طبعاً زمن الصبوحة لا يشبه زمننا. هذا طبيعي، لكن ما هو غير طبيعي أن المعايير التي ضبطت الفن العربي تراجعت على نحو هستيري. بمعنى أن التحرّر التي عُرِفَت به صباح قبل عقود ترافق مع صوتٍ قدير واستثنائي، فكان جسر عبورها إلى الناس قبل الطلّة والغنج والاستعراض. ما نشهده اليوم هو موجة من أشباه الفنانات اللواتي ورثن عن الشحرورة كل شي ما عدا الصوت. كان ضرورياً التعويض عن نقص العنصر الأساسي (هل يوجد أهم من الصوت في الغناء؟!) بدفع ما بدأته الراحلة في مجال الجرأة في إظهار الأنوثة بشقها اللعوب، إلى ما بعد «المقبول».


الجسد هو السلاح الأوحد اليوم. أما صباح فكان سلاحها الأول، لا الأخير، الصوت. سلاحٌ سمح لها بأداء أنماط غنائية متباعدة إلى حدّ كبير. في الفولكلور اللبناني/ المشرقي والغناء التراثي الجبلي، هي مرجعٌ وعلمٌ استطاع الوقوف أمام الراحلَين نصري شمس الدين ووديع الصافي وغيرهما من رجال «القول» في لبنان. وهنا يجب القول إن التعويل الدائم على الـ «أوف» الشهيرة عند صباح للدلالة على قدراتها الصوتية في هذا اللون الغنائي هو نوع من الاختزال والتسخيف لمساهمتها في الفولكلور. فبمَ تتميّز هذه الـ «أوف» بغير النفس الطويل وبعض العُرَب في هامش محدود في كل أبعاده، إلاّ في الطول؟ في اللون المصري، لم تستطع صباح تخطّي عمالقة الغناء الذين عاصرتهم، وهذا طبيعي، فالصوت ابن لغته وبيئته ومناخها ومياهها وتربتها أيضاً (هل تستطيع أم كلثوم منازلة الشحرورة في العتابا؟)، لكنّها على الأقل خرقت الوسط الفني المصري وكانت على قدر المسؤولية الفنية لناحية إعطاء الأعمال حقّها. في الأغنية اللبنانية التي كانت معاصرة آنذاك، أي تلك التي وضع أسسها الأخوان رحباني، صنعت صباح مجدها الأكبر. هذا اللون ترتاح له وتبرع فيه، وتحديداً عندما يأتي وقت الرقص والفرح والدبكة والرشاقة. أما الأغنية الحديثة (ومنها الرومانسية) التي عُرِفَت بها في سنوات نشاطها الأخيرة، فكانت الأسهل بالنسبة إليها. صوتها/ الجرس أكبر من هذا اللون، وبالمناسبة أساء إليها المنتجون (واضعو قالب الأغنية) في بعض ما قدّموه إليها من أغنيات هابطة، لم تكن لتليق بها، فكيف إذا أضفنا عنصر العمر المتقدّم؟ رحلت صباح أمس وكثيرون يعتقدون أنهم ورثوها فنياً، لكن وريثتها قد تكون فتاة بريئة تعمل في الزراعة ولا أحد يعرفها، تنتظر خبيراً بالغناء يمرّ بالمقرب من حقلها وتصدف أن يسمعها تنشد لجمهور من المخلوقات الساكنة في التراب.