البندقية | التاريخ، الهندسة، القوارب المائية، السكان والسينما كانت كلّها في الانتظار. انطلق «مهرجان البندقية» الـ 76، حتى الشمس التي كانت ساطعة بقوة قبل يومين من الافتتاح، قد خفتت حدتها. براد بيت وصل بقارب مائي وألقى التحية من بعيد على من كانوا بانتظاره، كاترين دونوف وجولييت بينوش كذلك. الممثلة الإيطالية اليساندرا ماستروناردي، التي قدمت الافتتاح، تنزهت على الشاطئ ورقصت وسط المصورين بفستان من توقيع «أرماني». لكن كل هذا الجمال خفت بريقه مع أول مؤتمر صحافي للجنة التحكيم التي ترأسها المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتل. سار المؤتمر على ما يرام، إلى أن طرح أحد الصحافيين سؤالا مفاجئاً، ساد الصمت بعده لاستيعاب الكلمات التي نطقت بها مارتل. «هل ستكونين قادرة على الحكم على فيلم رومان بولانسكي (المدان بإقامة علاقة جنسية مع قاصر عام ١٩٧٧) في المسابقة من دون أن يؤثر سلوكه على تقييمك؟». علماً أن ألبرتو باربيرا (المدير الفني للمهرجان) كان قد دافع عن بولانسكي، بعد إعلان لوائح الأفلام المشاركة، بقوله: «من السخف عدم القدرة على التمييز بين ذنب الشخص وقيمته كفنان. إذا لم نفهم ذلك، لن نصل إلى مكان. ربما يعاني بولانسكي من مشاكل مع العدالة أو مع ضميره، ما يهمّني أنه صنع فيلماً رائعاً». لكنّ رد مارتل جاء معاكساً تماماً، إذ قالت: «لا أفصل العمل الفني عن الفنان، كان حضور بولانسكي في المهرجان غير مريح بالنسبة إليّ (...) لا أستطيع التغلب على القرار القضائي، لكن أستطيع أن أتعاطف مع الضحية، لن أحضر حفل العشاء المقام للمخرج، لن أكون موجودة لتهنئته. لا أستطيع أن أقف وأصفق له لأنني أمثل الكثير من النساء في الأرجنتين بنضالهن من أجل هذه القضايا. ولكن من الجيد أن فيلمه موجود في المهرجان. علينا أن نطور حوارنا معه وأعتقد أن هذا هو المكان الأفضل لنقاشات مماثلة». جواب مارتل كان صادماً، غير مريح، وبالتأكيد ليس موضوعياً، خاصة أنها رئيسة لجنة التحكيم وموقفها الشخصي سيؤثر على حكمها. لذلك، علت الأصوات مطالبةً بتقديم استقالتها، التي من المستبعد أن تحدث، لكنها بالتأكيد فقدت نزاهة حكمها بعد هذا الجواب. لندع ما سبق جانباً ولنعد إلى صالة السينما والشاشة الكبيرة. السجادة الحمراء فُرشت وفيلم الافتتاح عُرض. «الحقيقة» للياباني هيروكازو كوريه ايدا الحائز سعفة «مهرجان كان» الذهبية السنة الماضية عن فيلمه «سارقو المتاجر».

