في الأول من أيلول (سبتمبر) 1999، افتتح «عيون مغمضة على اتساعها» (Eyes Wide Shut) الفيلم الثالث عشر والأخير للمخرج الأميركي ستانلي كوبرك (1928 ــــ 1999) «مهرجان البندقية السينمائي» الـ 56. بعد 20 عاماً، عاد إلى الليدو في الدورة الأخيرة من المهرجان، في مناسبة الذكرى العشرين على وفاة كوبرك وعلى عرض الفيلم. هكذا، بعد «مهرجان كان» الأخير الذي كرم المخرج بعرض فيلمه «البريق» (1980) بترميم جديد، عرض «مهرجان البندقية» شريطه «عيون مغمضة على اتساعها» احتفاءً بالمخرج ومناسبةً لمراجعة العمل المهم على الشاشة الكبيرة. سبق العرض وثائقي (8 د) بعنوان «ليس مجرد حلم: ستانلي كوبرك وعيون مغمضة على اتساعها» (إخراج مات ويللز) يظهر أشخاصاً من حياة كوبرك مثل ابنته كاثارينا كوبرك (قدمت فيلم «البريق» في «مهرجان كان») وجان هارلان صهر كوبرك، والمنتج التاريخي لأفلامه الذي استعاد صعوبات المشروع. فقد خطط له كوبريك منذ السبعينيات ثم أجّله باستمرار لأنّه لم يشعر بالنضج الكافي للتعامل مع موضوعه، ومشاكل الرقابة وفترة التصوير الطويلة.

زواج في أزمة
وفقاً لعالم النفس السويسري كارل يونغ، الجنس بالنسبة إلى الرجل شيء مادي. أما بالنسبة إلى المرأة، فهو شيء روحي. وصفه أيضاً بأنه Numinosum أي قوة روحية أنتجت ثنائية وطاقة ذات وجهين، وجه داكن وآخر مشرق. قوة هذين الوجهين تكمن في اختلاطهما، منتجين ما يسمّيه خورخي لويس بورخيس «التلاحم»، أي اندماج شيئين حتى يصعب التفريق بينهما، لكن بفرديتهما التي ما زالت موجودة.
اليونان، الرومان، الفراعنة، الهندوس، الصينيون، قبائل المايا قبل وصول الإسبان، والسكان الأصليون لأميركا قبل اكتشافها من قبل كولومبوس... أولت الحضارات القديمة اهتماماً كبيراً وخاصاً لمراقبة ودراسة وتوجيه هذه الطاقة. لقد أدركت هذه الشعوب أنّ الجنس ممرٌّ إجباري قد يذهب بها إلى الجنة كما إلى الجحيم.
نشأت الأساطير، حاولت الموازنة بين العقلاني والروحاني، لفهم الجنس ومحاولة تفسير ودراسة هذا التلاحم والغوص في اللاوعي البشري. لكنّ الأساطير وضعت عملية الفهم والتفسير هذه تحت رحمة آلهة أو حكماء تلك العصور. ثمّ جاءت الأديان، فحلّت مكان الأساطير والآلهة والحكماء. فرضت الأيديولوجيات الدينية تغييرات جليلة على عملية فهم الجنس كذلك. غلّبت العقل والحسابات المادية والواقعية الصرف، فابتعد الجنس في الفهم الديني عن القوة الروحية ليقترب أكثر من المادية. لكن اللاوعي الإنساني يغلب دوماً الحسابات المنطقية التي أرادت غزو الواقع النفسي للإنسان. هكذا، حافظ على روحية هذه العلاقة رغم تعنّت الأديان. ثمّ أتى فرويد ليكسر رتابة الأديان في أواخر القرن التاسع عشر، هو المخلّص الذي فنّد هذه القوة وخرج بخلاصة رسّخت الجنس محورياً داخل الإنسان بمقولته الشهيرة «الجنس يُفسر كلّ شيء».
