مراكش | يقول فرانك شيران لاثنين من المحققين، إنّ عليهما أن يتحدثا إلى محاميه الخاص، فهو ليس لديه قول إضافي لما قاله سابقاً. أجاباه بأن محاميه قد توفي. «مَن قتله؟!!» كان جوابه. سؤاله لم يكن على سبيل الدعابة، بل كان يقصده. على الرغم من أن محاميه توفي لأسباب طبيعية، إلّا أن السؤال كان بديهياً بالنسبة إلى شخص مثله، فكل الذين عرفهم أو عمل معهم قُتلوا تقريباً. مشهد يلخّص حياة هذا الرجل. ولمعرفة ما أوصله كي يطرح سؤالاً مماثلاً، علينا العودة إلى بداية حياته... وهذا ما قدّمه لنا مارتن سكورسيزي في فيلمه الجديد «الإيرلندي» الذي عُرض في «مهرجان مراكش» المُقام حالياً، والمتوافر أيضاً على نتفليكس.

«الإيرلندي» (كتب السيناريو ستيفن ذيليين (عصابات نيويورك/ 2002 ـ مارتن سكورسيزي، «رجل عصابة أميركي لريدلي سكوت، و«قائمة تشاندلر» لستيفن سبيلبيرغ)) ملحمة سينمائية عن المافيا والجريمة المنظّمة في أميركا ما بعد الحرب تروى على لسان أحد قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية: إنّه فرانك «الإيرلندي» شيران. الشخص الغامض الذي عمل جنباً إلى جنب مع بعض الشخصيات الأكثر شهرة في القرن العشرين. على مدى عقود، يروي الفيلم أحد أكبر الألغاز في التاريخ الأميركي: اختفاء زعيم اتّحاد العمال ورئيس جمعية سائقي الشاحنات في الولايات المتّحدة الأميركية جيمي هوفّا. الفيلم عبارة عن رحلة عبر الممرّات الضيقة للجريمة الخفية والمنظمة، وأسرارها وصلاتها بالسياسة.
يستند الفيلم إلى مذكّرات «سمعت أنك تدهن المنازل: فرانك «الإيرلندي» شيران وإغلاق القضية عن جيمي هوفّا» (2004) التي كتبها المحقّق السابق والكاتب الأميركي تشارلز براندت. يحتوي الكتاب على جميع العناصر الكلاسيكية التي يعشق سكورسيزي الاستعانة بها في أفلامه: صورة واسعة النطاق عن الزمن الذي سادت فيه المافيا... صورة غنية عن شخصيات لا تُنسى باعتبارها كتبت التاريخ والسياسة الأميركيين.

السيناريو

كتب سيناريو «الإيرلندي» ستيفن ذيليين، صاحب «عصابات نيويورك» (2002) لمارتن سكورسيزي، و«رجل عصابة أميركي» لريدلي سكوت، و«قائمة تشاندلر» لستيفن سبيلبيرغ


