى مغادرته المركز، عُيِّن للعمل في ورشة نجارة في بلدة صغيرة. لكن عند وصوله، لبس ملابس كاهن، واكتمل الخطأ عندما اعتقد السكان أنه الكاهن الجديد.

«جسد المسيح» ليس ضد الدين بل ضد الدوغمائية

يصبح ظهور هذا الواعظ الشاب الكاريزماتي فرصة لمجتمع اهتز بمأساة وقعت قبل وقت قصير للبدء في تضميد الجراح. رغم طريقة التبشير التي أثارت جدلاً كبيراً لدى السكان، إلا أن جاذبية الكاهن الكاذب بدأت بإلهام الجميع مع مرور الوقت. اللغة السينمائية في «جسد المسيح» قاسية كما هي واقعية. وهذا بالطبع يحدد لهجة هذه القصة. يقدم كوماسا دانيال كشاب استغل فرصة عن طيب خاطر، فغيّرت حياته إلى الأبد. مع بدئه بالتبشير، يمنحنا المخرج انعكاساً وعمقاً مثيراً للإعجاب ويأخذنا بعيداً وعميقاً. دانيال الذي يشعر بالارتباك ولكن الواثق من نفسه، يبدأ بالاستماع إلى اعترافات سكان القرية. ومن هناك نسمع الأسرار والكوارث التي ستكون جزءاً مهماً في الفيلم.
ما يكتشفه دانيال في المجتمع ومشاكله وتقديم الحلول له، يمهدان الطريق لنا لتطوير الأسئلة التي تعطي الفيلم المادة الحقيقية للسرد. ليس هناك مواجهة بين الخير والشر (رغم أنّ ذلك يحدث داخل شخصيات عدة) وليس هناك إثارة أو ترقب في انتظار فضح أمر دانيال. التركيز الأساسي هو فقط على الإطار المجتمعي لسكان القرية ومشاكلهم. هنا تبدأ الأسئلة بغزو فكرنا: أسئلة عن النفاق، فهل يمكن أن يكون المجرم والكاذب مسيحياً أكثر من ربة منزل مؤمنة تقليدية؟ عن المغفرة والشعور بالذنب والخطايا، فمن يستحق المغفرة؟ ستراودنا أسئلة أيضاً عن أساس الخطيئة، فهل ينقذ حاضر دانيال ماضيه؟
الحادث المروري الذي يسبب أزمة وتوترات وعداء في القرية، يكون العامود الفقري للقصة. هذه الكارثة مع الكارثة الدينية التي يجسدها دانيال، هما أهم عناصر الفيلم. فهل نستحق جميعاً المغفرة؟ شخصية الكاهن الجديد غريبة بالنسبة إلى المجتمع «المتدين»، فهو يقدم نفسه ككاهن غير ملتزم، يشرب البيرة ولا يرفض ملذات الجسد. يقدم الخطب على وقع موسيقى الراب، ولديه وشم على جسده. فهو فقد عذابه الداخلي ويعرف الحياة تماماً لأنه عاشها. بهذا، أعاد الكاهن الجديد الجسر بين الدين والمؤمنين.
يقدم المخرج البولندي فيلماً ليس ضد الدين بل ضد الدوغمائية، ضد دين متصلب. فالأعمال «الصالحة» لأنها لا تؤدي دوماً إلى نهاية جيدة. جعلنا نتخبط بشكل مأساوي في حقيقة الأديان والتطرف والتصلب. تركنا مع دانيال وسكان القرية في دائرة وأغلقها وتركنا في طريق أسئلتنا التي لم تنتهِ بعد.