بين الحقيقة والكذب
«لا شيء مهم، إنها ابنتي وعائلتها» تقول فابيان (كاترين دونوف) للصحافي الذي يحاورها في بيتها عندما تقرع لومير (جولييت بينوش) الباب. جملة كهذه تكررت مراراً بطرق مختلفة طوال الفيلم. هي مثل الجمل العفوية التي ننطق بها، وتكون هي حقيقة ما نشعر به. «الحقيقة» لهيروكازو كوريه ايدا يدور حول هذه الحقيقة، وحقيقة أن الأكاذيب قد تصدق أحياناً، وأن الذاكرة بطبيعتها خدّاعة. في فيلمه الأول خارج اليابان، يقدم كوريه ايدا أطفالاً بالغين يسعون دائماً خلف شيء ما، يبحثون عن إدراك أو حب حقيقي لم يُعطَ لهم.
لومير، كاتبة سيناريو في نيويورك متزوجة من الممثل هانك (إيثان هاوك) «الفاشل» ومدمن الكحول. والدتها فابيان ممثلة فرنسية شهيرة، ضحت بكل شيء: الصداقات، الحب، المشاعر والعائلة. تقولها بصراحة: «أفضّل أن أكون أماً سيئة وصديقة سيئة وممثلة جيدة... لن تغفروا لي ولكن الجمهور سوف يغفر». نجمة متعجرفة، تفخر بأنها لا تعتذر لأحد، فهي الأسطورة الحية التي تذكّرنا مع كل حركة وتصرّف بأنها الديفا.
تزور لومير والدتها بصحبة زوجها وابنتها الصغيرة شارلوت (كليمانتين غرونيه). تتعامل فابيان مع كل شيء ببرود بعيداً عن الانفعال. لكنّ صراعاً سيحدث حتماً مع وصول ابنتها الذي تزامن مع نشر مذكراتها التي تحمل اسم الفيلم: «الحقيقة». لكنها نسخة منمقة عن واقع لا ترى فيه لومير أي حقيقة، ولا تكاد تتبين صورة أمها في تلك السيرة. تظهر الطبيعة الإشكالية بين الأم وابنتها، والعلاقة بينهما. كوريه ايدا لا يزال يطرح الأسئلة نفسها: ما هي الأسرة؟ هل هو رابط الدم فقط؟ ما هي حقيقة حياة المرأتين؟ أين تكمن الكذبة؟ ما هي قيمة الأسرة عند تشويه الذكريات؟ ماذا لو كانت الحقيقة مسألة أسلوب؟ وهل يمكن الاعتماد على الذكريات لتتبع الحقيقة ووضع ذكرياتنا على الورق؟ وما القيمة التي يأخذها الآخرون منها، خاصة بالنسبة لأولئك الذين كانوا جزءاً من حياتنا؟
تجتمع العائلة في فرنسا في منزل فابيان الفاخر. «إنه مثل القلعة» تقول شارلوت بدهشة. «نعم، لكن هناك سجن مبني وراءه» تجيب أمها. هذه الكلمات المتبادلة، التي تخرج تلقائياً كما ذكرنا آنفاً، هي المحرك الأساسي للفيلم الذي يقول الحلو والمر عن الحياة العائلية. الوجه المزدوج للأسرة «القمعي والترحابي». الروابط العاطفية الأسرية التي تشكل الحياة. يلعب الفيلم بمفهوم هذه الحقيقة، يضاعف وجهات نظر ثلاثة أجيال بدون قهر أي منهم إلى أن يجد الحقيقة، الحقيقة المزدوجة بدورها في العلاقات الأسرية، فهي القلعة والسجن معاً. في سياق القصة، تظهر آثار تلك الواقعية السحرية التي تسكن عالم الطفولة، كما أشباح الصدامات والنزاعات الكامنة في عودة العلاقة بين الأم وابنتها... تتضاعف في أوجه الاختلاف المتمحورة حول الذات للمرأة الناضجة التي تشعر بكبر سنها. في علاقة الأم وابنتها، هناك مساحة لمواجهة حقيقة، حقيقة كامنة داخل كل منهما، تهربان منها.

بنى هيروكازو كوريه ايدا حديقته الباريسية، لكنه لم يخسر حساسيته اليابانية


الفيلم مليء بالسراب والمحاكاة، نهج ملهم وصادق إزاء الطريقة التي يميل بها البشر لبناء واقع من الأوهام والرغبات والأكاذيب البيضاء والذاكرة الانتقائية ومجموعة من القصص الخيالية. في «الحقيقة»، تتحرك الأفكار والعواطف بطلاقة، كصدى للحياة التي تتعايش فيها الدراما والكوميديا بشكل متناغم. فيلم عن العائلة وسحر السينما في آن، عن الشخصيات التي يؤديها الممثلون، وتأثيرها عليهم (كأن دونوف تجسّد حالة هي عاشتها). كأنّ الممثلين لا يستطيعون قول الحقيقة، لأنها قريبة جداً من الخيال ولا يمكن تمييزها عن الواقع. وإذا كانت الكتابة لا تريد قولها أيضاً، والمخرج مهتماً بالتعاطف فقط مع شخصياته، فهنا ليس لدينا سوى السينما، هي التي تخبر الحقيقة حتى عندما ينكرها جميع الفاعلين فيها.
«الحقيقة ليست عاطفية» يقول هانك، لعلّ هذه الجملة تلخّص معنى الفيلم. فمثل أي أسرة؛ تحتضن عائلة فابيان المشاعر الغامضة والحب والكراهية. من الناحية النظرية؛ تعود الابنة للاحتفال بنشر السيرة الذاتية للأم. أما في الواقع، فلا شيء للاحتفال به. الكتاب يشبه فابيان، كما هي، مليء بالأكاذيب والأوهام والعجرفة. لكن الحب، بالدرجة الأولى، هو الذي دفع لومير للقدوم. الفيلم يلعب على هذه الخطوط المعقدة في العلاقة الأسرية، مثل الخريف الباريسي الجميل والكئيب. ولد الفيلم على شكل مسرحية كتبها كوريه ايدا عام ٢٠٠٣ كما صرح في المؤتمر. أجرى تعديلات عليه عام ٢٠١١ وحوله إلى فيلم طويل واجتمع مع الممثلين بين كان وطوكيو وباريس. تحدث القصة في فرنسا، يتحدث الممثلون في الفيلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية. فهل نجح كوريه ايدا خارج محيطه، رغم أن قلّة من المخرجين نجحت في ذلك؟ نعم، إلى حد ما لأن التباعد الثقافي سمح له بتوسيع تعبيره السردي والتعمق في الأمور. بتعاويذ وأكاذيب، وسينما داخل سينما، وخفة وعمق في آن، ونص جميل وأداء هائل، نجح كوريه ايدا. أصبح فرنسياً وامتزج تماماً في الأجواء، بنى قصره وحديقته الباريسية، لكنه لم يخسر حساسيته اليابانية، وما زال يتحدث عن الأسرة، والعلاقات بين الأجيال كأن الثقافات لا تختلف كثيراً بالنسبة لروابط الدم، كأن جميع الثقافات تحمل نفس الأكاذيب البيضاء والحقائق المؤلمة، والواقع القاسي والخيال الوقائي.