منذ عام، بالتمام، عُرض فيلم «يوم الدين» (يعرض حالياً في بيروت) للمخرج المصري أبو بكر شوقي في المسابقة الرسمية من «مهرجان كان السينمائي الدولي» بين كوكبة من أكبر الأفلام والأسماء العالمية.

قبل ذلك اليوم، لم يكن أحد قد سمع عن اسم شوقي، باستثناء مجموعة صغيرة من الذين شاهدوا فيلمه الوثائقي الأول «المستعمرة» خلال «مهرجان الإسماعيلية الدولي»، منذ عشر سنوات، وهو مشروع تخرج شوقي في المعهد العالي للسينما آنذاك. خلال هذه السنوات العشر، عكف أبو بكر شوقي على تنفيذ مشروع فيلم روائي طويل، عبارة عن تطوير لـ«المستعمرة» الذي كان يتناول الحياة في مصحة مرضى الجذام في مصر، وهي مكان معزول أشبه ببيوت المرضى العقليين زمن العصور الوسطى.
التقط أبو بكر شوقي إحدى الحالات التي عاشت في هذه المصحة المسماة بـ«المستعمرة»، وقرر أن يجعل منه بطلاً سينمائياً لفيلم يدور عن حياته في إطار «خيالي»، يقوم فيه الرجل المشوه، الذي تجاوز الأربعين ــــ قضى معظمها حبيساً في المستعمرة ـــــ برحلة بحث عن عائلته التي تخلّت عنه وتركته كاللقيط على باب المصحة منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

من الفيلم

وكأنه لا يكفي أن يكون «بطل» الفيلم، الذي يدعى بشاي، من المنبوذين المشوهين، لكن كل الشخصيات التي يختارها أبو بكر شوقي لتشارك في «كرنفال» المشوهين هذا هم من المهمشين والمنبوذين: بشاي، ليس فقط مريض جذام، لكنه مسيحي، وصعيدي، في بلد يعتبر فيه المسيحيون أقلية، والصعايدة مصدراً للنكت والسخرية. أما مرافقه في الرحلة، فهو صبي نوبي، ينتمي لأقلية أخرى تختلف عرقياً ولغوياً. وهذا الصبي الوحيد المشرد يطلق عليه سكان المستعمرة اسم أوباما، تدليلاً على لونه أو سخرية منه. وعبر الرحلة التي تجمع بشاي وأوباما، يلتقي الاثنان بعدد آخر من «المعاقين» والشحاذين والفقراء. ومع تقدمنا عبر الرحلة التي تتجه جنوباً باتجاه الصعيد، مصر العليا، يبدو كما لو أننا، على العكس، نهبط تدريجاً إلى جحيم دانتي.
ولكن، مثل جحيم دانتي، فهذا الهبوط ليس سوى خطوة نحو التطهير، نحو المواجهة والحساب وحرق كم الشرور والعنصرية والقبح الذي ابتلي به الإنسان. «المستعمرة» بشكل ما تشبه حياتنا على الأرض، والصعود، أو العودة، نحو المنبع هي وسيلة للفهم والتكفير والتحرر.
فكرة إنسانية وموضوع جريء في إطار فيلم مستقل يخلو من النجوم، باستثناء عدد قليل جداً من الممثلين المحترفين في أدوار شرفية، وشروط إنتاج بسيطة ومنخفضة للغاية، لم يكن يمكن عمله أصلاً لولا مبلغ مالي صغير حصل عليه من إحدى جهات الدعم الأوروبية.
هذا فيلم نبيل، شجاع، ثوري الشكل والمضمون، ولكن للأسف، بالرغم من اختيار «كان»، فقد ضيع أصحابه فرصة صنع فيلم «عالمي» بمعنى الكلمة، يمكن أن يحقق توزيعاً عالمياً ومشاهدات بالملايين، وأن يحصد الجائزة الكبرى من «كان»، بدلاً من جائزة هامشية «إنسانية»، ذلك لو أن أصحابه بذلوا مجهوداً أكبر على السيناريو، لشغل الرحلة بمواقف درامية مشبعة ودالة ومقنعة، ولو أنهم اشتغلوا أكثر على الحوار بالتحديد، الذي جاء «مدرسياً» مفتعلاً في كثير من الأحيان، وبالطبع لو اشتغلوا أكثر مع الممثلين، خاصة «المحترفين» الذين كانوا أسوأ ما في الفيلم!
فيلم نبيل، وشجاع، وثوري في الشكل والمضمون

«يوم الدين» مبني على قالب «فيلم الطريق» الأميركي، وهو متأثر بالتحديد باثنين من أعمال ديفيد لينش، هما «الرجل الفيل» Elephant Man و«القصة المباشرة» The Straight Story. الأول حول شخص مشوّه منبوذ يعامل بشكل لا إنساني وفي أحد المشاهد يصرخ، مثل بشاي، في الجمع المحتشد حوله: «أنا إنسان». والثاني حول رجل عجوز يعود إلى دياره لزيارة أخيه المريض على متن عربة مضحكة تماثل رحلة بشاي على متن عربة «الكارو» التي يجرها حمار، ومن الغريب أن لينش اقتبس كلا الفيلمين عن قصتين واقعيتين! لكن الفارق بين «يوم الدين» و«الرجل الفيل» و«القصة المباشرة» يكمن في قدر الحرفية والاهتمام بالتفاصيل، وهي شروط أي عمل فني عظيم.

* «يوم الدين»: «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080