ذات صباح عاصف، رحلت صباح (10 نوفمبر 1927 - 26 نوفمبر 2014). الشحرورة، والأسطورة، حاملة الآمال الشتى، والآلام المنكفئة خلف الابتسامة الساحرة، ارتقت أمس إلى سدّة الذكرى المضرجة بالألق. في مقر إقامتها في «فندق برازيليا» حيث أمضت سنواتها الأخيرة، رحلت «أم الغميزات»، البنت الجريئة التي كانت الدهشة أحد أسماء دلعها الحسنى. ذهبت ضاحكة كما كانت دوماً، متعالية على خيباتها الكثيرة، غادرت دنيا ملأتها شغفاً ذات عمر صاخب بعدما أوصت بالأغنية والدبكة والفرح العنيد المكابر الذي يهزأ بالوجع مهما أوتي من كيد ومكر. لم يتعب الموت أحداً كما فعل مع جانيت جرجس فغالي، فكثيرة هي الشائعات التي استعجلت رحيلها قبل حلول الموعد.


لم يكن للفرح أن يكون قضية تستحق النضال لأجلها لولا صباح. كانت موهوبة في انتزاعه من براثن الجشع والحقد والضغائن المتراكمة. كانت تردّ على مكائد الحياة بأن تزداد توهجاً وتنهض من ركام الفجيعة مترعة بالثقة ثم تمضي نحو موعد إضافي مع الروعة النقية والصخب الجميل. مهما يكن ذلك الذي منح البنت الآتية من وادي شحرور (قضاء بعبدا) نحو طقوس الشهرة لقب صباح، فهو كان مبدعاً. الأرجح أنه استشف باكراً تلك القدرة الفائقة على الانبعاث التي تمتلكها.
فطرتها الاستثنائية التي تجعلها أشدّ حماسة للنهوض بعد كل كبوة، والأهم: ذلك الثغر المتقد الواعد دوماً بموسم جديد من البهجة الخالصة. خطواتها الفنية الأولى لم تكن تخلو من صعوبة لكنها كانت واثقة إلى حدود بعيدة. سرعان ما استرعت اهتمام المنتجة اللبنانية الأصل آسيا داغر التي كانت تمتلك حضوراً على الساحة المصرية التي مثّلت ما يمكن وصفه بـ “هوليوود العرب” لوقت طويل.
سرعان ما طرق قيصر يونس، وكيل آسيا في لبنان، أبواب عائلة فغالي في وادي شحرور ليخبرهم بنيّة المنتجة ذات الباع الطويل التعامل مع “جانيت الشحرورة” كما كانت صباح تدعى حينها. ذهبت الشحرورة إلى مصر برفقة والدها، حيث كان عليها أن تخضع لتدريب موسيقي على يد الملحن رياض السنباطي. ساعدتها تلك المرحلة على اكتساب مرونة في الأداء لم تتأتّ لسواها. إلى جانب اللون الجبلي الذي كانت تتميّز به، امتلكت صباح مقدرة التعامل مع الموسيقى المصرية السائدة آنذاك، التي تميّزت بخصوصية يصعب تجاوزها. سنوات قليلة كانت كافية لتحقيق انطلاقة فنية متميزة، وكان لافتاً أن تمتلك الفتاة الآتية من منطقة لبنانية ضيقة الأفق نسبياً تلك السطوة والحضور في المحيط القاهري الزاخر بأعلام اللحن والغناء والتمثيل.
من المهمّ هنا الإشارة إلى أن براعة الشحرورة في تجسيد الأدوار السينمائية لم تقل عن مثيلتها في تأدية الغناء المتمكّن. عرفت بأسلوب ينطوي على مزيج من البساطة والتفرّد. من منصة القاهرة، أمكن لصباح أن تنطلق في عالم الأغنية والصورة، إذ سرعان ما افتتحت مسيرة إبداعية مثيرة للاهتمام تمخضت عن إنجازات يندر تحققها في ظروف مشابهة. والنتيجة 83 فيلماً، 27 مسرحية وأكثر من ثلاثة آلاف أغنية، وإطلالات مشعّة على أرقى مسارح العالم في «الأولمبيا» الباريسي، و«الأوبرا» الأسترالي، و«الفنون» البلجيكي، و«ألبرت هول» البريطاني... بمحاذاة الزحمة الفنية التي تتماهى مع حواري القاهرة وأزقتها وشوارعها، شهدت مسيرة الصبوحة احتشاداً عاطفياً قلّ مثيله، فتزوّجت ثماني مرات، آخرها بفادي لبنان الذي أمضت معه ما يزيد على 17 عاماً. طال عمرها لفرط ما كانت تليق بها الحياة، هي التي رفضت البقاء على رصيف العيش، فانغمست بكل شغفها الطفولي في تفاصيل القلب: أحبّت كما لو أنها خلقت لذلك. غنّت كما لو أنها تفعل ذلك للمرة الأخيرة.
مثّلت كما لو أنها تعيد صياغة الواقع والوقائع. ثم رحلت كما لو أنها تنشد أغنيتها الأخيرة. يمكن للمتأمّل في حياة الأسطورة أن يرصد قدراً من التواطؤ تعمّده القدر ليمدّ الحياة بمقومات الغرابة. حكاية طفلة شهدت المعاناة في البيت العائلي تتحوّل نجمة متفردة، ثم تصير أنثى مُضرجة بالخيبة، لتعاود رحلتها السيزيفية نحو أمان مفقود، فتدركه تارة وتخطئه طوراً، وتحلّق واثقة في سماء المجد ويكون عليها أن تعاقر الوحشة، لكنها تبقى في كل تحولاتها أيقونة متمنعة على أي انضواء.
قيل فيها الكثير واختلف بشأنها الناس، وطبعت لأجلها الكتب، وكتبت من وحيها المسلسلات آخرها «الشحرورة» (2011 ـ تأليف فداء الشندويلي وإخراج أحمد شفيق وإياد صلاح) الذي لم ينصفها، وتآمر عليها منحازون للعتمة، وبقيت صباح: شعشاعة، بسامة، براقة، رقراقة تمشي واثقة على ماء العيون المنبهرة، ثم تنهمر كمعجزة جميلة. بعد غيابها الذي لن تخصص له الدولة يوم حداد طبعاً، ستكتب عنها الأقلام كثيراً وستهطل الذكريات كمطر يوم الرحيل، وسيبحث عنها المحبّون في قصائد العشق، ستفتقد طلّتها المسارح وتشتاق إليها الكلمات، وستظلّ الصبوحة لغزاً عصياً على الأذهان.


* يسجّى جثمان صباح عند الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الأحد المقبل في «كاتدرائية مار جرجس المارونية» (وسط بيروت)، ويحتفل بالصلاة لراحة نفسها عند الساعة الثانية من بعد ظهر اليوم نفسه في مأتم شعبي، وتوارى الثرى في مسقط رأسها في بدادون (جبل لبنان). تقبل التعازي في يوم الوداع، ويومي الاثنين والثلاثاء في الكاتدرائية المذكورة من الساعة الحادية عشرة قبل الظهر حتى السادسة مساء.