كما في كل سنة مع بداية موسم الجوائز والترشيحات، نلاحظ هيمنة بعض الأفلام وبدء حصدها الجائزة تلو الأخرى. بعض هذه الأفلام يستحق هذه الترشيحات والجوائز، وبعضها الآخر يأخذ من درب أعمال تستحق أن تكون ممثّلة بشكل أكبر. في الجزء الثاني من هذه السلسلة، سنتحدث عن فيلمَين: الأول بدأ يحصد الجوائز الكبيرة باستحقاق على الرغم من بداية عرضه في أواخر 2019 وتجارياً في لبنان الأسبوع الفائت. أما الثاني، فقد عُرض في «مهرجان كان» الأخير، لكننا لا نراه كثيراً على قوائم الترشيحات. مع ذلك، هو من أهم وأفضل الأفلام التي شاهدناها في 2019، ولا يمكن ألا يكون في لائحة أفضل أعمال العام.


1917 ـــ سام منديز (إنكلترا)
كيف يمكن أن نجعل أهوال الحرب مفهومة؟ أو بطريقة أخرى كيف نصوّر فظاعة الحرب؟ استُخدمت السينما على مرّ التاريخ كأقوى لغة لوصف هذا الرعب المتكرّر حتى يومنا هذا. في بعض الأحيان، قدّمت لنا الشاشة الكبيرة قسوة لا تُصدق، وهيمنت أحياناً الوطنية، وفي أوقات أخرى، لم يكن ما قُدّم مفهوماً. رأينا الحرب بعيون جنود روس في فيلم «الصعود» (1977) للروسية لاريسا شبيتكو، وبعيون أطفال في «طفولة إيفان» (1962) لأنديه تاركوفسكي وفي «تعال وانظر» (1985) لإيليم كليموف. رأينا صدمة وشعرنا ذعر أولئك الذين يدخلون المعركة في «إنقاذ الجندي راين» (1998) لستيفن سبيلبرغ. شاهدنا أيضاً الانهيارات الجسدية والنفسية والهلوسة للذين يفقدون السيطرة على أنفسهم في «القيامة الآن» لفرانسيس فورد كوبولا. سمعنا قوة صفارة كيرك دوغلاس في الخنادق في «دروب المجد» (1975) لستانلي كوبرك، وصراخ الجنود في «بلاتون» (1986) لأوليفر ستون. تأكدنا من أهمية الدقائق في «دنكيرك» (2017) لكرسيتوفر نولن. أمّا بالنسبة إلى فيلم الحرب العالمية الأولى الجديد «1917» (2019 ـــ طُرح الأسبوع الماضي في الصالات اللبنانية)، فقد اختار المخرج الإنكليزي سام منديز مقاربة خاصة للغاية. جمع كلّ ما سبق في لقطة واحدة، وشاركنا في الحرب كأننا فيها، وأخذنا في رحلة سباق مع الزمن عبر خنادق فرنسا في تحفة بصرية نادرة.

في «1917»، يقف المصور السينمائي العظيم روجر ديكينز وراء الكاميرا

تركّز قصة «1917» على جنديين بريطانيين في مهمة مستحيلة خلال الحرب العالمية الأولى. بعث رسالة مهمة لرفاقهم على جبهة ثانية لمنعهم من الهجوم وإنقاذهم من كمين نصبه الألمان. لم يعد أمام سكوفيلد (جورج ماكاي) وبليك (دين تشارلز تشابمان) أي خيار سوى عبور الخنادق والمناطق المحرمة لإيصال الرسالة. قصة بسيطة ومباشرة، ولكن الأهم هو كيفية السرد. عبر المناظر الطبيعية المدمرة والمخابئ القاتمة وأنقاض عالم مشتعل، لم يستغرق الأمر طويلاً لنغرق في رماد وجمر ساعات قليلة من عام 1917. بمجرد دخول الجنديين إلى الخنادق، يركضان عبر متاهة لا مفر منها. الاثنان لا يستطيعان العودة. بدلاً من ذلك، يدفعان بخطواتهما أعمق في ظلام الحرب حيث يتربص الموت في كلّ زاوية. اللقطات التي تتسلل إلى المشهد الفردي بسبب الحركة الأبدية للكاميرا، مرعبة. الحطام والجثث على طول الطريق. فقط الأسلاك الشائكة تبدو على قيد الحياة في هذا العالم الموحل القاتم ذي المستنقعات الذي يغرق فيه الجنود.
قدّم مخرج فيلم «الجمال الأميركي» (1999) أسلوباً ليس بجديد بالنسبة إليه. فقد شاهدنا هذه الشعوذة والحركة البهلوانية للكاميرا في آخر أفلامه وأحدث عنوانين في ملحمة جيمس بوند «سكايفول» (2012) و«سبكتر» (2015). لكن في «1917»، قدّم قصة حرب من دون أعمال بطولية، صوِّرت بلقطة واحدة (في الواقع هي لقطتان لأنّ هناك قطعاً أسود في منتصف اللقطات التي توقف فكرة الوقت الحقيقي) بمنظور الشخص الأول (كألعاب الفيديو)، ما يحوّل الحرب إلى تجربة مباشرة نشعر بها تحت الجلد. قرار منديز ينطوي على مخاطرة، ففكرة اللقطة الواحدة لفيلم قد يكون خائناً للغاية لأنّه بهذه الطريقة يكون الجدال والخلاف الأبدي قائماً بين المادة والشكل، وأي منهما سوف يطغى على الآخر. هذه المخاطرة تكمن في انتظار فشل حركة الكاميرا (الشكل) في استمراريتها مع القصة (المادة). لكن في «1917»، كانت طريقة التصوير استثنائية، بخاصة أن وراء الكاميرا يقف المصور السينمائي العظيم روجر ديكينز. حمل الأخير الفيلم على أكتافه كما حمل الكاميرا بيديه، ليقدّم أفضل فيلم بطريقة اللقطة الواحدة بلا شك، لأنّ طريقة التصوير كانت تتماشى تماماً مع الإحساس المباشر والوحشي المتمثل في إيصال محنة المقاتل في الوقت الفعلي من دون راحة، سواء كان ذلك في الخنادق الضيقة أو بين أسوار الأسلاك الشائكة أو داخل الحفر أو بين أنقاض المدينة وعلى منحدرات النهر. القصة واضحة، وما يهم هو تجربة الرحلة وطريقة السرد التي خدمت منديز لتعكس الحرب من دون ملحمة ومن من دون أبطال ولا أشرار، ومن دون معارك كبيرة وتفجيرات.
سام منديز قدم قصة حرب بلا أعمال بطولية، صوِّرت بلقطة واحدة