منذ المرة الأولى التي شاهدت فيها «عيون مغمضة على اتساعها»، لمست محاولة معاصرة لإحياء الألغاز القديمة في مجتمع ما بعد فرويد. ما زاد ترسيخ هذه الفكرة أنّ الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة للكاتب النمساوي آرثر شنيتزلر صديق فرويد، وهما اللذان عرف تأثيرهما الكبير على بعضهما.
لم يتمكّن كوبريك من رؤية ردّات الفعل على فيلمه، فقد توفي في منتصف عام 1999 قبل عرضه. النقّاد أشادوا به، بينما لم يلقَ ردّ فعل مشابهاً من الجمهور. اعتبر بعضهم أنّ الشريط آخر نزوات كوبريك، كونه يرتكز إلى المشاهد الجنسية لا إلى قصة عميقة. لكن بغض النظر عن كل ذلك، يعتبر العمل من أفضل إنجازات كوبرك، وشخصياً اعتبره من بين أفضل ثلاثة أفلام قدمها. نحن أمام عمل يسير وفق خط سردي يفيض بالاستنتاجات، ساحر ومزعج في آن. راوغ كوبريك. لم يقدم مشاكل زوجين (توم كروز ونيكول كيدمان) فقط، بل ألقى نظرة فاحشة وعميقة على اللاوعي الجنسي البشري، مفسّراً الفرق بين الرجل والمرأة. هذا فيلمٌ تجدر مشاهدته من دون معرفة أيّ لمحة من القصّة، وهذا ما أراده كوبرك تماماً بحيث لم يسوّق للفيلم إلّا عبر القليل من المعلومات عن القصة.
الشريط خلطة بين الدراما والغموض والإثارة، في إطار بورجوازي حسي وشاعري. يتفحّص كوبريك العلاقة الزوجية التقليدية التي تواجه التقلبات، عدم الثقة، الغيرة، الخوف من الخيانة، الشكوك، عدم الارتياح، خيبة الأمل، الرغبة في الجنس خارج نطاق الزواج.. يعصر كوبريك كل هذه الخضات عن طريق الخيال، الأحلام، الوجود الحقيقي، الطقوس الدينية والتجارب النرجسية.. تصبح القصة مظلمة، مشفرة، كئيبة وعميقة. لا تترك الموسيقى أحداث الفيلم، فهي جزء أساسي من عملية السرد، من الكلاسيكية عند اللحظات الهادئة إلى الإيقاع المتقطع للبيانو الذي يتكرر بشكل هاجسي، ممرّراً شعوراً بالخوف والاشمئزاز والإثارة. الحوارات موجزة وحسية، فالأولوية للصورة. الكلمات نادرة يتبعها صمت طويل وومضات لطيفة من الأضواء والألوان التي تحرك الحواس وترفعها.
في محضر كوبريك، عبارات للمخرج أندريه تاركوفسكي تمتدّ لتلامس فيلمه الأخير: «في السينما، من الضروري عدم التوضيح، يكفي العمل على مشاعر المشاهد، وهذه المشاعر التي يتم إيقاظها هي التي تثير التساؤلات والأفكار» وعبارة أخرى من كتابه «النحت في الزمن»: «الثقل الأكبر للعمل الفني يكمن في ما يختبئ في نوايا الفنان». فيلم كوبريك أفضل مثال على هاتين العبارتين. هو لا يتكشّف بسهولة، غير ملموس عن علاقة الإنسان الروحية بالجنس بطريقة موضوعية. ماذا يريد كوبريك أن يقول؟ ماذا يريد الفيلم أن يكشف؟ ازدواجية الإنسان؟ الفرق بين الحياة الجنسية للرجل والمرأة؟ صعوبة العلاقات الزوجية؟ نفاق المجتمع؟ هل هو يقظة من حلم أم وقوع في كابوس؟ استخلصوا استنتاجاتكم الخاصة أيها السيدات والسادة، فجميعها صحيحة. وقد تفعلون ما أفعله أنا أمام أفلام كهذه. لا إجابات بل غوصٌ في حرية الأسئلة ومشاعر توجّه البوصلة وتقرر.