أوصتنا صباح ألا نبكي عليها. ونحن لن نفعل. لم يخطر ببالنا أصلاً أن نبكي، برغم الحزن الكبير. نحزن أساساً على أنفسنا وعلى الزمن الجميل. نحزن لأن الصبوحة عاشت المرحلة الأخيرة من حياتها بصعوبة، على حافة العوز، بين شائعتين عن موتها. نحزن لأن سفيرة العصر الذهبي، عابرة الحقب، مطربة كل العصور من الضيعة اللبنانيّة إلى قاهرة الأربعينيات والخمسينيات، عاصمة النهضة والفن، يعلن رحيلُها نهاية زمن كانت الفنّانة فيه مطربة قبل كل شيء… والباقي كلّه ـــ الجنون والاسراف والاستعراضيّة والحياة الخاصة و«الفضائح» إذا كان لا بدّ منها ـــ يأتي بعد الصوت والموهبة والمراس والمنجز الابداعي.


نحزن كثيراً، لكننا لن نبكي. كيف يبكي المرء الصبّوحة؟ اسمها وحده رديف للفرح والخفّة وحبّ الحياة. ما إن تستعيد صورتها، أسطورتها، حتى تحضر تلك الضحكة الملعلعة التي تميّزها، وتلك البحّة التي تعطي للصوت عمقاً وصدقاً وسحراً وغواية ودلالاً. ضحكة اقترنت بالعفويّة وطيبة القلب، لكنّها أساساً تمرد على القيود، واحتفاء بالحياة وملذاتها، لنقل إن ضحكتها «مانيفستو السعادة». جانيت فغالي، شحرورة الوادي، امرأة المئة فيلم ومسرحيّة، والثلاثة آلاف أغنية، والثمانية رجال، تبشر بالفرح والنشوة والحب والتفاؤل في كل ما غنّت وجسّدت وعاشت. صباح، أو مديح الحواس، بدءاً بحاسة السمع. إنّها أكثر من رمز نسوي قبل الأوان، وهمزة وصل بين اللون الجبلي والثقافة الريفيّة، والطرب العربي والثقافة المدينيّة التي «ضيّعت فيها قلبها». هذه المرأة التي صنعت من حياتها كل ما تريد، وعاشت أعماراً كثيرة حتّى لا نكاد نصدّق الرقم الرسمي (٨٧ عاماً)، هي الشاهدة على حياتنا أيضاً، هربت بها خارج الميثولوجيا والشطحات المثاليّة والغيبيّة. مع صباح كل شيء يبدأ بالجسد وينتهي عنده، حتى حب الوطن. كتبت بمسيرتها ذاكرة القرن الماضي، هي التي بدأ نجمها يصعد مع موت أسمهان، ورست على ضفاف النيل، على خطى لور دكاش، وقبل سعاد محمد ونجاح سلام… وأخرجها السنباطي من قوقعة الضيعة، فجمعت في مسيرتها الغنائيّة بين زكي ناصيف وفلمون وهبي والرحابنة ووديع الصافي ووليد غلمية وحليم الرومي وعصام رجي و... نجيب حنكش من جهة، وكمال الطويل ومحمود الشريف وبليغ حمدي وسيد مكاوي والقصبجي والموجي وفريد وعبد الوهاب من جهة أخرى… والقائمة تطول. إنّه تاريخ الأغنية العربيّة مجسّداً في امرأة. إنّه تاريخنا الثقافي والسياسي والعاطفي والحميم مجسّداً في صوت. مضت صباح وبقي صوتها. نسمعها تردد كلمات صلاح جاهين على لحن سيد مكاوي «أنا هِنا يا ابن الحلال/ لا عايزة جاه ولا كتر مال/ بحلم بعش/ أملاه أنا سعد وهَنا/ أنا هِنا يا ابن الحلال». تنظر إلى زمننا الأبكم و… تضحك.