انتهت مساء الجمعة الدورة الـ 41 من «مهرجان القاهرة السينمائي» التي شهدت إقبالاً جماهيرياً وإعلامياً ملحوظاً عكس التطورات التي شهدها المهرجان خلال العامين الماضيين، تحت قيادة المنتج محمد حفظي. كما عكس ولادة جمهور جديد أكثر شباباً وثقافةً بدأ في الوجود في الساحة الثقافية خلال العقد الأخير. من أبرز ملاحظات هذه الدورة كثرة الأفلام العربية التي شاركت في أقسام المهرجان المختلفة رغم أن البلد المضيف، أي مصر، لم يشارك سوى بفيلم واحد، وثائقي، في المسابقة الرسمية المخصصة للأفلام الروائية!

في المسابقة، شارك من لبنان فيلم «جدار الصوت» للمخرج أحمد غصين، الذي حرص على توجيه تحية للثورة اللبنانية، وبقية الثورات العربية، في الكلمة التي ألقاها قبل عرض الفيلم في القاعة الكبرى في دار الأوبرا، وردّ عليها معظم الحاضرين بالتصفيق والهتاف. ما يعكس ما ذكرناه بأن هذا الجمهور الجديد هو من أبناء الثورة.
«جدار الصوت» يروي قصة سياسية، كعادة الأفلام اللبنانية والعربية مؤخراً، في انعكاس آخر لأجيال تتّخذ من السينما وسيلة لإثارة التفكير والحراك، لا للتسلية والتغييب. يعود غصين إلى عام 2006، عشية العدوان الإسرائيلي على لبنان، من خلال شخصية «مروان»، المقيم في ضاحية بيروت الجنوبية. ينتهز فرصة الهدنة المؤقتة ليعود إلى قريته في الجنوب بحثاً عن أبيه ومحاولة إقناعه بالرحيل عن منطقة الحرب. لكن أثناء ذلك، تندلع المعارك مجدّداً، فيجد نفسه محاصراً وسط أبيه ورفاقه العجائز. أحمد غصين، القادم من خلفية الفيديو آرت والتجريب، يهتمّ بالتعبير السينمائي البصري، الصوتي عن الحالة التي تعيشها الشخصيات تحت القصف، إلى جانب الاهتمام بالحكاية التي يرويها، وهو ما يعطي عمله روحاً مختلفاً ومميزاً عن الأفلام المماثلة. من فلسطين، شارك في المسابقة فيلم «بين الجنة والأرض» من إخراج وتأليف نجوى نجار، التي فازت عنه بجائزة أفضل سيناريو، من لجنة التحكيم التي ترأسها المخرج وكاتب السيناريو الحاصل على الأوسكار، ستيفن جاجان. وهي المرة الثانية التي تحصل فيها نجار على جائزة من «القاهرة»، بعد فوز فيلمها «عيون الحرامية» بجائزة أفضل ممثل قبل خمس سنوات! يروي «بين الجنة والأرض» قصة زوجين شابين يعيشان في الأراضي المحتلة، لا يسمح لهما عادة بدخول «أراضي» الكيان الإسرائيلي. وتكون المرة الأولى التي يدخلها الزوج هي للذهاب إلى محكمة الأحوال الشخصية في الناصرة للتقدّم بأوراق طلاقهما، وهناك تتوالى المفاجآت. الفيلم المصري المشارك في المسابقة هو «احكيلي» للمخرجة ماريان خوري، التي تتبع فيه سيرة أمها وبقية نساء العائلة على مدى قرن تقريباً، تواصل فيه مدّ الخيط الذي بدأه خالها المخرج يوسف شاهين في أفلامه الذاتية مثل «اسكندرية ليه؟» و«حدوتة مصرية» بشكل روائي. لكن هنا نتعرف إلى الشخصيات الأصلية عن قرب، ونتبيّن أن ما رواه شاهين لم يحمل أيّ مبالغة، وأن وراء هذه العائلة البسيطة البورجوازية السعيدة نساء موهوبات قويات كتبت عليهن المعاناة في الظل لأسباب غير مفهومة، أو بالأحرى معقدة يصعب الإفصاح عنها. تحاول ماريان خوري استجلاء هذا الغموض، وفهم الظروف والأسباب، مع أنها لا تصل إلّا لمزيد من الأسئلة. إلّا أن هذه الأسئلة تقول الكثير عن تاريخ النساء، وفكرة العائلة، وميراث الطباع، وانفصام الهوية وغيرها. «احكيلي» الذي يمسّ كل عائلة وامرأة وشخص منا، فاز بجائزة الجمهور التي يختارها المشاهدون. من أفلام المسابقة يأتي أيضاً «أبناء الدنمارك» للمخرج علاوي سليم، وكلاهما، الفيلم والمخرج، يحملان الجنسية الدنماركية، لكن سليم من أصول عراقية، والفيلم يتناول الصراع شبه الأزلي بين التطرف الديني لمسلمي أوروبا، والعنصرية الأوروبية تجاه المسلمين. تيمة سبق «هرسها» في عشرات الأفلام، ولكن «أبناء الدنمارك» يتميز بالصنعة المتقنة والربط الواضح والذكي بين طرفي اليمين المتطرفَين. خارج المسابقة أهم وأجمل فيلم عربي هو «إن شئت كما في السماء» آخر أعمال الفلسطيني ايليا سليمان. مرة أخرى، يبهرنا سليمان بخياله السريالي الذي يجسد كل بلايا السياسة والحروب والظلم الاجتماعي في صور حلمية كوميدية تضحك وتبكي وتنير العقل، من خلال شخصية رجل، يلعبها سليمان نفسه، يرحل إلى مدينة خيالية ليرتاح من شقاء العالم المعاصر. وهناك تداهمه أشباح العالم المعاصر بلا هوادة. إلى جانب المسابقة، نظم «مهرجان القاهرة» قسماً بعنوان «آفاق السينما العربية» ضم دستة من الأفلام العربية الجديدة منها «بيروت المحطة الأخيرة» للبناني إيلي كمال، وهو عمل وثائقي يسجل تاريخ وحاضر السكك الحديدية المهجورة في لبنان، ويطرح من خلاله هموم التاريخ اللبناني نفسه. وقد نال جائزة أفضل فيلم غير روائي في «آفاق».