لا يمكن الكفّ عن الحديث عن التخطيط وطريقة التصوير المبهرة، اللذين يحدث 90% منهما في الهواء الطلق. على الرغم من أنّ هناك بعض الخدع البصرية والضوئية غير المحسوسة، فإنّ معظم الضوء الذي نراه في الفيلم هو ضوء طبيعي يعتمد على عناصر خارجية مثل الطقس. ديكنز وفريقه يستأهلان نصباً تذكارياً، لأنّ جهدهما عملاق وخارق. فهو عملياً لا تشوبه شائبة، حتى الشخص الضليع في التصوير سيسأل نفسه في بعض اللحظات كيف تم تصوير لقطة ما. نحن في انغماس تام في الفيلم، تطارد الكاميرا الشخصيات، تحيط بها، تجلس معها، تركض معها وتلاقيها في الجهة الثانية. تنتظرها مرات وتغوص معها في الماء مرات أخرى. لا يمكن تجنب الإشادة بالإنتاج المتميز للفيلم. نضيف المزيد من العناصر لأنها مساهمة في نجاح الفيلم: موسيقى توماس نيومان، الذي منحنا صرخة رعب، وفي أحيان تشعرنا موسيقاه بالأحاسيس الخانقة. كلما ازدادت الخطورة تبدأ الموسيقى. أمر بسيط ولكنه فعال بشكل لا يصدق. الأدوار الثانوية لكبار الممثلين الذين يشبهون شذرات ذهب صغيرة في هذا الجو الموحل، تجعلنا نبحث عنهم خلال مسار الفيلم، كولين فيرث، أندرو سكوت، مارك سترونغ، بنديكت كامبرباتش، ريتشارد مادن... كل وجه جديد هو وليمة إضافية للعين.
ابتكر منديز وديكنيز لغة مبهرة لنقل قصة حرب وخوف وعدم يقين. هذه اللغة تجعلنا نتواطأ مع الشخصيات ونشعر ما تشعر بها، في أرض أهوال حرب تبدو أحياناً سوريالية بلهجة كابوسية. الحرب العالمية الأولى لم تبدُ حقيقية إلى ذلك الحدّ في تاريخ السينما. يوفر «1917» عمداً منظوراً محدوداً: نبقى دائماً قريبين جداً من الشخصيات، وبالتالي يستغني المخرج والمصور عن النظرة العامة أو الواسعة لساحة المعركة. على سبيل المثال، لا نعرف ما يحدث أمام الشخصيات أو خلفها. يعرف منديز كيف يستخدم عدم اليقين بفاعلية كبيرة. هل غادرت القوات الألمانية حقاً أم أن القناصة ينتظرون وراء الجدار التالي؟ لا نعرف، كل ثانية تمرّ، نعرف فقط ما تعرفه الشخصيات، ونخوض هذه المغامرة معاً من دون يقين في النهاية.
الفيلم مهدى لألفريد منديز، جد سام. وفقاً لسام، فإن جده لم يتحدث عن الحرب العالمية أبداً مع أبنائه، ولكنه لسبب ما انفتح وأخبر القصص لأحفاده. قاتل ألفريد عام 1916 في الحرب العالمية الأولى وكان عمره 17 سنة. «كان صغيراً جداً وسريعاً للغاية». وقد كان رسولاً في الحرب. قدم سام الفيلم لجده، الذي كان يغسل يديه باستمرار طوال حياته، لأنّه كما أخبره، لم يتمكن الجنود في الخنادق من تنظيف يدهم.
الفيلم تحفة بصرية، مثيرة للإعجاب. قطعة فنية مقدمة بعناية تم احتساب كل دقيقة منها حتى الثانية الأخيرة، وكل حركة حتى آخر ملليمتر. ابتكر سام وروجر تجربة مثيرة للصدمة. قدّما مفهوم الحرب كما لم يُقدم من قبل، وأكّدا لنا أن السينما هي الوسيلة الأهم لفهم أي شيء عن هذه الحياة حتى الحرب.

