لندن | باستثناء قلّة من الشيوعيين الرّسميين، لم يعد هناك خلاف بين الشرق والغرب على حقيقة الجرائم الهائلة التي ارتكبها زعيم الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين خلال ثلاثة عقود من توليه السلطة وإن تفاوتت أرقام ضحاياه بين المؤرخين. لكن تناول المخرج أرماندو إيانوتشي للحظة «موت ستالين» في كوميدياه السوداء بدا أقرب إلى التهريج واستدعاء الضحكات منه إلى التحذير الساخر من فكرة الديكتاتوريّة أو وصف الديناميات التي حولت دولة تحالف العمال والفلاحين إلى كابوس رعب مقيم.

يعدّ البريطاني أرماندو إيانوتشي (1963) اليوم من أهم المخرجين في العالم الأنغلوفوني لناحية قدرته على تقديم نقد سياسي عميق وهجاء ساخر لمنظومات صنع القرار على ضفتي الأطلسي في أعمال تلفزيونية وسينمائيّة ناجحة. في مسلسل In the thick of it، فكك ضاحكاً آليات العمل العقيمة داخل كواليس بيروقراطية السلطة في بريطانيا قبل أن يقدّم ستة مواسم من مسلسل Veep الذي بدت فيه نخب الحكم الأميركية شديدة الضحالة بل أيضاً بشراً قد تسرّب السّواد إلى قلوبهم حتى أصبحوا أشخاصاً سيئين حكماً. قدم بعدها فيلم In the loop عن تآمر بلير وبوش في التحضير لغزو العراق. لذا عندما شرع في تصوير «موت ستالين» عام 2016، توقع الجميع منه تقديم تجربة فنية استثنائيّة في التحذير من خطر الديكتاتوريات أو وصف ديناميات «الستالينيّة» كظاهرة نكوص بشري حولت أوّل ثورة عمّال ناجحة إلى مملكة خوف تكاد تبدو معها الخرافة عن دراكولا مجرد كاريكاتور مسلّ. لكن إيانوتشي انتهى إلى تقديم شريط كوميديا موقف، يستجدي الضحكات من خلال مبالغات ساذجة، وسخريات منحازة من دون سبب مقنع مع انتقاء غير بريء لبعض الحقائق التاريخيّة على حساب أخرى. أمر يدفعنا إلى التساؤل عن سر اختياره شخصية من ملفات التاريخ لموضوع طرح مسألة «الديكتاتوريّة» في وقت تتناسل فيه النماذج الحيّة لحكومات الملكيّة المطلقة لسلالات العرب الحاكمة إلى جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية التي يديرها من وراء ستارة السيادة والاستقلال موظفون من الدرجة الثالثة في المخابرات المركزيّة الأميركيّة، مروراً بمهزلة البلاط الترامبي في قلب العالم «الحر».
مع ذلك، نجح «موت ستالين» في استجرار ضحكات الملايين عبر العالم وحقق أرقاماً لا بأس بها في شبابيك التذاكر: الأجيال الجديدة التي لا تعرف شيئاً عن التجربة الستالينية، ضحكت من تلاعب إيانوتشي الذكي على تحويل مواقف مرعبة إلى كوميديا سوداء، والمؤسسة الرسميّة البريطانيّة رأت فيه إضافة نوعيّة في ترسانتها للهجوم على روسيا الحاليّة، واحتفل به النّقاد اليمينيون أيام الحرب الباردة بوصفه يلقي بالمزيد من الظلال السوداء على تجربة الاتحاد السوفياتي. وقهقه اليساريون التروتسكيو النزعة على منظر عدوهم التاريخي متمدداً على الأرض جثة هامدة لا حول لها ولا قوّة. وحدها وزارة الثقافة الروسية لم تتقبل التوظيف السطحي للرموز الوطنية الروسيّة خلال المرحلة السوفياتية، لا سيما شخصية الجنرال زوخوف (لعب دوره جيسون ايساق) قائد الجيش الذي حقق الانتصار على النازية عام 1945. اعتبرت أن إطلاق الفيلم بمثابة إهانة مقصودة لروسيا عشية الاحتفال بمرور 75 عاماً على معركة ستالينغراد ومنعت عرضه في البلاد. لإعداد سيناريو «موت ستالين»، اعتمد إيانوتشي وفريقه على رواية (فرنسيّة) مصورة بالاسم نفسه كتبها فابيان نوري وتييري روبن عام 2010. لكنه سمح لنفسه بتضخيم أدوار بعض الشخصيات وتقليص أخرى كما أضاف مقاطع دعائيّة الطابع من مصادر مختلفة.
تجري أحداث الجزء الأوّل من الفيلم داخل بيت ريفي لستالين في بدايات آذار (مارس) 1953 حيث يسهر أعضاء اللجنة المركزيّة صاغرين مع زعيمهم (لعب دوره أدريان ماغلولين) ولوقت متأخر حيث الوجوه مجرد أقنعة، والخوف سيد الجميع. لكنهم لا ينسحبون إلى بيوتهم قبل التصديق على قائمة إعدامات اليوم التالي، في حين تنتقل القيادة في الجزء التالي إلى موسكو حيث التحضيرات لجنازة الزعيم الرّاحل. يبتدع إيانوتشي حادثة مضحكة ملفقة عن سبب موت ستالين، لحظة طلبه نسخة من تسجيل عزف حفلة موسيقية كان يستمع إليها على راديو موسكو في حين لم تكن الحفلة مسجلة، فتعيد الإذاعة الحفلة مرّة أخرى لتسجيلها بالتهديد والوعيد وجلب المشاهدين عنوة من الشارع، بينما قائد الأوركسترا يطمئن فريقه بأن لا يقلقوا، فلن يعدم أحد إن هم أعادوا العزف من جديد. يموت الرّجل بالفعل خلال 20 دقيقة من بداية الفيلم وتبدأ مرحلة الصراع الطاحن على الخلافة، لا سيما بين زعيم البوليس السرّي باريا (سيمون راسيل) ووزير الزّراعة نيكيتا خروتشوف (ستيف بوسيمي). مرحلة تملأ معظم وقت الفيلم وتصيب المشاهد بالملل أحياناً.

