خلال 88 يوماً فقط، تغيّرت حياة ريتشارد جويل بشكل مصيري. سارع الصحافيون والإعلام إلى تحويله من بطل إلى مجرم! تدمّرت حياة جويل بسبب خرافات رواها مكتب التحقيقات الفيدرالي ووسائل الإعلام. طبعوا الافتراضات كحقائق وعلّقوا مشنقته في الأماكن العامة، بعدما أنقذ مئات الأرواح. قصة جويل ليست عادية، والأسطوري كلينت ايستوود ليس بسينمائي عادي (مخرج، ممثل، منتج). ما زال يجلب إلى السينما قصصاً حقيقية، يصارع فيها الجميع، ينتقد الإعلام والمؤسسات الحكومية والفيدرالية، ويتعرّض للنقد في المقابل. يصرخ «كفى» كما صرخ بوب ديلان قبله في أغنية «إعصار»: «لا أستطيع إلا أن أشعر بالخجل بالعيش في أرض حيث العدالة مجرّد لعبة».

من مقال «كابوس أميركي: قصة ريتشارد جويل» الذي كتبته ماري برينر في مجلة «فانيتي فير»، جمع ايستوود وكاتب السيناريو بيلي راي القصة الحقيقية لريتشارد جويل (بول ووتر هوزر). جويل رجل يعشق الأسلحة، محبط بسبب عدم تمكّنه من دخول كلية الشرطة، يعيش مع والدته بوبي جويل (كاثي بيتس)، ويعمل كحارس أمن في «سنتينيال أولمبك بارك». خلال أولمبياد أتلانتا عام 1996، اكتشف حقيبة مليئة بالمتفجرات فنبّه الشرطة لوجودها، وأنقذ حياة كثيرين كانوا يحضرون حفلة موسيقية هناك في تلك الليلة. لكن تحوّله إلى بطل، لم يدم إلا ساعات لأنّ صحيفة «أتلانتا جورنال كونستيتيوشن» نشرت فوراً أنّه في الحقيقة المشتبه فيه الرئيسي في مكتب التحقيقات الفيدرالي.
فيلم ايستوود يلعب على خيوط عدة: حياة جويل الخاصة، عمله السابق والحالي وكفاحه من أجل تبرئة نفسه من تهمة الانفجار، إلى القضايا الذي رفعها لاحقاً بمساعدة محاميه غريب الأطوار (وربّ عمله السابق) واطسون براينت (سام روكويل)، والتحقيق الذي تضمن بعض الضغوط وأساليب غير شفافة مارسها المسؤول عن القضية في مكتب التحقيقات الفيدرالي توم شاو (جون هام)، والتسريبات والأساليب التي «تتناقض مع أخلاقيات المهنة» (أثارت جدلاً سينمائياً وصحافياً في أتلانتا وفي هوليوود بعد عرض الفيلم واتّهام ايتسوود بتشويه الحقائق) التي لجأت إليها الصحافية كاثي كروجز (أوليفيا وايلد).
بفيلمه الجديد، يكشف ايستوود خطورة الحكم المسبق عبر اتّخاذ حادثة وقعت في الماضي من أجل تأمل مرارة الحاضر وسواده. مهارة ايستوود السينمائية تظهر في نقل قصة حقيقية (جميع أفلامه الحديثة هي قصص حقيقية) من دون الوقوع في مطبات «السنتمالية» في أنماط السير الذاتية التي تُستخدم لاستدراج العاطفة. بل على النقيض من ذلك، قدم فيلماً واضحاً على شكل رحلة مألوفة حميمية بشكل موضوعي. في الحقيقة، حالة ريتشارد جويل تشكل انعكاساً لمكان «البطل» في المجتمع الأميركي (هذا الرجل العادي في خضم الظروف الاستثنائية)، والمؤامرة السائدة من قِبل الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام التي هي على استعداد للتلاعب بكلّ شيء من أجل الحصول على نتيجة مصممة خصيصاً لاحتياجاتها. كل هذا يكشفه ايستوود بصلابة سردية معتادة، بتلك الكلاسيكية غير القابلة للانكسار.
يقع فيلم ايستوود الجديد ضمن النظام الايكولوجي لفكر المخرج. يعدّ «ريتشارد جويل» تطوراً آخر حول القضايا التي يتعامل بها المخرج الآن أكثر: موضوع الفرصة الثانية. أيضاً، هو استكمال لفيلم «سولي» (2016) الذي شرح فيه قصة حقيقية لطيار أميركي تحول من بطل إلى متّهم أمام الرأي العام. هنا جويل رجل غريب، عاشق للبندقية وهاجسه حماية الأمة، لكنه أيضاً ساذج. يهتم المخرج بشدة بتناقضات هذه الشخصية التي تمثل اليمين الأميركي، ويمكن أن نضمّ معها شخصية «جي أدغار» (2011) أو كريس كايل «القناص الأميركي»... شخصيات وأفلام ليست تقدمية ولكنها أكثر موضوعية من الكثير من عناوين هوليوود التي تزعم أنها يسارية.
أفلام ايستوود نادرة، أو يمكن أن نقول إن طريقة سرده المثالية من خلال النظر حصرياً إلى الشخصيات أصبحت نادرة، في عصر باتت فيه شركات الإنتاج تلزم المخرج منح أسلوب ونوع محدّد لكل فيلم. ايستوود من صنّاع الأفلام التي تروي القصص بطريقة كلاسيكية. يعمل كحامي لهذه الطريقة التي دخلت في طور الانقراض. ايستوود يعرف وظيفته تماماً، ويدرك كيف ينقل قصة حقيقية لرجل بسيط يصارع الظروف، وينتقل من بطل إلى شرير بنبضة قلب بسبب تناقضات المجتمع. كل شيء في أفلام الأسطورة مبني على البساطة الشديدة، يتبع القواعد ويقدم فيلماً جميلاً يختلف كلياً عما يظهر في هوليوود حالياً. المضايقات الذي يتعرض لها ايستوود وما زال بسبب فيلمه الجديد من قبل وسائل الإعلام، كانت فعالة بشكل إيجابي (في شباك التذاكر)، لكننا نعرف جيداً كيف يتعامل ايستوود مع من يتحرشون به وبأفلامه. يقدم دائماً أفلاماً مليئة بالحقيقة بموهبة سينمائية عظيمة.

