سيعود قصر المهرجانات في مدينة كان الفرنسيّة إلى موسم ألقه السنوي كما عهدته منذ 1946 نخبة صناعة السينما العالميّة. غداً، تنطلق الدورة 72 من «مهرجان كان السينمائي الدولي»، لتصل ليل المدينة الباذخة بنهارها مع عروض لمخرجين باتوا روّاداً دائمين على المهرجان، وآخرين طامحين ضمن مسابقة رسميّة تستمر لغاية يوم 25 أيار. وعلى هامشها، ستُقدّم عروض أخرى ضمن تظاهرات المهرجان الموازية التي لا تقلّ أهمية عن المسابقة الرسمية، على رأسها تظاهرتا «نظرة أخرى» و«أسبوعا المخرجين». جوائز عدة تُمنح في المهرجان، لكن أرفعها يبقى «السّعفة الذهبيّة» التي تمنحها لجنة تحكيم المسابقة الرسمية التي تضم هذه السنة 21 فيلماً، ويشترط أن تقدّم في «كان» أوّل عروضها العالميّة.

المهرجان الذي يعدّ انطلاقة موسم مهرجانات السينما الأوروبيّة وفخر صناعة السينما الفرنسيّة، يمتاز عن مهرجان الأكاديميّة الأميركيّة الذي يمنح سنوياً جوائز الأوسكار القيّمة، بأنّه ما زال مفتوحاً للتقدّم إليه مباشرة من قبل الجميع، نجوماً ومبتدئين لا عبر مؤسسات السينما الوطنيّة في كل بلد. لذلك، هو كان المنصة التي أطلقت عدداً من المخرجين المكرّسين اليوم، ورحماً أولد موجات وتيارات فنيّة جديدة تقدميّة وتجريبيّة.

«نعتذر، لقد نسيناك» لكين لوتش

وفق البرنامج، فإن الدورة ستفتتح بفيلم كوميدي («الموتى لا يموتون») حول ظاهرة الزوميبات يحمل توقيع الأميركي جيم جارموش، وتختتم الدورة بالكوميديا أيضاً مع فيلم «الخاصون» (بطولة فنسان كاسل ورضا كاتب) للمخرجين الجزائري الفرنسي أوليفييه نقاش، والمغربي الفرنسي إريك توليدانو. ويحتفي ملصق المهرجان بالتجربة السينمائيّة البارزة للمخرجة البلجيكية ــ الفرنسية الراحلة أنييس فاردا (1928 – 2019 ـــ الأخبار 30/3/2019). يحوي الملصق الرائع الذي صمّمته فلور ماكان، لقطة للمخرجة الراحلة أثناء تصويرها باكورة أعمالها (La Pointe Courte 1955) بينما تقف على ظهر أحد التقنيين. لسنوات طوال، كانت فاردا وجهاً مألوفاً في المهرجان العتيد الذي كرّمها بـ «السعفة الذهبية الفخرية» عام 2015، وفي رصيدها 13 مشاركة في المسابقة الرسمية، كما كانت عضواً في لجنة التحكيم عام 2005، ورئيسة لجنة تحكيم جائزة «الكاميرا الذهبية» سنة 2013.
حشدت إدارة المهرجان فريق أحلام استثنائياً لعضويّة لجنة التحكيم التي يرأسها السينمائي المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إنياريتو (مخرج فيلم «بيردمان») إلى جانب ثمانية أعضاء يتوزّعون مناصفة بين رجال ونساء من سبع جنسيات مختلفة: الممثلة الأميركية إيل فانينغ، والمخرجة وكاتبة السيناريست الأميركية كيلي ريتشارد، والمخرجة وكاتبة السيناريست الإيطالية أليس روهواتشر، والممثلة والمخرجة ميمونة ندياي من بوركينا فاسو، بالإضافة إلى الروائي والمخرج الغرافيكي الفرنسي إنكي بلال، ومواطنه المخرج والسيناريست روبين كامبيو، والمخرج والسيناريست اليوناني الألمعي يورغوس لانثيموس، ومن بولندا المخرج والسيناريست بافيل بوليكوفسكي. 
«أحمد» للأخوين داردين عن مراهق يخطّط لاغتيال معلّمته متأثراً بأفكار إمام مسجد في بلجيكا


