الجونة | لعل الميزة الأكبر في المهرجانات السينمائية العربية أنّها تتيح لمشاهديها التعرف إلى الإنتاج العربي الذي يصعب متابعته في أي مكان آخر. ومهرجان «الجونة» المستمرّ حتى 27 أيلول (سبتمبر)، يقدّم عدداً من الأفلام العربية الحديثة التي تشكل بانوراما مصغرة لخريطة السينما العربية حالياً، نتوقف اليوم عند بعضها. في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، يضم المهرجان أربعة أفلام عربية هي: السوداني «ستموت في العشرين» (إخراج أمجد أبو العلاء)، واللبناني «1982» (إخراج وليد مونس)، والمغربي «آدم» (إخراج مريم التوزاني)، والتونسي «حلم نورا» (إخراج هند بو جمعة).

الفيلم العربي الأول الذي عرضه المهرجان هو «ستموت في العشرين»، الذي يأتي إلى «الجونة» مسبوقاً بدعاية هائلة. حصل الفيلم قبل أيام على جائزة أفضل عمل أول (تحمل اسم «أسد المستقبل») من «مهرجان البندقية السينمائي» الأخير. لكن الفيلم كان معروفاً قبلاً داخل أوساط الإنتاج المستقل العربي، إذ شارك في إنتاجه عدد كبير من الشركات من بلاد عربية مختلفة، كما حصل على دعم متنوّع من مهرجانات ومؤسسات أوروبية وعربية.
ينتمي «ستموت في العشرين» إلى تلك النوعية من الأعمال التي تجذب الانتباه والفضول والاستعداد للإعجاب بمجرد الاستماع إلى فكرته: في قرية سودانية تقليدية، يتنبأ شيخ عرّاف لأحد الأطفال المولودين حديثاً بأنه سيموت في سن العشرين. ولذلك يقضي الطفل حياته محاصراً خائفاً مع أمه، بعد أن يرحل والده للعمل في بلاد أخرى. وعندما يصل إلى سنّ العشرين بالفعل، يتعين عليه أن يتخذ قراراً بالعيش وعدم الاستسلام للموت.

