قبل ست سنوات، صدم البابا بنديكتوس السادس عشر الفاتيكان والعالم بقرار استقالته والتنازل عن العرش البابوي. بالتالي، أصبح أول بابا «سابق» على قيد الحياة منذ القرن الخامس عشر. بعد الاستقالة، انتخب الكاردينالات الـ120 المخوّلين بالاقتراع البابا الجديد، رئيس أساقفة بيونس آيرس خورخي ماريو بيرغوغيلو المعروف حالياً باسم البابا فرنسيس. كلا الرجلين مختلفان تماماً، سواء في شخصيتهما أو في المجال الفلسفي الديني. هذا التباين على وجه التحديد هو الإلهام الرئيس لفيلم المخرج البرازيلي فرناندو ميريليس «البابوان» الذي طُرح أخيراً على نتفليكس. يضيء «البابوان» على الجوانب الأكثر إثارة للجدل في الكنيسة الكاثوليكية، مصوّراً العلاقة بين البابا فرنسيس والبابا بنديكتوس السادس عشر. صحيح أنّ الفيلم يستند إلى أحداث واقعية، إلا أنه خيالي كتبه أنتوني مكارتن، مظهراً اثنين من أقوى الوجوه في الفاتيكان.

قبل الكلام عن الفيلم، لا بد من الإضاءة على عاملين أساسيين خلف الكاميرا؛ الأول البرازيلي فرناندو ميريليس، أحد أهم المخرجين البرازيليين المعاصرين، الذي لمع صيته عالمياً بتحفته «مدينة الرب» (2002). أما الثاني، فهو الكاتب النيوزلندي انتوني مكارتن الذي كتب مسرحية «البابا»، التي اقتبس منها الفيلم. مكارتن بدأ بكتابة السيناريو في عام 2008 تقريباً. هو متخصّص في كتابة أفلام السير مثل «نظرية كل شيء» (2014) عن حياة العالم ستيفن هوكينغ، و «الساعة الأشد ظلمة» (2017) عن حياة وينستون تشرشل. وفي العام الماضي، كتب فيلم «بوهيميان رابسودي» عن فرقة الروك البريطانية الشهيرة «كوين» ومغنّيها الرئيسي فريدي ميركوري.
في فيلم «البابوان»، جاء تعاون ميريليس ومكارتن متناقضاً. ميريليس يجيد تقديم سينما بتفاصيلها الجميلة، ومكارتن قدّم مراجعة سينمائية لأحداث حقيقية وأضاف بعض الدراما عليها، تاركاً الشخصية العظيمة التي يكتب عنها فارغة بعض الشيء، ورأينا ذلك في أفلامه السابقة وهنا أيضاً.