ويبدو أن فرنسا الرسميّة قد وضعت كل بثقلها لإنجاح دورة هذا العام، كنوع من الدعاية المضادة لسوء السمعة الذي أصاب البلاد نتيجة 26 أسبوعاً من تظاهرات السترات الصفر ـــ فقراء فرنسا وطبقة مهمشيها ـــ وما تسببت به من مواجهات مع قوات الأمن في أكثر من مدينة فرنسيّة. إلى جانب التنظيم الأمني الدقيق للحدث البرجوازي الطابع ولجنة التحكيم المتخمَة بالأسماء التي لا يشقّ لها غبار، بُذلت جهود حثيثة لتجاوز الأزمات التي هبّت من قِبل الغرب الأميركي، فكادت تعصف بالمهرجان خلال العامين الأخيرين: مسألة مشاركة النساء إثر حراك الهاشتاغ الشهير MeToo، وكذلك قضيّة مشاركة إنتاجات «نتفليكس» (وشقيقاتها) في التنافس على السعفة الذهبيّة. لكن ما تمخضت عنه تلك الجهود بقي إلى الآن من دون سقف التوقعات. إذ لم تفلح حملة «البالون الأحمر» في منح المهرجان صفة النشاط العائلي. علماً أنّها ضمت مجموعة واسعة من الخدمات والمساحات المخصصة لرعاية الرضع والأطفال وتسهيلات لعبور العائلات، إلى جانب منح بطاقات دعوة إضافيّة مجانيّة لكل رضيع ومربيته.

أنطونيو بانديراس في «ألم ومجد» للاسباني بيدرو ألمودوفار

لم تفلح الحملة في الحصول على ترحيب النقاد الذين شككوا أصلاً بفاعليّة تلك الإجراءات. لكن معظم النقاد اعتبروا أن تلك الإجراءات الشكليّة لم تكن لتحلّ مسألة الاعتداءات الجنسيّة على النساء في مهرجان منح سعفة للممثل الفرنسي الشهير آلان ديلون رغم حملة مضادة واسعة من جماعات المثليين والمثليّات (بسبب تصريحاته المعادية لهم بشأن تبنّيهم للأطفال) والنسويّات (اعترف بتعمده صفع النساء)، كما سمح فيه بمشاركة مخرجين اتّهموا باغتصابهم ممثلات خلال أعمال تصوير أو حتى في أروقة المهرجان ذاته. كما أن حجم مشاركة النساء في المنافسة على السعفة الذهبيّة بقي ثابتاً (ثلاثة أفلام فقط، وهو الرّقم ذاته الذي شارك في منافسات آخر عامين أيضاً)، ما يجعل مجموع مشاركتهن منذ إطلاق المهرجان 85 فيلماً فقط من مجموع يقارب 1700. وهو ما اعترضت عليه ثلّة من النساء على السجادة الحمراء في دورة العام الماضي، متّهمات صناعة السينما بالتغاضي عن التحيّز المؤسس ضدّ النساء.
أما في ما يتعلّق بشأن منح منتجات «نتفليكس» الأميركيّة استثناءً من قاعدة انتظار الأفلام المشاركة في المهرجان 36 شهراً قبل عرض الفيلم خارج قاعات السينما في فرنسا، التي تفرضها إدارة المهرجان تحت تأثير ضغوط اتحادات المنتجين والموزعين الأوروبيين، فإن المفاوضات فشلت كلياً بين الجانبَين للعام الثاني على التوالي رغم الضغوط الحثيثة من السفارة الأميركيّة.
وأعلنت الشركة الأهم للبث الرقمي للأعمال البصريّة على الإنترنت عدم المشاركة في «كان» رسميّاً، مكتفية بالتنافس على الأوسكارات في الفضاء الأنغلوفوني، حيث لم تجد هوليوود التقليديّة بداً من التعايش مع نموذج إنتاج جديد فرضته «نتفليكس» وبقيّة شقيقاتها (أمازون، هولو ...). وقد فازت أعمال عدة من «نتفليكس» تحديداً بجوائز مهمة في الدورة الأخيرة للأوسكار 2018. مثلاً، ترشح فيلم «روما» لتسعة جوائز فاز بعدة منها وبقي الأقرب للفوز بالأوسكار الذهبي – الجائزة الأهم - حتى اللّحظة الأخيرة. فشل المفاوضات بين الجانبَين سيعني بالضرورة أنّ أعمالاً مهمة، مثل فيلم مارتن سكورسيزي «الإيرلندي» (بطولة ميريل ستريب)، لن تجد لها مكاناً في الرّيفييريا الفرنسيّة.