بنى سكورسيزي الفيلم على إيقاع العديد من المواضيع (الهواجس) التي رافقته دائماً كمفاتيح لأفلام المافيا: الحدود التي ترسمها السلطة، الولاء، الصداقة على مرّ السنين، التناقض الأسري، والعواقب الوخيمة للخيانة، الشعور بالذنب والبحث عن الفداء.
يؤدّي روبرت دي نيرو دور فرانك شيران (1920 – 2003) الذي يروي لنا قصة حياته كقاتل محترف في مؤسّسات الجريمة المنظّمة الأكثر غموضاً. شاهدنا عملياتهم الداخلية، منافسيهم، هياكلهم الاجتماعية الغامضة وعلاقتهم بالسياسة. يروي شيران كلّ هذا التاريخ من دار رعاية للمسنين، منزله الأخير، بينما يعود سكورسيزي في الوقت المناسب ليخبرنا أين بدأ كلّ شيء. من خلال ذكريات الماضي، يملأ شيران الفجوات بكسر الحائط الرابع (يحدثنا مباشرة) بين الحين والآخر، موضحاً صعوده من سائق شاحنة إلى قاتل محترف، وكيف أتى إلى حياة جيمي هوفّا، مروراً بعلاقة الأخير بالرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، ومعركته مع جون كينيدي، وعلاقته بالمافيا واختفائه في نهاية المطاف.
يقوم آل باتشينو بدور جيمي هوفّا (1913 – 1975 اختفاء)، الزعيم النقابي الذي عزز قوته في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، محقّقاً شهرة واسعة وصيتاً سيئاً في أقوى نقابة في البلاد. جو بيشي هو راسل بوفالينو (1903 - 1994)، رجل المافيا الذي يخفي مجالاً واسعاً من النشاط الإجرامي وراء أعمال مشروعة في العديد من الولايات الأميركية، وهو أيضاً أب روحي لشيران، يرشده إلى عالم الجريمة ويعزّز الصداقة بينه وبين هوفّا.
بعد مشهد أوّل معتاد في أفلام سكورسيزي (حركة الكاميرا السائرة خلف الأشخاص)، نتعرف إلى شيران، في ملجأه الأخير. يخبرنا خلال الساعات الثلاث والنصف من على كرسيه المتحرّك، بصوت خفيف، حقائق القصة والجريمة والتحالفات والخيانات والمعارك النقابية والإجراءات القضائية والخلافات العائلة. صمم الفيلم على شكل «كوليغرافيات» لا تقتصر على براعة السرد فحسب، بل أيضاً على براعة تصوير رودريغو بريتو، ومونتاج ثليما شونمايكر، والإخراج الفني لبوب الشو، والكثير من موسيقى البلوز والجاز والمامبو ومقطوعات من الأغاني الكلاسيكية الإيطالية، والمؤثرات الخاصة البصرية التي قادها الأرجنتيني بابلو هيلمان وسمحت بتجديد شباب الشخصيات وتقديمها بأعمار تقلّ عن أعمارها الحقيقية. مؤثرات صدمتنا في البداية، لكنّنا سرعان ما اعتدنا عليها مع مرور الدقائق، وأثارت إعجابنا في النهاية. إذ تصبح الشخصيات مع مرور الساعات أكثر هشاشة أمام أعيننا. وبطبيعة الحال، يلوح الموت في الأفق.. هو شعور مستمرّ خلال الفيلم بسبب عمليات القتل المتفرقة، بخاصة أنه يكشف نفسه (القتل) ببطء باعتباره نهاية حتمية.
لا مفرّ من نقاط التحوّل في إيقاع فيلم على مدى ثلاث ساعات ونصف الساعة. وسكورسيزي «معلم» يعرف كيفية الانعطاف في السرد. وضع الكاميرا في كلّ لقطة لتعريفنا بالشخصيات ومراكزها وحالتها. لقطات متسلسلة تعبر الزمن، تعود بنا من الماضي إلى الحاضر مع توضيحات شفهية وممثلين مخضرمين يعرفون كيف يؤدّون شخصياتهم ليس فقط في كلماتهم، بل أيضاً في حركات وجوههم وعيونهم وصمتهم، خاصة نظرات وصمت الممثلة آنا باغون في دور بيغي شيران ابنة فرانك. رحلة سينمائية أصيلة لساعات جعلتنا عالقين في كراسينا حتى إضاءة أنوار الصالة وشارة النهاية وأسماء العاملين في الفيلم.
هنا لا بدّ أن نتحدّث عن مدة الفيلم. هل كانت الساعات الثلاث ونصف ضرورية؟ لفترة معينة في الفيلم، يصرخ الدماغ بما يراه ويحاول ربط ما يشاهد أمامه. لكن هذه المدة الطويلة التي أثارت بعض الشكوك خلال السرد، تتلاشى في الثلث الأخير من الفيلم، عندما يصير كل شيء في الحاضر، وينحصر الشريط في تقديم النهايات: نهاية الصداقات والعلاقات الأسرية والأبوية. تبدأ الشخصيات التي كانت جبارة بفسح المجال لشعور العجز والتقدم من الموت. «شابو با» لسينما سكورسيزي على هذه التجربة السينمائية المدهشة والنادرة في أيامنا هذه.

بنى مارتن سكورسيزي الشريط على إيقاع العديد من المواضيع التي رافقته كمفاتيح لأفلام المافيا


في تعاون سكورسيزي الجديد مع دي نيرو وبيشي بعد فيلم «كازينو» (منذ ربع قرن تقريباً!)، وفي تعاونه الأول مع آل باتشينو، حقق معادلة صعبة في السينما المعاصرة: ملحمة دقيقة حميمية ومفجعة في آن: براعة في إظهار الجانب المفرط من العنف، وكذلك الجوانب الضعيفة للشخصيات التي تعيش طموحاتها وصدماتها وسعادتها ومخاوفها، وسرد للتاريخ بطريقة نموذجية من القمة إلى الانهيار من دون إهمال الجوانب الثانوية لرحلة الصعود والهبوط، قراءة دقيقة لكل مشتقات الحياة مع جمالها وقسوتها وفكاهتها السوداء، وهكذا... بينما نرى الشخصيات على حقيقتها، نرى أيضاً التاريخ (من الانتخابات الأميركية وما تلاها إلى مقتل كينيدي والنزاعات السياسة والاقتصادية مع كوبا) والكثير من المواضيع التي يمكن أن تُكتب عنها مقالات كثيرة، كل ساعة أو نصف ساعة بمثابة حياة وحدث تاريخي لا تستطع مقالة واحدة الإحاطة به كاملاً.
لم يفقد سكورسيزي ولم يفقدنا التركيز أبداً طوال الفيلم، وفي علاقة شيران وهوفّا وبوفالينو. ثلاث شخصيات تاريخية قدمت لنا من خلال ثلاثة ممثلين عظيمين ضمن فيلم يلائم طموحات وإنجازات المعلم السينمائي. مارتن سكورسيزي، شكراً جزيلاً.
في النهاية وعن النهاية: المشهد الأخير الذي ستجف الأقلام بالكتابة عنه: تراث سكورسيزي السينمائي، وارث فرانك. «الإيرلندي» هو الولاء الذي يكون له قيمة فقط عندما يكون مصحوباً بالحب والتقدير وليس فقط القوة. مَن سيتذكره عندما لن يستطيع «دهن المنازل» بعد الآن؟ من سيتذكره عندما تخلت عنه عائلته بعدما تخلى عنها في البداية؟ رغم حياته الكثيفة، فهو لم يكن من المحظوظين. حتى الخلاص والفداء تركه فرانك معلقاً. الباب المفتوح في النهاية يمكن أن يكون فتحة الخلاص ولو قليلاً لروحه. فهل يشعر بأنه خان صديقه هوفّا؟ هل يندم عما فعله في حياته كلها؟ قد لا نعرف، وربما هو لا يعرف.