كل المخرجين وجّهوا تحية إلى الانتفاضات العربية

من أفلام القسم أيضاً «شارع حيفا» للعراقي مهند حيال، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم عربي. ومن الطريف أن كلّ العرب الذين فازوا بجوائز في المهرجان، صعدوا إلى المسرح ليحيوا الثورات العربية في بلادهم والعالم العربي كله، ما أثار بالطبع ردود فعل حماسية من ناحية، ومحرجة من ناحية أخرى. «شارع حيفا» يعالج موضوع الاقتتال الطائفي الذي يمزق العراق منذ القضاء على نظام صدام حسين عام 2003. ويعود الفيلم إلى السنوات الأولى عقب الغزو الأميركي ليرصد بداية هذه الحرب الطائفية من خلال قصة شاب بريء يذهب ليطلب يد حبيبته، فيلقى مصرعه بطلقة قناص مختبئ، ليبدأ الجنون الذي لم يتوقف أبداً.
«مهرجان القاهرة» شهد أيضاً عرض عدد من الأفلام العربية الأخرى، منها الجزائري «أبو ليلى» للمخرج أمين بوسيدي بومدين، والتونسي «قبل ما يفوت الفوت» للمخرج مجدي لخضر، اللذان شاركا في مسابقة «أسبوع النقاد»، وفيلم «عرايس الخوف»، آخر أعمال المبدع التونسي النوري بوزيد، الذي عُرض ضمن برنامج «عروض خاصة». في هذا الشريط، يعود بوزيد لموضوعه المفضل في أعماله الأخيرة، وهو رصد مهالك التطرف الديني، والمآسي الناجمة عنه، من خلال امرأتين تونسيتين يتم اختطافهما واغتصابهما على يد الدواعش السوريين. في المحصلة، يمكن القول بأنّ السينما العربية حية، تقاتل في سبيل العيش والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.