إيليا سليمان في «لا بد من أنها الجنة»

لكنّ تطوراً خلال الأسابيع القليلة الماضية أظهر أن ضغوط السفارة الأميركيّة ربما قد تكون أثمرت في فتح قناة جانبيّة من خلال القائمين على فاعليّة المخرجين التي تستمر لأسبوعين في ظلّ المسابقة الرئيسة وينظمها اتحاد المخرجين الفرنسيين. إذ وافق هؤلاء على ضمّ فيلم أنتجته «نتفليكس» ضمن عروض هذا العام. وقد أعلن بالفعل عن إدراج فيلم «جروح» للمخرج الإيرانيّ – البريطانيّ باباك أنفاري ضمن قائمة عروضهم التي تضم 23 فيلماً هذا العام، رغم أنّه لا يمتلك حظوظاً في مواجهة أعمال سينمائيين كبار من وزن كين لوتش وتيرانس مالك. ويعتقد مراقبون أن تلك الخطوة قد تكون مصدر صدام بين إدارة المهرجان الرئيسي واتحاد المخرجين. لكنّ آخرين يعتقدون أن تلك قد تكون بمثابة حل وسط لتجنّب الجدل الفرنسي – الأميركيّ شبه الدائم حول حقوق عرض منتجات هوليوود في السوق الفرنسيّة.
بالعودة إلى الأفلام المشاركة في المسابقة الرسميّة، فإن هناك أعمالاً عدة بارزة يرشحها النّقاد لترك أثر كبير على جمهور الكروازيت والمنافسة بقوّة للفوز بسعفته الذهبيّة. إلى جانب فيلم الافتتاح «الموتى لا يموتون»، تتضمن المسابقة الرسمية «كان يا ما كان في هوليوود» للأميركي كوينتن ترانتينو وهو فيلمه الشخصي التاسع، ويشارك فيه النجمان براد بيت وليوناردو دي كابريو، ويحكي قصة ممثل وممثل بديل من أجواء صناعة السينما الأميركيّة في الستينيات، و«بورتريه للشابة في النار» للمخرجة الفرنسيّة سيلين سيامّا الذي يحكي قصة مثيرة من القرن الثامن عشر عن علاقة غريبة تنشأ بين فتاة شابة ورسام طُلب إليه أن يرسمها كجزء من تحضيرات حفل زفافها. هناك أيضاً فيلم «الرجل الصاروخ» لديكستر فليتشر الذي صار بشكل متزايد مخرج هوليوود الأول في صناعة أفلام سير المشاهير. في هذا الفيلم، يروي سيرة مغني البوب البريطاني المثير للجدل إلتون جون الذي يلعب دوره تارون إغيرتون، وكذلك فيلم «فرانكي» للأميركي إيرا ساشس الذي تلعب بطولته الممثلة المعروفة إيزابيل أوبير، ويحكي تأثيرات حياة أزمة عائليّة عبر ثلاثة أجيال متتابعة. كين لوتش، المخرج البريطاني اليساري يعود إلى «كان» في مشاركة تحمل الرقم 14 وبعد فوزين سابقين بالسعفة الذهبية عامي 2006 و2016.