يهتمّ المخرج بتناقضات هذه الشخصية التي تمثل اليمين الأميركي


«ريتشارد جويل» فيلم حول شخصية وواقع مثير، يشكّل انعكاساً لما تبدو عليه الحياة والمجتمع والقوانين وكيفية التلاعب بها، وينتهي بنا الأمر إلى التأثر بما نشاهد لأنه يحمل أفكارنا ومخاوفنا من مجتمعنا ونظامنا القانوني والطريقة التي تتعامل بها مكاتب التحقيق ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة في بحثها عن «سكوب» بغضّ النظر عن أي شفافية أو موضوعية.
يعتمد الفيلم على مقدمة رائعة تحدد شخصياته الرئيسية في غضون دقائق، ومن هناك تدخل القصة وتمتزج الشخصيات الباقية بسلاسة، في لهجة درامية وكوميدية سقطت أحياناً في نتوء الميلودراما. حافظ الفيلم على دقته طوال الوقت وكان ايستوود واضحاً إلى جانب قناعاته السياسية بأن الفيلم هو تعليق على الشؤون السائدة في العالم. من خلال قضية جويل، يبدو أنّه يجيب على سؤال حول كيفية وصولنا إلى القاع. ولا يشكك فقط في الصحافة (شوهدت أخيراً في السينما من منظور إيجابي)، لكنه يشكك أيضاً في المؤسسات الأمنية بسبب عدم قدرتها على تحمل الضغوط الممارسة عليها، وعدم التأني خلال التحقيق في قضية أولئك «المذنبين» بشيء ما. الفيلم دائماً على حافة السخرية بسبب الشخصيات التي تقارب الكاريكاتورية، وهذا ما ساعدنا على فهمها أكثر لأنّه رغم غرابة ما يحدث، إلا أنه حقيقي إلى درجة كبيرة. تماماً مثل الكاريكاتور، لكنه رسمة كاريكاتورية صلبة وحاسمة تظهر فيها خيبة الأمل، لكن بالتأكيد لا يزال ممكناً العثور على الضوء في نهاية النفق.

* «ريتشارد جويل»: حالياً في الصالات اللبنانية