«ستموت في العشرين» مصاغ على طريقة حكايات الأطفال الشعبية

يدور الفيلم في السودان ويرصد مظاهر فولكلورية من الحياة اليومية والطقوس والموسيقى الشعبية. ولا بد من أن نضيف إلى ذلك أنّ السودان بلد مُنعت فيه صناعة السينما لعقود، وأنها لم تنتج في تاريخها سوى عدد محدود من الأفلام لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأنّ البلد يشهد حالياً ثورة مستمرة منذ أشهر أطاحت بنظام قمعي شديد الاستبداد، ويستعد لدخول مرحلة جديدة من تاريخه... لا يقلل الكلام السابق من أن الفيلم جيد، بل شديد التميز في بعض عناصره مثل التصوير وشريط الصوت، وفي الجو العام الذي يخلقه، رغم بعض المشاكل التي يتركز معظمها في السيناريو. باختصار، هذا فيلم مصاغ على طريقة حكايات الأطفال الشعبية، لا تملك سوى أن تحبها بالرغم من عدم إتقانها وسذاجتها.
وشهد المهرجان كذلك عرض فيلم «1982» الذي يأتي إلى «الجونة» تسبقه شهرته أيضاً، إذ شهد عرضه العالمي الأول في «مهرجان تورونتو» قبل أيام من «الجونة»، بالإضافة إلى أنه أحد الأعمال الفائزة بدعم منصة «الجونة» في العام الماضي. «1982» هو العمل الروائي الطويل الأول لمخرجه وليد مونس، تلعب بطولته المخرجة «النجمة» نادين لبكي مع عدد من الأطفال. تؤدي دور معلمة في مدرسة ابتدائية تقع على مشارف بيروت عشية العدوان الإسرائيلي في حزيران (يونيو) 1982، خلال يوم واحد. يبدأ الفيلم برصد طقوس يوم رتيب عادي في المدرسة المختلطة، حيث تحاول المعلمة ياسمين أن تتجاوز قلقها الخاص بسبب الحصار، بينما ينشغل الطفل وسام الذي لا يتجاوز الحادية عشر بكتابة الرسائل الغرامية إلى زميلته جوانا. وقبل أن ينتهي اليوم الدراسي، تشنّ الطائرات الإسرائيلية غارة جوية كثيفة تقصف خلالها بيروت ومحيطها بالصواريخ. يتم إنهاء الدراسة وترحيل التلاميذ إلى بيوتهم، لكن وسام لا يفكر سوى في الوسيلة التي يبلغ بها جوانا أنه كاتب الرسائل العاشق. وفقاً لتصريحات مخرجه، يستند الفيلم، إلى سيرته الذاتية، وهو يذكرنا بأعمال لبنانية أخرى حول الحرب الأهلية تستند إلى السير الشخصية لصناعها، لعل أشهرها هو «بيروت الغربية» للمخرج زياد دويري. من الملفت أن المهرجان الذي يقام في مصر ويفتتح موسم المهرجانات السنوي، إذ يسبق مهرجانات «الاسكندرية» و«القاهرة» و«شرم الشيخ» و«أسوان» و«الأقصر» و«الإسماعيلية»، لم يجد فيلماً مصرياً ملائماً للعرض في مسابقة الأفلام الروائية. أما الفيلمان المصريان «لما بنتولد» و«الأميرة والفارس» فيعرضان خارج المسابقة. ينتمي «الأميرة والفارس» إلى نوعية الرسوم المتحركة، وهو مشروع/ حلم عمره أكثر من عشرين عاماً للمخرج والسيناريست بشير الديك بإنجاز أول فيلم تحريك طويل في العالم العربي. وحتى كتابة هذه السطور، لم يعرض الفيلم بعد. أما «لما بنتولد» الذي عرض ضمن المهرجان، فهو أيضاً مشروع قديم يتجاوز العشر سنوات عن سيناريو للكاتبة الراحلة نادين شمس، وبالفعل يبدو الفيلم، رغم حسناته العديدة، قديماً شكلاً ومضموناً وتكنيكاً. تم تصويره بكاميرا رقمية بسيطة، تختلف عن الكاميرات المتطورة التي يمكن الحصول عليها بسهولة هذه الأيام.
«لما بنتولد» يحمل بعض مزايا السينما المستقلة، من تمثيل شبه مرتجل، وسرد حرّ، واهتمام بالمشاعر والتفاصيل


يتكون الفيلم من ثلاث قصص ليس هناك رابط يجمعها، سوى الظروف التي تدفع شخصياته الرئيسية للهجرة: شابة مسيحية تقع في حبّ شاب مسلم، لا يجدان حلاً سوى السفر للزواج والعيش في بلد آخر، وشاب ثري يرفض مواصلة «بيزنس» أبيه ويطارد حلماً بالغناء والتأليف الموسيقي، حتى تأتيه دعوة بالاحتراف في الخارج. أما القصة الثالثة فتبدو غريبة عن القصتين الأخريين، حيث تدور حول زوج فقير يضطر للعمل كـ «جيغولو» لمواجهة متطلبات الحياة وتحقيق حلم زوجته بالانتقال للسكن في شقة مستقلة بعيداً عن شقة عائلته. ينتمي الفيلم بوضوح إلى السينما المستقلة منخفضة الإنتاج، ويحمل بعض مزايا هذه السينما، من تمثيل طبيعي شبه مرتجل، وسرد حرّ، واهتمام بالمشاعر والتفاصيل أكثر من الحبكة، ولكن مشكلته الأساسية هي غياب الانسجام بين القصص الثلاث. إذ تبدو قصة «الجيغولو» ناتئة وبعيدة عن مزاج القصتين الأخريين، بينما تبدو قصة المغني مسطحة وفاترة مقارنة بالقصتين الأخريين!