يستجيب «البابوان» لمفهوم الفيلم الجماهيري، حيث يبدو كل شيء مصمّماً لترك المشاهد في مزاج جيد بدلاً من تقديم رؤية أكثر وضوحاً للحظة رئيسية في تاريخ الدين المسيحي. يعتمد الفيلم كلياً على الأداء التمثيلي لأنتوني هوبكنز (البابا بنديكتوس) وجوناثان برايس (البابا فرنسيس) وهو الميزة الأكثر تحفيزاً لإكمال الفيلم. في الشريط، نشاهد مرة أخرى المزيد من الشيء نفسه في هذا الموضوع. وهنا الحديث بالطبع عن صدام لا مفر منه بين نظرتين دينيتين، محافظة وتقدمية، ممثلتين في رأسين للكنيسة: الأول البابا فرنسيس المصلح الارجنتيني المحب لكرة القدم وفرقة «آبا»، المتواضع والمحبوب والليبرالي، والصورة الثانية للمحافظ إلى حدّ التزمّت بنديكتوس الذي يحب تناول الطعام وحده ولا يفهم ماهية النكتة ولا يعرف من هم «البيتلز».
الفيلم عبارة عن محادثات طويلة بين «البابوان»، تفاهم بين القائدين الأخيرين للكنيسة الكاثوليكية. خصمان محكوم عليهما بفهم أحدهما للآخر من أجل مستقبل مئات الملايين من أتباع الكاثوليكية. هذه المحادثات والحوارات والمواقف التي تبدو متناقضة بين المنهجين الدنيويين لـ«ممثلي الله على الأرض»، تقدم لحظات قليلة جداً من الصدق (محادثة حول كيف أنّ مشكلة المجتمع الرئيسية هي أننا توقفنا عن الاستماع بعضنا إلى بعض، أو اعتراف بيرغوغيلو بخطأ الكنسية في ما يخصّ الاعتداءات الجنسية، وأيضاً اعترافه بالتواطؤ مع الديكتاتورية). ولكن في الوقت نفسه، ضاعت فرصة لتقديم محادثات عميقة لبعض القرارات الأكثر إثارة للجدل في الفاتيكان. مثلاً، عندما يتناول الفيلم قضايا مثل المثلية الجنسية والاعتداءات الجنسية على الأطفال من قبل الكهنة، نشعر كما لو أنه يريد تغيير الموضوع بسرعة خوفاً من إزعاج المشاهد والكنيسة. هذا الجبن النسبي ليس العيب الوحيد في الفيلم، بل إننا ننحصر في حبكة فرعية طويلة بعض الشيء تأتي على شكل ذكريات تسافر لأكثر من ثلاثين عاماً الى الوراء، للحديث عن بداية بيرغوغيلو في الكنيسة ودوره خلال الديكتاتورية الأرجنتينية. هذا «الفلاش باك»، يؤكد لنا أن الفضيلة الوحيدة في الفيلم هي الممثلون المخضرمون بكيمياء متفجرة والابتعاد عنهم خلال الفيلم خطأ كبير.
الشريط عبارة عن دعاية لبابا إنساني (فرنسيس) وصكّ براءة للبابا القديم (بنديكتوس)


الفيلم عادي كوميدي مبسّط وسخيف في بعض الأماكن. لا شيء خفياً هنا، وكل شيء يتم التأكيد عليه بشكل مفرط. يحلّق الفيلم ويمر مرور الكرام على جميع القضايا الرئيسية في الكنيسة والتاريخ من دون الغوص في أي منها. يجعل البابوان يتحدثان عن الأشياء التي نعرفها بشكل روتيني. حتى الفيلم بدا روتينياً، أفضل لحظاته هي المشاهد المرتبطة بالمواقف الهزلية التي يمر بها بيرغوغيلو (طلب البيتزا، الرغبة في شراء تذكرة طائرة...). أضف إلى كل هذا الانزعاج الناتج عن صراع اللهجات واللغات... هكذا يفشل «البابوان» في منح عمقٍ لقصته. باختصار، هو عبارة عن دعاية لبابا إنساني وصكّ براءة للبابا القديم، ومقاطع تصلح لتكون فيديو لمنظمات غير حكومية.
«البابوان» فيلم يمشي جنب الحيط، إلى درجة أنه ليس من الصعب حتى الاعتقاد بأن واحدة من أكثر المنظمات الدينية المسيطرة على هذا الكوكب أمكنها الوصول الى رغبات الكاتب والمخرج وتقديم فقط ما يرضيها ويرضي أتباعها. يصرّ الفيلم على تقديم البابا فرانسيس كأفضل شخصية في الكنيسة، محبوب بشكل كبير ومرح، ويعطي بنديكتوس نعمة التعاطف والشفقة لإنسان فقد البوصلة. لكن لا يمكن الا التوقف عند جودة سينما ميريليس بتفاصيلها الدقيقة والتوليف السريع (مشاهد الانتخاب، والمزج بين المشاهد الحقيقية والمصورة) وكيف سمح لنجومه بالسيطرة على الشاشة بروح خفيفة.
«البابوان» فيلم سيرة متساهل مع أداء جميل، لا يفشل في ترك طعم جميل في الفم. لكن عند مغادرة الصالة أو إيقاف تشغيل نتفليكس، تظهر الحقيقة فجأة. قد يرغب المرء في أن تكون أمور الحياة والدين بسيطة، وحلها سهلاً كما يظهره هذا البابوان، وأن تكون توبة الكنيسة حقيقية وكافية. نتمنّى، ونودّ أن نصدق.

* The Two Popes على نتفليكس