«المنارة» ــــ روبرت إيغرز (الولايات المتحدة)
القصص التي تحدث في المنارات تحتوى دائماً على شيء مزعج. المنارة هي النقطة الأخيرة على وجه الأرض (إذا صح التعبير) أو المرجع الوحيد للبحارة. أولئك الذين يعيشون في هذا المبنى الطويل يميلون إلى فقدان عقولهم. كثيرة هي القصص عنهم في هذا العالم الغامض والمنعزل.
بعد فيلمه الأول «الساحرة» (2015)، تعرفنا إلى إيغرز في قصة متكررة، لكن المخرج الأميركي قدمها بطريقة غير معتادة، جعلتنا ننتظر فيلمه الثاني.

سباق بين الزمن والهلوسة والهذيان في «المنارة»

هذا العام، أثار الريبة في فيلم بشاشة 1.19:1 يقدم الوحشية والجنون. يعالج الفيلم الذي تدور أحداثه في منارة في نيو إنغلاند في نهاية القرن التاسع عشر، علاقة رجلين في تلك العزلة المعادية والعدائية. سباق بين الزمن والهلوسة والهذيان. قصة تغمرنا في كابوس مع حارس منارة ومتدرب جديد. يركز إيغرز على العزلة وعلى تعزيز مناخ رهابي، ويوضح تدهور الصحة العقلية لأبطال فيلمه إلى حدود مرضية.
تفصيلان مهمان في فيلم أيغرز: الأول هو قرار اختيار كبر الشاشة واللونين والأسود والأبيض الذي يعيدنا إلى السينما الصامتة، واستعمال عدسات من ثلاثينيات القرن الماضي، ما يساعد أكثر في حبسنا داخلها كما حبس المخرج شخصيتي الحارس (ويليام دافو) والمتدرب (روبرت باتيسون). ولكن المفتاح الحقيقي للفيلم، أنّ ما يحدث ليس مجرد نزوة. منذ البداية، يعمل الشريط على إرساء أسس كيفية تكوّن حياتهما هناك. مع مرور الدقائق، يكون بمثابة دعم في التدهور الشخصي لكليهما، لا سيما في اللحظة التي تستسلم فيها شخصية باتيسون وتوافق على شرب الكحول. الفرضية بسيطة، عواقب حبس رجلين في مكان بعيد، لفترة طويلة من الزمن. وهكذا فإن ايغرز يبحث في علاقة هذين الرجلين التي ستشمل تحديات للهيمنة والذكورية من السوريالية إلى الكوميدية، ومن اللامبالاة إلى الأعمال البشعة. ورغم هذا العبور إلى البشاعة، ستظهر هذه العلاقة كملجأ عاطفي صغير لليال طويلة تحميها «قنينة» الكحول.
قوة مدمرة ومرعبة تعيش في «المنارة» نشعر فيها منذ بداية الفيلم، ونشعر معها بأن هذين الرجلين لن يعودا إلى البر الرئيسي. هذا الخوف الذاتي والخوف من المجهول، يدفع الشخصيات إلى التدمير المتبادل كصراع بين رجلَين فقد كل منهما وجهة نظره.
مجموع كل ما سبق، مع بعض الميثولوجيا الإغريقية التي تستقطب بصرياً ومجازياً، واللغة السينمائية المستخدمة، والتاريخ والفلسفة، والخوف من الأسطورة المشبعة بروح دعابة سوداء... كل ذلك يخلق فيلماً مختلفاً عن الرعب النفسي، يقدّمه ممثلان بأداء رائع نراهما يحاولان التقرب لتهدئة آلامهما ولكنهما لا يخفيان معاناتهما. فيلم يبدأ من نقطة واقعية، ينحدر إلى السوريالية ويقدم أساطير المحيطات وينتهي بكابوس وجنون. «المنارة» فيلم يصعب أن يستمتع فيه جمهور واسع، ولكنه يتمتع بقوة الإغراء اللازمة للتحدي ووضع مَن يشاهده في الهواجس المطروحة.

* «1917»: حالياً في الصالات اللبنانية