البندقية | بعد خمس سنوات على نيله جائزة الأسد الذهبي في «مهرجان البندقية» عن «حمامة جلست على غصن تتأمل الوجود» آخر فيلم في «ثلاثية الحياة» (ضم أيضاً «أغاني من الطابق الثاني»/ 2000 و «أنتم، الأحياء»/ 2007)، عاد السويدي روي أندرسون إلى جزيرة ليدو، بفيلم جديد تمتلئ لوحاته بالتأمل في الحياة البشرية بكل روعتها وقسوتها وسخافتها. في «عن الخلود»، يعيد أندرسون خلق نمطه المعتاد بكاميرته الثابتة ليراقب الإنسان بكل العلامات الوجودية التي تؤدي إلى النهاية. في عالم أندرسون، كل لقطة هي قصة قصيرة بحد ذاتها، لوحة تأتي للحياة بطريقة مفاجئة، من دون بداية أو نهاية. بتدفّق مشاهد قصيرة مستمرة؛ يقدم أندرسون الحالة الإنسانية بلحظات غير منطقية، سوريالية، لا تتشابك ببعضها ولكنها تعبّر عنّا بكل تفاهتنا، عظمتنا، فرحنا، حزننا، عدميتنا، مخاوفنا، وحدتنا، ندمنا، إشفاقنا. إحباطنا، فكاهتنا، إيماننا، حبنا، كرهنا، قسوتنا... إلى لانهاية مشاعرنا.

«عن الخلود» هو جولة أخرى للسويدي في كوكبه السينمائي الفريد والمميز والكامل. رغم قصر مدة الفيلم (76 دقيقة)، إلا أن جميع مكونات وهوية هذا الكوكب البصرية موجودة. ولادة جديدة بعد الثلاثية. عيّنة صغيرة عن الحياة والإنسان في السينما الكبيرة الخاصة به. في لب أطره الثابتة الرمادية التي لا يستغني عنها والمليئة بالتفاصيل التي يجدّ في البحث عنها واستكشافها؛ نرى السخرية والفكاهة واللاعقلانية الجوهرية للحياة. نجد كلماته التي قالها خلال المؤتمر الصحافي: «كل حيوان على هذا الكوكب عالي التأثر، يشعر بالضعف، نحن البشر كذلك، ويجب أن نكون شاكرين. هذه هدية، لأن الحياة ستزداد ثراء عندما تستطيع أن تفهم وترى كيف يتصرف البشر الآخرون... كيف يكونون سعداء وغير سعداء». يتألف الفيلم، كما عادة أندرسون، من قصص فردية قصيرة وكثيرة، تصور لحظات يومية وأحداثاً تاريخية. تقدمها راوية كأنها شهرزاد جديدة. هذه القصص قد لا يحدث فيها شيء، لكن داخل اللاشيء يحدث الكثير. أبطال القصص أشخاص عاديون بسطاء من الحاضر والماضي. كاهن كاثوليكي فقد إيمانه وطبيب نفسي. رجل يركض للحاق بالحافلة. ثلاث فتيات يرقصن خارج المقهى. درب المسيح في شوارع الحي. جدة تصور حفيدها. هتلر في القبو. محارب مجروح. جيش مهزوم في الطريق إلى المعسكر. رثاء صديق. عودة امرأة لا تتوقع استقبالها في المحطة. افتتان صبي لم يعرف الحب قبلاً. زيارة مؤلمة لطبيب الأسنان وهلم جرّا.
إنّه النهج السردي القديم نفسه، وقد أضيفت إليه المزيد من العناصر الميتافيزيقية التي تجعل كلّ شيء منفراً لكن شاعرياً. الأقفاص التي يحبس فيها أندرسون شخصياته، لا تقتصر فقط على حدود الشاشة الإطار، فهم محبوسون داخل حواجزهم الاجتماعية والعقلية التي تخنق أي محاولة للتواصل في ما بينهم. يجد أندرسون دائماً المفتاح لتهجير جمهوره بمؤلفاته السوريالية. تمنح المناظر الطبيعية القاسية الإحساس بالصلابة. تعكس القصص تراجع الإنسانية. هذه الإنسانية هي ضحية أحداث عشوائية لا يمكننا التحكم بها. ربما يكون الارتياح والخلاص الوحيد من العالم والآلام هو حرية الحلم.
سينما أندرسون مزعجة، متكبرة، ثابتة، أنيقة، قاتمة، مجازية، ساذجة. توفر مستويات قراءة عميقة لكامل خفة الحياة في ثقل هشاشتها. تقودنا الحلقات المختلفة إلى أحلام، كوابيس وحقائق يومية. لكنها أيضاً نقد واضح لبلده من وجهة نظر تاريخية اجتماعية وإنسانية. نقد للمجتمع السويدي، لبلد يصفه بأنه بلا رحمة. يسكنه بشر أنانيون من دون دفء ولا أمل. مكبلون داخل ضغائنهم وأسفهم. سويد أندرسون بلد متعثر، فقد الإيمان ولا يعرف كيفية استعادته. بلد مهجور بائس. وصف لا يتماشى مع ماضيه الذي ـــ رغم الحرب العالمية الثانية ـــ كان مفعماً بالألوان وكان للدولة الاسكندنافية دور يفوق ما يعتقده كثيرون. الإعادة التاريخية هي عند أندرسون تكرار أبدي لقسوتنا وطبيعتنا المصنوعة من ندم وذكريات يعاد تكرارها. «عن الخلود» لا يمكن تفريقه عن «ثلاثية الحياة». الكوكب مكان ترحيبي غريب وفي الوقت نفسه غير مضياف، كما في ألوان الجدران والملابس ووجوه البشر والحياة نفسها. الحديث عن البشر أمر حساس، يحتاج إلى فرشاة دقيقة وإتقان، وأندرسون هو أهل لها. العبثية الرائعة للإنسان تعكس أضواءها على وجوه المشاهدين. إنها الكوميديا اليومية. إنها نحن.