ليوناردو دي كابريو في «كان يا ما كان في هوليوود» للأميركي كوينتن ترانتينو

فيلمه الجديد «نعتذر، لقد نسيناك» يسجّل وقائع حياة سائق حافلة بريطاني وزوجته في صراعهما اليومي للعيش في ظل عقود الاستخدام المؤقتة وسياسات التقشف الحكوميّة التي تسحق المواطنين الأوروبيين منذ الأزمة الماليّة العالميّة في 2008. لائحة الكبار مستمرّة مع الإسباني بيدرو ألمودوفار الذي يؤدي بطولة فيلمه «ألم ومجد» كل من أنطونيو بانديراس وبينيلوبي كروز. إنّها قصة مخرج يلتقي بأصدقاء بعد عقود من الفراق، فيما تستدعي ذاكرته معارف أخرى من ماضيه. الثنائي البلجيكي اليساري جان بيار ولوك داردين الذي نال السعفة عام 1999، ينافس بفيلم واقعي هو «أحمد» المراهق الذي يخطّط لاغتيال معلّمته متأثراً بأفكار إمام المسجد في بلجيكا. ويعود الفرنسي أرنو ديبليشان بفيلمه «روبيه ـ ضوء» الذي تدور أحداثه ليلة عيد الميلاد، حين تقتل امرأة عجوز في روبيه، ويجهد رئيس الشرطة داوود لحل لغز الجريمة. اسم آخر بات معروفاً في نادي «كان» هو الكندي هو كزافييه دولان ينافس بفيلمه «ماتياس ومكسيم» عن صداقة على المحك. وفي المسابقة الرسمية أيضاً، هناك Parasite لبونغ جون هو، و«الخائن» للإيطالي ماركو بيلّوكيو، و«أتلانتيك» للفرنسية ماتي ديوب، و«بحيرة الإوزة البرية» للمخرج الصينيي دياوو يينان، و«غوميرا» للروماني كورنيليو بورومبيو، وSibyl للفرنسية جوستين ترييه، و«جو الصغير» للنمساوية جيسيكا هاوزنر، و«فرانكي» للأميركي إيرا ساكس، وBacurau للبرازيليين كليبر مندونسا فيلو وجوليانو دورنيليس، و«البؤساء» للمخرج المالي لادج لي. وللمرّة الأولى منذ فوزه بالسعفة الذهبية عن «شجرة الحياة» (2011)، يلتحق فيلم «حياة مخبأة» لتيرانس مالك بالمسابقة الرسمية عبر قصة تدور في النمسا خلال الحرب العالمية الثانية. ويعود المخرج الفرنسي كلود لولوش ليقدم «أجمل سنوات العمر». يعتبر الشريط ختام ثلاثية بدأها المخرج بـ «رجل وامرأة» (1966) الذي شكّل أحد أبرز نجاحات لولوش مع بطليه أنوك ايمي وجان لوي ترانتينيان اللذين يجسدان الدور في الفيلم المنافس في «كان». وكان المخرج قد ألحق فيلمه الأول بتتمة هو فيلم «رجل وامرأة: بعد مرور عشرين سنة» (1986).
يعود الفرنسي كلود لولوش ليقدم «أجمل سنوات العمر» ختام ثلاثية بدأها بـ «رجل وامرأة» عام 1966

عربيّاً، فإن أبرز مشاركات هذا العام تأتي من المخرج الفلسطينيي المعروف إيليا سليمان الذي فاز فيلمه «يد إلهية» (2002) بجائزة لجنة التحكيم في «مهرجان كان» عام 2002. أما في فيلمه الجديد «لا بد من أنها الجنّة»، فيستمر في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي بطريقته. هذه المرّة، يلعب سليمان شخصياً وفي أجواء هزليّة ساخرة دور فلسطيني يهرب من جحيم العيش في الأرض المحتلة إلى المنافي البعيدة في باريس ونيويورك ليعاني من لسعات الجحيم هناك أيضاً. عربي آخر يشارك في المسابقة الرسمية هو التونسي عبد اللطيف قشيش. بعد فيلمه «حياة أديل» الذي نال السعفة الذهبية عام 2013، يقدم قشيش «مكتوب، ماي لوف: إنترمتزو» وهو تتمّة لجزء أوّل قُدّم في «مهرجان البندقية» عام 2017 بعنوان «مكتوب ماي لوف: كانتو أونو». عربياً أيضاً لكن خارج المسابقة الرّسمية، هناك فيلم «أبو ليلى» للمخرج الجزائري أمين سيدي بومدين الذي سيعرض في تظاهرة «أسبوع النقاد»، وكذلك «القديس المجهول» للمغربي علاء الدين ألجيم، و«أنت تستحق حبّاً» الذي يسجل تجربة الإخراج الأولى للفرنسية – التونسيّة حفصية حرزي، بينما يقدّم ضمن العروض الجانبيّة الخاصة فيلم المخرجة السوريّة المعارضة وعد الخطيب وزميلها إدوارد واتس «إلى سما» وهو منتج من تمويل أميركي بريطاني يلعب مجدداً على اسطوانة «أنقذوا حلب المحاصرة»، ويتوجه للجمهور الغربيّ وفق المسطرة الاستشراقيّة المعهودة.