شريط يستجدي الضحكات من خلال المبالغات الساذجة


الممثلون جميعهم بريطانيون أو أميركيون، وقد اختار إيانوتشي أن يتركهم يتحدثون بلهجاتهم المختلفة «لنزع الصفة المحليّة عن الفيلم وللإيحاء بأن الديكتاتوريّة ممكنة في كل مكان ولا تقتصر على موسكو» كما صرّح في مؤتمر صحافي، وإن كانت تلك حجة علاقات عامة لم تنطل على أحد. إذ إن الفيلم كان ليتحول إلى مأساة تامة لو جرّب الممثلون الأنغلوفون التحدث باللغة الروسيّة أثناء أداء أدوارهم، ولا شك في أن تجنب فخ اللغة هذا ساعد الممثلين في التركيز على تقديم أعمق للشخصيات وانفعالاتها. اعتماد إيانوتشي على الرواية المصورة كمصدر رئيس لفيلمه، لم يمنحه الفهم الكافي لآليات عمل النظام السوفياتي. لم نجد في الشريط ما يجعله مختلفاً عن كواليس السياسة في الغرب رغم أن ستالين وطاقمه لم يكونوا يوماً تحت طائلة وهم المسؤوليّة العامة أمام الشعب أو تلك الكتلة الهلاميّة المعروفة بالرأي العام. الفرق الوحيد ربما في أدوات القتل ـ هناك مشاهد عدة في الفيلم لإعدامات فوريّة بالمسدسات ــ بينما هي في الغرب بالدرونات أو بالحصار الاقتصادي وتلك أفعل أثراً بالطبع. وليس في الفيلم ألعاب سياسيّة ذكيّة تمتع العقل بل مجرد مماحكات وإطلاق إهانات وعنف غير مبرر لاستدرار الضحك. وليست هناك أيّ إشارة إلى خلفيّة وصول ستالين للإمساك بتلابيب السلطة، وهي مسألة مفصليّة لفهم الأحداث اللاحقة. كما يظهر إيانوتشي قليل الذّوق في اختياره لذكر جرائم باريا المتسلسلة في اغتصاب الفتيات الصغيرات من دون سبب مقنع، في حين تجنّب مسألة العداء للساميّة التي كانت دون شك من أجزاء لغز مرحلة ستالين. كل ذلك يدفع بشريط «موت ستالين» إلى رفوف أفلام البروباغندا الرديئة التي تنتمي إلى حقبة الحرب الباردة بدلاً من المكانة الرفيعة التي اعتدنا عليها لأعمال إيانوتشي. ربما كان الأجدى له لو وظّف مواهبه في فيلم عن أجواء بيروقراطيّة الخوف داخل البيت الأبيض في عهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الذي ربما لا يطلق النار على معارضيه في واشنطن، بل يفصلهم لأسباب شخصيّة محض ويشوه سمعتهم، ففيها من المفارقات الساخرة والشخصيات الكاريكاتوريّة ما يتفوق على أي خيال يتعلق بالستالينيّة وستالين. «موت ستالين» فيلم للباحثين عن كوميديا الموقف الأنغلوفونيّة المسطحة. كل الآخرين عليهم انتظار أعمال أخرى لفهم أفضل ــ ولو من خلال الكوميديا السوداء ـــ عن وقائع خسارة عمال العالم لتجربة 1917 الأنبل لمصلحة الشخصيات المنتفخة، وبيروقراطيات الخوف المتراكب، وسياسات تعليق الأخطاء على مشجب أعداء الاشتراكية موهومين كانوا أو حقيقيين.

* عرض «موت ستالين»: 19:00 مساء اليوم ـــ «زيكو هاوس» (الصنائع ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/746769